القاعدة تفضح تشكيك النهضة في هوية مهاجمي منزل بن جدو

دعوات لمعاملة المشككين كمشاركين في الجرائم

تونس - اعلن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الجمعة مسؤوليته عن الهجوم على منزل وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو في 28 ايار/مايو وأسفر عن مقتل اربعة من رجال الأمن، في اول تبن له لعملية في تونس.

ويأتي هذا الإعلان ليسكت أصواتا تونسية تسعى لنفي وجود إرهاب في تونس والادعاء بأن "جهات" محسوبة على الثورة المضادة لا تسميها في العادة، هي المتسبب الرئيس في الإرهاب لإسقاط الحكومة الشرعية بقيادة حزب النهضة الاسلامي وحلفائه.

وقال التنظيم في بيان نشر على منتدى يستخدمه لنشر اعلاناته ان "سرية من اسود القيروان انطلقت لقطف رأس المجرم لطفي بن جدو في عقر داره بمدينة القصرين، فمكنهم الله من القضاء على عدد من حرسه الخاص وإصابة آخرين وغنم اسلحتهم".

وإثر وقوع هذا الهجوم سعت بعض الاطراف المقربة من النهضة ومن بعض الاحزاب السياسية المقربة منها إلى طرح جملة من الأسئلة بشأن العملية الإرهابية التي وقعت في مدينة القصرين (وسط غرب تونس) المتاخمة للحدود الجزائرية، كان الهدف منها دائما التشويش على تأكيدات القيادات والنقابات الأمنية في سعيها الدؤوب لملاحقة آلاف إن لم يكن عشرات الآلاف من الإرهابيين، الذين يمرحون في البلاد بحرية مطلقة والأخطر من ذلك بقدرة عالية على التمويه على قوات الأمن.

وقال محققون في الهجوم الذي استهدف منزل وزير الداخلية إن كومندوس يتكون من نحو عشرين عنصرا قدموا إلى وسط مدينة القصرين من جبل الشعانبي ونفذوا خطة عسكرية محكمة في الهجوم توزعت بين مراقبة مكان الجريمة والتمويه والتنفيذ والتغطية على المنفذين عند انسحابهم من مسرح الهجوم.

لكن المشككين في رواية وزارة الداخلية برزوا على وسائل الإعلام ليردوا هذه الرواية، متسائلين عن الجهة التي "سمحت لهم بالنفاذ من جبل الشعانبي"، في حين أن الجبل محاصر بقوات الجيش والامن التونسيين. كما تساءلوا عن ما اسموه تأخر الفرق الأمنية عن نجدة زملائهم في حين أن مقارهم كانت قريبة جدا من موقع الهجوم.

وسعى هؤلاء للترويج لشائعات رواها بعض المواطنين الذين وصفوهم بشهود العيان، عن تردد بعض عناصر الأمن في نجدة زملاهم المصابين بعد انسحاب الكومندوس الإرهابي. كما زعم شهود العيان ان عناصر الشرطة منعوهم من تقديم العون للجرحى ولأحد المصابين كان يطالب بماء ليشربه.

ويقول مراقبون إن تصريح تنظيم القاعدة بتنفيذ الهجوم اسقط نهائيا عن حزب النهضة وحلفائه "ورقة التوت" التي درجوا على استعمالها للدفاع عن الإرهابيين باسم الدفاع عن الإسلام، والتذرع في ذلك بالخوف من "عودة دولة بن علي البوليسية".

وكان راشد الغنوشي قد أكد أن السلفيين يذكرونه بشبابه. وحث الغنوشي في فيديو مشهور يعود الى ما قبل وصول النهضة للحكم، ويتردد صداه بين التونسيين، للاستشهاد عن دوره في دعم الإرهاب وتغول انصار الشريعة التابع لتنظيم القاعدة، على ضرورة الانتظار وعدم "الفزعة للجهاد" في الوقت الراهن لأن الإسلاميين على مختلف أطيافهم لا يتحكمون في الجيش والشرطة وباقي مؤسسات الدولة.

ويجمع التونسيون على مختلف انتماءاتهم ومستوياتهم السياسية والاجتماعية أن فترة حكم النهضة لتونس كانت في منتهى الكارثية على الصعيد الاقتصادي والسياسي، لكن الكارثة تجلت بوضوح على المستوى الأمني كما يقول محللون.

وتحت حكم النهضة اغتال الإرهاب اثنين من كبار الرموز السياسية المعارضة للإسلام السياسي شكري بلعيد ومحمد البراهمي. كما عانى المثقفون طيلة نحو ثلاثة سنوات من الإرهاب الفكري والصد عن أي شكل من اشكال الإبداع بتهم "الردة" و"الكفر" و"الزندقة".

وادخل الكثير من الفنانين السجن تحت طائلة هذه الاتهامات وضرب آخرون في الشوارع وهددوا بالموت ان عادوا الى "صنائعهم".

وحلا فترة النهضة التي توصف بين غالبية التونسيين بالسوداء، سمح لسيف بن حسين (ابو عياض) زعيم تيار "أنصار الشريعة" الذي احتضنه الحزب الإخواني في بداية نشأته وتحاور معه الغنوشي، نفسه بالهروب بعد أن كان قاب قوسين أو ادنى من الوقوع في قبضة الأمن.

واعترف علي العريض القيادي في حركة النهضة ورئيس الحكومة التونسية المطاح بها، أنه أمر ـ عندما كان وزيرا للداخلية ـ بعدم إلقاء القبض على "أبو عياض" المتهم الابرز بالتحريض على مهاجمة السفارة الأميركية، تجناب لوقوع "حمام دم".

ويرى المحللون أن على الدولة التونسية أن تردع المشككين في نزاهة قوات الأمن والجيش في حربهم على الإرهاب بسن قوانين مشددة تعتبر ان التشكيك في وجود الإرهاب، والزعم بأنه صناعة تونسية من "قوى الثورة المضادة"، يرتقي إلى الفعل الإرهابي وبالتالي يقتضي ذلك أن يعاقب المشككون في وجوده كإرهابيين.

وقال هؤلاء إن استمرار النهضة وحلفائها السابقين في تبرير النشاطات الإرهابية وتبرئة من يقوم عليها عبر ادعاء ان وزارة الداخلية "مختطفة من بقايا قيادات الأمن في عهد بن علي الذين يريدون استعادة النظام القديم"، يعطي المزيد من المبررات للمتشددين بالاستمرار في هجماتهم القاتلة ضد المصالح التونسية.

ميدانيا، قالت السلطات التونسية الجمعة إن قوات الأمن قتلت اثنين من المسلحين الإسلاميين قرب الحدود الجزائرية في تبادل لإطلاق نار بعد أسبوعين من مهاجمة متشددين إسلاميين منزل عائلة وزير الداخلية.

وفي نهاية الشهر الماضي قتل أربعة من قوات الشرطة بعد أن فتح مسلحون إسلاميون النار على منزل عائلة وزير الداخلية لطفي بن جدو بمدينة القصرين.

وقال محمد علي العروي المتحدث باسم وزارة الداخلية "قواتنا قتلت اثنين من المجموعة الإرهابية في جندوبة."

وأضاف أن تبادل إطلاق النار مع المتشددين الإسلاميين اندلع في وقت متأخر الليلة الماضية دون الادلاء بمزيد من التفاصيل.

وبدأت القوات المسلحة التونسية هجوما واسعا في جبال الشعانبي في المنطقة الغربية من البلاد بالقرب من الحدود مع الجزائر والتي يحتمي بها متشددون إسلاميون.

وأنصار الشريعة -التي أدرجتها الولايات المتحدة في قائمتها للمنظمات الإرهابية- إحدى الحركات الإسلامية المتشددة التي ظهرت بعد أولى انتفاضات "الربيع العربي" في تونس في 2011 والتي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي.

ويقود سيف الله بن حسين المعروف أيضا باسم ابو عياض وهو مقاتل سابق في أفغانستان تنظيم أنصار الشريعة المتهم باقتحام السفارة الأمريكية في 2012. ويعلن انصار الشريعة الولاء لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي.

وتسير عملية الانتقال السياسي قدما في البلد الواقع في شمال افريقيا منذ الانتفاضة. لكن السلطات التونسية قلقة من احتمالات امتداد الاضطرابات في ليبيا المجاورة حيث تمكن إسلاميون متشددون من اكتساب موطئ قدم.