القاعدة والانفلونزا.. الكذبة التي عمرّت أكثر!

بقلم: محمد حسن العمري

اعتقد ان القاعدة التي كانت مادة اعلامية نسمع عنها ولا تطالنا قد بدت من سنوات تمسنا جميعا وتقترب اكثر اذ نحن موجدون، بابطالها وضحاياها.
فالطبيب الذي ذهب ضحية تفجيرات فنادق عمّان ونعرفه عن بعد، وبتعبير احد اصدقائنا انه وفي اضعف الايمان متدينا بالفطرة اكثر من ابي مصعب الزرقاوي على اقل تقدير، فيما الطبيب البلوي صاحب العملية النوعية الاخيرة التي اودت بسبعة من عناصر السي اي ايه، اعرف اليوم بعد ان اعلن اسمه الحقيقي من عائلة "ابو ملال" التي كانت استبدلت باسم العائلة الام "البلوي"، انه شقيق احد زملائنا الجامعيين المقربين والمتدينين بالفطرة والذي لم يكن يمتلك اي امتداد سياسي او حزبي فيما اعرفه عنه وعن عائلته التي افرزت اسما حركيا ضاربا بالتاريخ "ابو دجانة!" يختال بعصبته الحمراء مشية يبغضها الله ورسوله الا في الميدان، و"الخرساني!" المبشر بالدعوة العباسية التي اتت على رأسه اخر الامر وافرزت خطبة ابي جعفر المنصور عشية مقتله، درر البلاغة في قضية خلدها قاتله.
كنت استمع للاذاعة السعودية ابان غزو افغانستان وبعده، لن يغيب عن مسمعي برنامجا دراميا، كان مفاده ان شابا كان مصرا على الذهاب للقتال في افغانستان، ووالداه يحاولان ثنيه عن الامر باعتباره وحيدهما، وكان اخر الامر ان وصلا الى حل مرضٍ للجميع ان الشاب قبل بان يجهز "غازيا" و"من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا" كما الحديث في البخاري، المهم ان موضوع الجهاد كان مادة سلسلة للاعلام العربي ليست من المحظور في شيء كما انفلونزا الخنازير اليوم، وقد كانت مجلة الامة القطرية التي ترعاها الدولة القطرية في عهد الامير (الوالد!) هي الواجهة الاعلامية للجهاد الافغاني في البلاد العربية، والتي جعلت العودة الميمونة لاسامة بن لادن بعد انحسار الاحتلال الروسي، عودة البطل المقدام المفخرة، كما تفعل الدول العربية اليوم اذ يعود فريقها الوطني لكرة القدم، وقد حقق فوزا في مباراة من الممكن ان لا تقدم ولا تؤخر في تصنيف الفيفا! كما في تصنيف الابطال الفاتحين.
تنبهت المملكة العربية السعودية منذ سنوات قليلة الى ان المد الوهمي المرتبط بالقاعدة يتصاعد باتجاهها وباعتبار ان مواقفها الايجابي من مجاهدي افغانستان هو بوابة العبور للقاعدة، فنهجت نهجا مختلفا عن بقية الدول العربية في تعاملها معه، فقبلت بعودة كل معتقليها في غوانتانامو، واسست منتديات خاصة بما يسمى بتأهيل المتورطين بالاحداث الدموية التي وقعت على ارضها، وهو ما ادى الى انخراط الكثير من العناصر المفترضة للقاعدة في الحياة المعيشية اليومية للمجتمع السعودي، وعودتهم الى صف المواطنة. فالاصلاحيون في الدولة السعودية يعتقدون ان التصعيد باتجاه القاعدة دفع الكثيرين الى التعاطف او الانخراط في تنظيمها الافتراضي الذي لا نعرف عنه الا في البيانات التي تصدر عقب كل عملية تتبناها القاعدة في الشرق والغرب. وبالانصاف اكثر فالقاعدة التي تسعى اميركا لجعلها العدو المفترض منذ ارهاصات حربيها الاخريين التي افضت الى احتلال افغانستان والعراق، ربما لم تكن صناعة اميركية فعلا، او على الادق لم تكن تنظيما وهميا، لكنها بالتأكيد تدفع باتجاه وجودها من طرفين متناقضين. فالغطرسة الاميركية التي تنتهجها في العالم كله قد افرزت اصلا "قاعدة" ولكن غير اسلامية في اميركا الجنوبية وكوريا الشمالية، وادت الى ان يعلن رجل اعمال مختص بالاعمال الخيرية كويتي انه اصبح رجل قاعدة رغم انفه اذ وجد نفسه مع صحفي سوداني غير حزبي يغطي حرب افغانستان، موصدين بالحديد في معتقل غوانتانامو. وبالاتجاه الاخر فلا احد اليوم يشكك في الجانب الهش لقدرة الاستخبارات الاميركية للتصدي للعمليات التي تقوم بها القاعدة وباساليب بدائية تستطيع اختراقها دول بدائية كما فعلت الصومال مع التنظيم الاسلامي المناوئ للرئيس الاسلامي الذي قبل بالانتخابات.
العالم اليوم باكمله مؤهل لخلق ليس قاعدة واحدة بل "قواعد" مناوئة لاميركا، قواعد اسلامية وغير اسلامية، والتنظيمات الاسلامية موجودة بطبيعتها على الاراضي الاسلامية وغير الاسلامية وعبر التاريخ الاسلامي كله، وهي تنظيمات تتراوح بين التنظيمات الدينية التي تصل بعضها الى اللاهوتية او الفلسفية غير المعنية بالسياسة بالمطلق كاخوان الصفا والمعتزلة مثلا، فيما تصل ذروتها الى تنظيمات ربما اشد مما نسمع عنه بالقاعدة اليوم، ومعروف بالتاريخ ان "ابطال" الخوارج التي هي فرز لقضية الخلافة في عهد على بن ابي طالب، كانوا هم الاشد بأسا في التاريخ الاسلامي لم يعرف ذلك التاريخ اشد بأسا من شبيب وغزالة وقطري بن الفجاءة، حالات موجودة بالتاريخ الاسلامي لا يمكن اغفالها، ومن السهل احياؤها اليوم في ظل الراهن من حال اميركا اليوم اذ تحتل دولتين مسلمتين وترعى احتلال الثالثة فلسطين.
تشهد فكرة القاعدة اليوم تناقضا واضحا في الرؤية الاميركية تجاهها، فالقاعدة التي بدأت اميركا بالحديث عنها اكثر في العراق، وتربطها بالمقاومة الاسلامية للاحتلال، تتعرض القاعدة نفسها الى انتقاد وبراءة من التنظيمات العراقية الاسلامية التي تحارب الاحتلال في العراق من جهة، فيما يعتبر حكمتيار الذي اتهمته اميركا في اول بزوغ نجمه، انه يتبنى الدعم اللوجستي للقاعدة، قد فرّ من افغانستان الى
ايران! تحت وابل نيران طالبان التي لا يختلف اثنان على تحالفها الراهن مع اسامة بن لادن، بينما تنظيم الحوثيين في اليمن المقرب من الشيعة حسب مصادر الاعلام العربي على خلاف تاريخي مع القاعدة التي يقال انها بدأت تتنامى في اليمن، وباعتقادي ان تنظيم الاخوان المسلمين الذي يسعى في اكثر الدول العربية الى المصالحة مع الحكومات، وتربطه اميركا كمؤسس افتراضي ايضا للقاعدة، هو على خلاف صارم مع القاعدة، وهي على خلاف باقٍ معه، ولا يمكن ان يتفقا.
ستة شهور ليس اكثر كانت اميركا واروبا، قد عرت نفسها وكشفت كذبة انفلونزا الخنازير التي صنعتها شركات ادوية تكاد تعلن افلاسها، فيما نراوح نحن مكاننا منذ ان انهار الاتحاد السوفيتي، و لا نعرف ان كنا نحن الارهابيين او ضحايا الارهاب الذي يضربنا في العمق بينما يمس اميركا على طريقة مغامرات هوليوود ليس الا. محمد حسن العمري