القاعدة لا تلعب في الوقت الضائع

بقلم: صباح علي الشاهر

حيّرتني تصريحات اللواء قاسم العطا، ليس بسبب كثرتها فقط، وإنما بسبب تشابهها، رغم إختلاف الأحوال والأحداث، وبسبب تناقضاتها. فمثلاً زعم السيد عطا بأن أبو عمر البغدادي وقع في يد العدالة، وأن القوات المسلحة الباسلة ألقت القبض عليه، ولم يكتف بهذا بل قدم لنا شخصاً من على شاشات التلفاز ليعترف بأنه أبو عمرالبغدادي، وقد إعتبر وهو الناطق الرسمي بأسم قوات عمليات حفظ الأمن في بغداد بإن هذا "إنجازا" ما بعده إنجاز لهذه القوات، وعندما أعلن الجيش العراقي فيما بعد عن مقتل أبو عمر البغدادي وأبو أيوب المصري، أصر عطا على أن أبو عمر البغدادي رهن الإعتقال، وكان أن أكدت القوات الأميركية فيما بعد مقتل الزعيميين القاعديين الكبيرين، ليس هذا فقط، بل أعلنت القاعدة عن نعيها للشخصيتين القيادتين، ومع هذا فإن السيد العطا لم يكلف نفسه بالإيضاح، ولم يجبنا هل أبو عمر البغدادي هو الشخص الذي قدمه في التلفزيون والذي إعترف بأنه أبو عمر البغدادي، أم أن أبا عمر البغدادي هو الذي أعلنت القوات العراقية والأميركية عن مقتله، والذي نعته القاعدة، فإذا لم يكن الذي في الحبس الآن، والذي قدم على شاشات التلفزيون على أنه أبو عمر البغدادي، هو أبو عمر البغدادي، فكيف وبأي وسيلة أجبر هذا الذي ليس هو أبو عمر البغدادي على أن يعترف بأنه أبو عمر البغدادي؟
كيف تجري الأمور داخل السجون العراقية؟ وكيف يُجبر الناس على إدانة أنفسهم، حتى بتهم تصل عقوبتها إلى الإعدام؟
لا شك أن هذا الشخص الذي أدعى هذا الإدعاء المُكلف، وهو تحت يد المحققين الرحيمة، قد فضل موتاً على موت، فضل الموت السريع على الموت البطيء، لا يوجد تفسير غير هذا، وإلا هل لدى السيد قاسم عطا تفسيراً مختلفاً؟
أنا كمواطن عراقي أطالبه بأن يفسر لي هذا الأمر: هل الذي قتل على يد الجيش العراقي والأميركان ونعته القاعدة رسمياً، هو أبو عمر البغدادي، إذن من يكون هذا القابع في السجن الآن؟ ولماذ وكيف إدعى بإنه هو أبو عمر البغدادي؟
أليس من حقنا أن نعرف، أم أن هذا أمر لا يعنينا، وإنما هو من إختصاص القيادات (الرشيدة!) هذه القيادات التي لم تكلف نفسها أن تسأل العطا، حتى مجرد سؤال، عن هذه الفوضى، وهذا التناقض، أو على الأقل عن إدعائه الذي أصر عليه حتى بعد إعلان مقتل أبو عمر البغدادي، على أن أبو عمر البغدادي رهن الإعتقال؟
كيف لنا مثلاً أن نثق بعد الذي سمعناه ورأيناه بالإعترافات على شاشات التلفزة الرسمية وشبه الرسمية، وتلك التي لا أدري لحد هذه اللحظة كيف أُبيح لها، ووفق أي قانون وشرع، أن تأخذ إعترافات من مسجونين في سجون الحكومة، وكيف ومن سمح لصاحب محطة خاصة بالتحقيق مع المتهمين وأخذ إعترافات منهم، وبثها عبر شاشة تلفزيونه، هل هذا الذي يقوم بهذا الدور إعلامي أم رجل أمن؟
كثيرة هي العجائب والغرائب في دولة العملية السياسية، والأغرب والأعجب هو سكوت الإعلاميين عن تجاوزات بالغة الفضاعة، لو حدثت في أي بلد في الدنيا لوجدت الإعلام، بقضه وقضيضه يتجند للوقوف بوجهها، أما عندنا فكل شيء يمضي بسهولة ويسر، وكأنه أمر عادي تماماً، قالوا للفرعون : من فرعنك، قال لم أجد من يحاسبني.
لو أن الإعلام حاسب، أو عرّى السيد اللواء، الناطق الرسمي بأسم عمليات حفظ القانون في بغداد، عن كل محاولات التبرير الفارغة، والإستغفال الذي يصل أحياناً حد الكذب الفاضح، هل كان بإمكانه أن يواصل مسلسل الخداع هذا؟
لو ساءله في الأقل عن كذبة إعتقال أبو عمر البغدادي، وفبركة الإعترافات، لأوقفه عند حّده، أو لأجبره على تقدير هموم الناس واحترام عقولهم.
غريب وعجيب أمر هذه الإستهانة بالمصداقية للحد الذي لا يجد فيه المسؤول حرجاً في أن يقول الشيء ونقيضه ليس في اليوم الواحد، وإنما بين ساعة وأخرى.
لا أدري هل أن الناطق الرسمي باسم عمليات حفظ القانون هو الذي يذهب للإعلاميين بعد كل عملية إرهابية، أم ان الإعلام هو الذي يذهب إليه، وسواء كان هذا أم ذاك، يبقى السؤال دون إجابة: لماذا يسهم الإعلام في تبرير الخديعة، وتسويغ الأباطيل وبثها؟
لماذا في كل مرّة يزعم السيد اللواء، وبنفس الصيغة، وربما بنفس الكلمات، أنهم أكتشفوا خيوط التنظيمات الإرهابية، وأنهم وجهوا لها ضربات سوف لن تقوم لها قائمة بعدها، وأن القاعدة تلفظ أنفاسها الأخيرة. لتأتي القاعدة في الشهر التالي أو الإسبوع التالي، وأحياناً في اليوم التالي، لتقوم بعملية يحار السيد الناطق في توصيفها، هل حدثت نتيجة إختراق، أو تهاون، أو عدم كفاءة، أم تواطؤ، أم أن القاعدة تستهتر لإنها تلعب في الوقت الضائع!
هل هي تلعب في الوقت الضائع أم أنتم؟
على جثث الضحابيا الأبرياء، ومن خلل الدمار والدخان، يعلن السيد عطا عن الإنتصار على الإرهاب، فأي إنتصار هذا؟
مع كل وجبة جديدة من شهداء العراق االأبرياء، يظهر السيد عطا ليؤكد لنا ما سبق أن أكده مرات ومرات.
دائما يتحدث بلهجة الواثق، القادر، العارف، المنتصر، وهو يبشرنا نحن الذين ننزف منذ سبع سنوات بوضع نهاية للإرهاب، ولا مرّة، إحترم الدماء البريئة وإعترف بالتقصير أو العجز، أو ضعف الحيلة، كي نتعاطف معه في الأقل وندعوا الله بأن يقويه ويشد أزره.
نسمع نفس الإسطوانة، وبنفس الإيقاع والوتيرة، حتى بات ظهور السيد عطا علامة على ضياع الحقيقة، ودخولنا في متاهات لا مخرج منها.
أصارحكم أني لا أستطيع عد لجان التحقيق التي أعلن عنها اللواء عطا بعد كل عملية إرهابية؟ ولأنني لا أستطيع تحديد الرقم، فإني ومن باب أولى لا أعرف شيئاً. بمعنى لا أملك، وأتحدى من يدعي أنه يملك، معلومات عن مجريات هذه التحقيقات بإستثناء فبركة الإعترافات التلفزوينه، وما يقوله السيد اللواء، والذي – ومع مزيد الأسف- لم يعد يحضى بمصداقية بالنسبة لإعلامي مثلي.
الشيء الذي بت متيقناً منه، ومن خلال ما يجري، وبتتابع الكوارث وتنوعها، إن الذي يلعب في الوقت الضائع ليس القاعدة حتماً، وكما هو واضح وبيّن لي ولغيري، فإن الذي يلعب في الوقت الضائع هو ذاك الذي إنتهى زمنه من دون أن يضع في الشباك الكرة المبتغاة. صباح علي الشاهر