القداسة الدينية للفرس، والثقافة لمدينة الصدر

هناك أشياء أجمل من الحياة نفسها، رغم روعة الحياة وعظمتها.

مثلا هذه الرسالة التي وصلتني اليوم من مثقف عربي رائع>

"شكرا استاذ اسعد

ثم انني استغرب من المشهد الثقافي العربي،

الذي يتصدّره الموقوذة، والنطيحة وما أكل السبع، وأمثالكم لا يسمع عنهم أحد!..

اليوم كنت اتحدث مع احد اصدقائي عنك

وارسلت اليه بعض المقالات ولم يكن أقل ذهولاً مني.

شكراً لوجودك في هذا العالم المسخ

كدت أطلّق القراءة لولا عثرت على صفحتكم

محبّكم فلسطيني مغترب في المانيا ".

حين تكون أفكارك جميلة إلى هذه الدرجة، فإنك تغار عليها، وتحتفظ بها لنفسك.

إن جسدي متلهف إلى الحياة الآن، أكثر من الكتابة. الأشياء التي كتبتها، بعضها رائع حقاً، وأعتقد أنه سيبقى. لكن الحنين إلى الحياة، كالحنين إلى الكتابة، لا بد أن يأتي في النهاية.

أنا مسرور جدا، لأنني مجنون إلى هذه الدرجة، ولا أكلف القارئ عناء التركيز، لأن كتابتي غريزية، وليست ذهنية.

طاقة تمرد على الشرط الإنساني الخانق.

إن الشمس التي أشرقت هنا، بسبب إخلاصي المستمر، تُشرق الثالثة عصرا الآن، في شارع "ميتكالف" قاع مدينة أوتاوا الرائعة، تمنحني أحضان الحياة المشرقة.

الحياة والكتابة، كلاهما إخلاص عذب، ولا محدود.

لقد تحسنت كتاباتي كثيرا، منذ توقفت عن قراءة الكتاب العراقيين.

هذا زمن العبقريات الصدرية؟

من وجيه عباس إلى أحمد عبدالسادة إلى رياض الوادي... الخ

مبدعون من مدينة الصدر الولود!

إن طعم الكابوتچينو من يد هذه الفتاة الكندية هو الأبدية يا صاحبي

الكاتب تأكله العزلة الطويلة، وتبرد أطرافه بسبب الظلام والرطوبة

لابد له من تجفيف نفسه تحت الشمس، بالتعرض العذب للحياة والحرية

إن الأديب هو حرية في حالة تشكل.

لا تجعل المرأة مركز الهامك، ما تريده المرأة من الشاعر هو ما يريده الطفل من العصفور :القفص، والحرية.

هناك نفق سري بين الكتابة وكل تفاصيل حياتك. كل حياة هي إبداع، وكل كتابة هي إمكانية إبداع.

المعدات اللازمة لنفق كهذا هي مطرقة الحرية، ورشف الصدق.

إن الإنسان يولد من جديد بلا شيء، حتى بخيبات الأمل، والحظ العاثر.

ربما حين نعثر على حياة واحدة في زمانها، نعثر على العصر كله. فقط علينا العثور أولا على كتابة تقول لنا شيئا حقا. وها هو الليل يدخل في منتصف الطريق. نريد أغنية للضائعين، ونجمة نابضة تمنحنا الأمل والقوة.

إنني في مرحلة تساؤل وصمت عن الثقافة العربية والعراقية تحديدا؟ لماذا نبذل كل هذه الجهود للكتابة اليومية؟. لماذا نكتب مقالات مثلا وننشرها؟

لا يوجد أي مردود، لا معنوي ولا مادي.. ولو مردود قليل.

هذا خلل كبير، وسيؤدي في النهاية إلى انقراض الثقافة.

في كندا، مردود كبير موجود ومن مصادر كثيرة للكاتب. أولها إيرادات بيع كتبه مثلا. بل يكفي أن تقدم للمدينة الكندية التي تعيش فيها أنك بحاجة إلى تفرغ لكتابة ديوان شعري أو كتابا عن السلام أو الجماليات... الخ. الدولة تمنحك هدية/منحة لمساعدة مشروعك حوالي عشرة آلاف دولار في السنة. هذا، إضافة إلى الكتابة الصحفية التي تتحول إلى دخل شهري حقيقي إذا كانت منتظمة في الصحف الكندية.

الكاتب العراقي لماذا يكتب؟ هل هناك جدوى من ذلك؟

هذا زمن الزرقاوي وحسن نصرالله، ومقتدى الصدر، ومحمد العريفي.... لا مكان فيه للجمال.

ثقافة دعاية مذهبية، وسياسية، ومردود مباشر لصاحب الموقع، أو الفضائية من السياسيين، وملوك الطوائف، والحكومات.

ثقافة فساد اقتصادي، وعقلي، وأخلاقي.

الثقافة العراقية اليوم نجومها كلهم من مدينة الصدر. توقفت المدن الحقيقية عن تقديم مثقفين للدولة العراقية. الموصل، والبصرة، والناصرية، وبغداد الحقيقية (بغداد غائب طعمة فرمان) انكمشت على نفسها في صمت..... لينقض لطامة مدينة الصدر على المشهد الثقافي كله، بكل تفاصيله. ثقافة هجينة تنتجها مدن هجينة، من الصفيح، والفراغ التاريخي، وذاكرة سوداء لم يتفتح الورد فيها.

الثقافة العراقية اليوم هي القداسة الدينية للفرس، واللطم والثقافة لمدينة الصدر، والصمت والكواتم للعراق العربي الحقيقي.

ثقافة تستبدل الصداقة التاريخية بين شعر غوته وموسيقى بيتهوڤن، أو بين فلسفة نيتشه وموسيقى فاغنر بصداقة مضحكة بين شعر حمزة الحلفي وموسيقى عبد فلك.

ثقافة عبدالزهرة زكي، ومحمد غازي الأخرس، ومحمد مظلوم، وأحمد عبدالحسين، وفالح حسون الدراجي و....... الخ.

ثقافة صدرية لا هوية لها. ليست عربية، وليست شيوعية، وليست شيعية، وليست شعبية، ولا حداثية،، ولا تقليدية بل هي كل هذه الأشياء حسب الظروف.

هؤلاء التهموا المشهد العراقي اليوم، وصار العراق يذكر بوجوههم ويشبههم تماماً.

أنباء عن وفاة القاص عبدالستار ناصر في كندا، بعده بيوم وفاة شيركو بيكةس الشاعر الكردي العراقي الشهير في السويد، أنباء عن حالة الروائي جمعة اللامي الصحية المنهارة في الشارقة.

الثقافة العراقية كلها تنهار، لا يوجد سبب للكتابة. لا يوجد مردود لا معنوي، ولا مادي.

حتى المراثي السخيفة التي نقرأها كلها لطم هزلي، لا توجد كتابة تسلط الضوء على روح الكاتب الفقيد ومشروعه، بل كلها ثرثرة من نوع جلسنا في المقهى، وشربنا الشاي، ثم سكرنا في البار الخ. مراثٍ تجعلك تتمنى لو أن أحدا لن يرثيك.

هل نتوقف؟