القاهرة تستغيث أغيثوها

يصعب تخيل ما آلت إليه العاصمة المصرية القاهرة، لا أقصد ما يجري من مظاهرات تقوم جماعة الإخوان وحلفائها من تنظيمات وجماعات اليمين المتطرف وما تخلفه من جرائم سواء أكانت قتلا أو إصابة أو تشويها للجدران بكتابات منحطة وسافلة تخدش الحياء، ولكن ما أقصده أنها تحولت إلى سوق كبيرة متخمة بخطوات بشر وحيوانات وعجلات سيارات خاصة وعامة، وأحيانا تتحول هذه السوق إلى حظيرة دواب من هول أكوام القمامة التي تترامي أمام الأنظار دون أن تفرق بين منشأة عامة أو خاصة، أو بين شوارع وميادين رئيسية أو خلفية.

اجتاح الباعة الجائلون والعاطلون والبلطجية بعد ثورة الـ 25 يناير 2011 ما كان تبقى من فضاء الشوارع والميادين والحدائق والمتنزهات العامة زمن نظام الرئيس السابق حسني مبارك، فتقاسموها سواء بشكل مستقر ودائم من خلال أكشاك أو مقاهي أو أسواق "كانتو"، أو بنصف الوقت أي يغلقون نهارا ويفتحون ليلا كعربات الكارو التي تبيع الفاكهة والفترينات التي تأخذ شكل الدولاب لبيع الحلويات الشرقية.

لنتخيل المشهد. كشك يحتل ما يقرب من 15 مترا من الرصيف، فجنبا إلى جنب الدولاب الخشبي هناك كراتين الشيبسي والمقرمشات وثلاجات المياه الغازية، ليتم تجاوز الرصيف إلى عرض الشارع، وقد جرّأ ذلك أصحاب المحال والمقاهي على النزول إلى عرض الشارع ببضاعتهم.

أصحاب المحال المحترمون والشركات والشقق وموظفو الحكومة في المنشآت العامة من مدارس وشركات وهيئات ومؤسسات وغيرها، لا يستطيعون التفوه بأي كلمة لهؤلاء الباعة، الأغلبية خوفا من تطاولهم الإجرامي الذي يمكن أن يصل لحد القتل، والقلة من باب التدين وحرمة "قطع الرزق"، وكل ذلك في ظل انشغال أمني بإرهابي التنظيم الإخواني وحلفائه، وتردي دور المحليات، الأمر الذي انعكس سلبا على أداء شرطة المرافق المنوط بها إزالة التعديات من الشوارع والميادين والحدائق، وحتى في حالة ما إذا قرر رجل شجاع أن يذهب لقسم الشرطة للإبلاغ سيجد كما يقولون "ودن من طين والثانية من عجين".

ويلقي كل ذلك بأعباء نفسية وعصبية شديدة الخطورة على المواطن الذي بدا منهكا ومحبطا وعصبيا، فالحالة المرورية المختنقة على مدار اليوم تستهلك من وقته ما يزيد عن أربعة ساعات يوميا سواء كان يستقل وسيلة نقل عامة أو خاصة، حيث يمكن أن يتوقف لساعة، ليس نتيجة لتكدس مروري في إشارة أو عطل طارئ، ولكن لأن عربة خضار أو فاكهة أو ما شابه تقتحم عرض الشارع، أو بسبب أكشاك تنتهك الرصيف وجزءا من الشارع.

بل إن خطوات المواطن في أحيان كثيرة لا تجد طريقها لا على رصيف ولا شارع، حيث تحاصرها السيارات وأكشاك وعربات الباعة الجائلين ومفروشاتهم، ليمضي يومه منتهكا، لا لشيء إلا للفوضى والعشوائية التي لم تستطع حكومات ما بعد ثورة 25 يناير حتى الآن أن توقفها أو تحد من توسعها.

حتى الحدائق والمتنزهات العامة والكباري المطلة على النيل، احتلتها المقاهي والكافتيريات وعربات اللب والسوداني والفيشار والحلوى والمشروبات الساخنة، فتجد الحديقة وقد تم احتكارها والاستيلاء عليها بمقاعد ومناضد وأجهزة تليفزيون، فلا يحق للمواطن الجلوس أو الوقوف إلا إذا طلب مشروبا، هذه الحدائق والمتنزهات التي كانت متنفسا مجانيا لمحدودي الدخل والفقراء أصبحت لمن يدفع.

إننا نتحدث عن شوارع وميادين ومناطق وحدائق رئيسية التي تمثل قلب القاهرة، أما إذا ذهبنا إلى المناطق السكنية والشوارع والميادين البعيدة، فالأمر يكاد لا يتخيل وفوق طاقة هؤلاء البشر الذي يعيشون هناك، فوضى عارمة، كل من تسول له نفسه فعل شيء يفعله دون أدنى مسئولية أو حرج أو خوف.

كل هذا ثم يتساءل البعض عن تصاعد حجم العنف في مصر على اختلاف مستوياته بدءا من الأسرة الصغيرة وانتهاء بالمجتمع الكبير وتزايد حالات السطو والسرقة والاغتصاب، يتساءل دون أن ينظر إلى أن المواطن يعيش مختنقا تحت وطأة الفوضى والعشوائية وغياب دولة القانون، ينزل من بيته لتلقي الصفعات والركلات والروائح النتة والانتهاكات، ينزل ورأسه مشغول بأمن زوجته وأولاده ويظل طوال مدة وجوده في الخارج على اتصال، متسائلا هل عاد الولد من الجامعة؟ هل عادت البنت من المدرسة؟ هل عادوا من الدروس الخصوصية؟ ومحذرا الجميع من البقاء للشارع.

مأساة حقيقية يعيشها المصري في الوقت الذي تنشغل الحكومة وأجهزتها بتنظيم الإخوان وحلفائه والدستور وخلفاته وقانون التظاهر وغير ذلك، غير واعية أن ثمة شيء يتهدم هناك، سقوطه سيكون كارثة بكل المقاييس، إنه الحياة الاجتماعية للمواطن التي صلاحها صلاح أمر البلاد، وأنه دون هذا الصلاح لن يجري شيء بشكل قويم. ولأجل ذلك لابد أن ينتهي أمر التنظيم الإخواني وغيرها من تنظيمات وجماعات اليمين المتطرف، وهو وأتباعه وأنصاره قلة قليلة أمام أغلبية ساحقة، لابد من وقف تظاهراتهم والتصدي له بالحزم والحسم القاطعين، لابد من الفراغ من الدستور وإصدار قانون التظاهر بما يتوافق وحماية الوطن والمواطن، ووقف الصراع على السلطة وإعلاء مصلحة الوطن، وذلك كله وغيره لأجل أن تعود وزارات وأجهزة وهيئات الدولة لعملها الطبيعي في خدمة المواطن وتعيد سيطرتها على الشارع وتكفل الأمن داخله، أما إذا كان من غير المتوقع حدوث ذلك في الأجل القريب فعلى وزارتي الدفاع والداخلية أن تخصصا بعض القوات لإزالة هذه الفوضى أو على أقل تقدير تحجيم عشوائيتها ووقف اتساعها.