القائمة العراقية مشروع وطني! أم مزاد علني؟

بقلم: د.عمر الكبيسي

يا من هرعتم لاهثين كالجراد

منتخبين الوهم والذِل المعاد

خذلتموا بلادكم وانكم

خذلتموا انفسكم قبل البلاد

"فأحسن الأسوء" فخ قد هوت

أقدامكم به لكي تصاد

"الشاعر رعد بندر"

الناخبون الذين ذهبوا الى صناديق الإنتخابات البرلمانية والذين انتخبوا القائمة العراقية وهم بالملايين على أمل ان يحصل التغيير، اصيبوا بالإحباط وخيبة الأمل لأن التغيير الذي تشبثوا به سواء كان نوعياً أو جزئيا لم ولن يتحقق.

التغيير الذي وعد قادة العراقية به الناخبين كان يعني ان لا يعود المالكي لرئاسة الوزراء ولا تتكرر تجربته القاسية والدموية في الحكم بعد ان نعتوه بالسلطوي والطائفي والمتورط بالفساد الإداري والمالي واختراق القانون والدستور وحقوق الانسان والتغاضي عن النفوذ الايراني في العراق وما ترتب عليه. والتغيير كان يعني التخلص من المحاصصة الطائفية والإتيان بحكومة كفاءات نزيهة وأمينة ومتخصصة، والتغيير كان يعني انتهاج سياسة الوحدة الوطنية وإزالة شبح التقسيم والأهم من كل ذلك هو إخراج المحتل واشاعة الأمن والأمان وعودة المهجرين وبناء العراق المنكوب.

الذي حدث انه بالرغم من فوز القائمة العراقية باعلى المقاعد فإن قادتها من خلال سلوكهم وتصريحاتهم وإفرازات ما يضمروه في بواطنهم، كان اختراقهم سهل والصلابة التي تحدثوا عنها هشة فكان لهم ناطقين وكان لهم كيانات وكان لهم مفاوضين ولقاءات وكانت لهم دوافع شخصية ومنافع ذاتية أظهرت حقيقتهم وكشفت اطماعهم. كان تعبيرهم عن القوة والوحدة ادعاء به حاولوا تغطية تشتت اهدافهم وكان تهديدهم بالانسحاب بلا انعكاسات على الممارسات اليومية ولغاية ثمان أشهر من المناورات دليل على ضعف المواجهة والتضحية فكان أخر ما كان من سيناريوات الإخراج ومشاهد الصراع على المناصب والعناوين وامتيازاتها هو الهم الأكبر واضحى نداء التغيير الستارة التي من خلالها حصل التجذير.

تنازل العراقية عن استحقاقها مرات عديدة شكل دليل على هشاشة ثوابتها فتنازلت مرة عن زعيمها أياد علاوي وعدم ضرورة ان يكون مرشحها لرئاسة الحكومة ومرة تنازلت عن هذا الاستحقاق لصالح عادل عبدالمهدي من داخل التحالف الوطني ومن ثم بلا خجل للمالكي زعيم دولة القانون والذي جابه الصراع باستقتال بعد ان وطد موقعه داخل قائمة دولة القانون ومن ثم نفذ منها الى قائمة الإئتلاف وعرف مع من يكون كريما وضعيفا ومع من يكون متماسكا وصلبا. وحين ادرك قادة العراقية ضعف موقفهم وتنازلوا عن منصب رئيس الحكومة صرحوا بأن أقل ما يرضيهم هو منصب رئاسة الدولة مما أثار غضب الكورد الذين انحازوا لصالح المالكي للإحتفاظ بمنصب الطالباني فلم يحظوا بهذا المنصب ووجدوا انفسهم امام التنازل الرابع عن هذا المنصب.

وفي كل المراحل الاخرى بات واضحا ان الثقة بين قادة القائمة قد فقدت وبالتالي لم يعد غير المقعد وما يترتب على اشغاله من امتيازات يشكل الهم الأكبر لهم.

وبعد ان فقدت العراقية استحقاقاتها اعلن المالكي بما لا يقبل الشك جهارا وفي جلسة التكليف للبرلمان تملصه عن التعهدات التي سبق وان قطعها على نفسه بوثيقة موقعة واعترض على اعلانها والمتمثلة برفع قرار الإجتثاث عن اربعة قياديين في القائمة العراقية وتشكيل المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية والذي يفترض ان تكون قراراته تنفيذية وملزمة اذا تم عليها توافق باكثرية الاصوات في حين يصر المالكي ان يكون الاتفاق إجماعي مما يقلص صلاحياته فيما اقترح آخرون نسب توافق بين 60 بالمائة و80 بالمائة للقرار المتخذ (مزاد) مما ادى الى انسحاب نواب العراقية من الجلسة وأطلاق تصريحات نارية بالمقاطعة للعملية السياسية لكنهم بعد اقل من 12 ساعة عادوا الى اجتماع الجلسة الثانية للبرلمان وقرروا التنازل عن المقاطعة والبدء بالتفاوض على تشكيل الحكومة وبهذا الخذلان والهوان السياسي المتكرر تكون العراقية قد فقدت المبدئية ومركزية القرار ودور الزعامة فيها المتمثلة بشخص علاوي الذي أظهر بوضوح من تصريحاته حالة اليأس من تحقيق أي أمل بالتغيير وفشل العملية السياسية برمتها وفقدان ثقته بقيادات داخل قائمته مما انهى دور القائمة ككتلة وانتقلت الى دور صراع قيادات مكوناتها فيما بينهم في مرحلة توزيع المقاعد الوزارية وبقية المناصب ومن المؤكد ان العراقية ستواجه تشظيا وانقساما وستكون اضعف من ان تحقق شيئا مما وعدت به ناخبيها.

السلطة القادمة التي أفرزتها الانتخابات هي ذاتها السلطة التي حكمته ودمرته للسنوات الثمان المصرمة، وستجذر لركائز الطائفية والعرقية التي لا يمكن ان تبني دولة للأسباب التالية:

1. انها سلطة طائفية وعرقية ودولة محاصصة (شيعة وسنة وكورد) تؤسس بإمتياز لمشروع التقسيم.

2. لم تتغير شخوص اطراف العملية السياسية الا لصالح الأكثر فيهم تشبثا بها وبإمتيازاتها ومن غاب عنها يمثل من هو أقل دراية وخبرة لشراء الذمم والأصوات بالمال العام واستخدام القوة العسكرية والأمنية ولهذا فانها سلطة ليست نزيهة بامتياز.

3. الأحزاب المتنفذة ستبقى الأحزاب الدينية التي تؤمن بتسييس الدين وتبيح النفوذ الايراني وتشرع له وإن تقاطع مع المصلحة الوطنية طالما ان مثل هذا النفوذ ينصر الطائفة ويحظى بتبني الولي الفقيه ويعجل في ظهور المهدي المنتظر عجل الله فرجه ولهذا فان السلطة تتلبس في قراراتها وتشريعاتها المشروع الإثني الطائفي بكل مآسيه وسلوكياته.

4. الحكومة التي ستتشكل ستكون بمثابة شركة مساهمة وفق استحقاق مكونات القوائم فمن غير الممكن ان تكون كفوءة او قوية حتى بشخصية المالكي نفسه الذي حصل على المنصب لقاء تنازلات لإطراف ضمن تحالفه وبالتالي فانها حكومة لا تؤسس الى أمن واستقرار بل ستثير العنف والصراع والتنافس من داخلها بمجرد تشكيلها وبالتالي فانها لا تبني ولا تعمر بل تقتل وتهجر لأنها حكومة عنف وإرهاب بامتياز

5. إيران هي الرابح والفائز الأكبر من خلال فرض إرادتها وخيارها في مشروع تشكيل السلطة القادمة والعراق هو الخاسر الأكبر من حيث رصانة الكيان واستقلالية قرار الدولة، والإدارة الأميركية لا زالت متمسكة بسياسة الفوضى الخلاقة في العراق على أمل تحقيق حالة احباط وقنوط شعبي تكون بعدها مهيأة لتنفيذ مشروعها التشظوي التقسيمي.

6. فشل النظام العربي الحاكم ذو العلاقة المصيرية المباشرة بمستقبل العراق في ان تكون له أي مبادرة فاعلة لتلافي المخاطر والتهديدات التي ستنعكس على امن الشعوب واستقرار الأنظمة بالسلب والمخاطر بالرغم من مرور ما يقارب ثمان سنوات على محنة العراق وأزمته والتي من المؤكد ان تكون سلطته القادمة مصدر خصومة وعداء لجيرانه وهكذا جاءت المبادرة السعودية متأخرة إضافة الى حالة الرفض التي جابهتها من قبل الأطراف العراقية المتشبثة بالسلطة.

7. ثبت ان برنامج القائمة العراقية وسلوك قادتها لا يمكن أن يؤسس لمشروع وطني يتبنى دولة مدنية عصرية لعراق موحد ومحرر ومستقل والعراقية شريكة حكم وسلطة في عملية سياسية تؤسس للتقسيم والطائفية في ظل احتلال اميركي ونفوذ ايراني مهين يشرف ويهمن على مسيرتها وبدلا من أن تكون كوادرها خارج هذه العملية الخرقاء لتناهضها فان عملية المشاركة لم ولن تسهم بإحداث تغيير على أدني تقدير يخفف من وطأة عنفها وشرورها بل أن المشاركة فيها شرعنت بقائها واستمرارها ونتائجها، كما ثبت فشل افتراضية درء المفاسد او جلب المكاسب او فرضية الهدف يبرر الوسيلة في ظل مشروع احتلالي وغزو بربري جاثم.

8. لقد عرف المالكي طبيعة تكوين القائمة العراقية كتجميع من خلفيات متباينة لا يجمعها الا هدف التشبث بالسلطة وعرف ان قادة مكوناتها يسهل تفتيهم باغراءات المقاعد والمناصب وقد جس نبضهم واجرى معهم حوارات ولقاءات وتأكد عن قناعة ان منفذ وصوله الى منصب رئاسة الحكومة مضمون من خلال طبيعة ضعف القائمة التي بدأت تتكشف خلال الاشهر الأخيرة حين انطلقت تصريحات متباينة في الموقف لقادة مكونات القائمة وناطقيها تكشف حقيقة نواياهم وهم اليوم يتسابقون ويتنافسون على خلفيات الحصول على مقاعد رئاسية ووزارية كل منصب منها بثمن ومواصفات. وهكذا تمخض المشروع الوطني! الذي اجتذب الناخبين على أمل تحقيق التغيير المتمثل بتقليص النفوذ الايراني وانهاء الاحتلال واخراج السجناء وتحقيق الأمن وعودة المهجرين والحفاظ على وحدة العراق من التقسيم وابراز هويته العربية عن مشروع شركة وتقاسم أسهم لها اسعارها في حكومة يرأسها المالكي يكون قادة العراقية فيها ادوات التنفيذ لمخططه وطموحاته.

لقد اصيب ناخبو العراقية بحالة إحباط ويأس مطبق وندم وخيبة أمل كبيرة للسيناريو الواهن الذي انتهجته قياداتها حيث يدرك الشارع بغض النظر عن طبيعة الشخوص ان حالة من التحجيم والتآمر لزعامة علاوي الذي تمسك بمشروعية الاستحقاق الإنتخابي قد دبرت لإقصاءه من داخل قائمته فيما يغلي غضب الناخبين على قرار قادة مكونات في العراقية يتسابقون وبإصرار على المشاركة بالسلطة القادمة دون ان يبدو بالأفق اي مؤشر لحصول اي تغيير لصالح تحسن الوضع العراقي وانتشاله من مثالب الطائفية والتقسيم والعنف والدمار.

حالة الإحباط لدى الشارع حالة وقتية ستسهم بانتعاش حالة المناهضة والمقاومة والرفض لسلوكيات ومسيرة عرابي العملية السياسية وصنائع الاحتلال مهما غنموا من مواقع وامتيازات قد تغني وقد تسمن الى حين لكنهم بالنهاية سيفقدون القواعد والشارع وسيقذف بهم كما سبق وان قذف بساسة قبلهم كان لهم شأن كبير في السلطة ذهبت تشبثاتهم وامتيازاتهم في مهب الريح ليصبحوا مضرب الامثال على مر الدهور والاجيال، حال قادة العراقية ان هم شاركوا بمسيرة المالكي ونهجه وحكومته لن تكون احسن من نهاية سابقيهم في كل الاحوال.

9. سيبقى المشروع الوطني المناهض والمقاوم للإحتلال هو الأمل الوحيد للشعب العراقي للخلاص من ويلات الاحتلال ونتائجه ولعل ما وصلت اليه عمليته السياسية الخرقاء من نتائج ستكثف من ضرورة انطلاق هذا المشروع بإطار جبهوي واسع وشامل يوحد المناهضين والمقاومين ويختزل الزمن لتحقيق التحرير الكامل والذي لن يطول بعون الله وعزم المخلصين.

د. عمر الكبيسي