الفوضى الخلاقة ومخطط التمزيق في الشرق الأوسط الكبير: مصر وتحديات العبور الثاني بعد حرب رمضان

بقلم: عمر نجيب

اتفق عدد كبير من المحللين العرب والدوليين مع بداية شهر ديسمبر 2011 على أن الولايات المتحدة واجهت عثرة جديدة خاصة في مصر وهي تسعى لتطبيق مشروعها المتعلق بركوب حركة التطور في المنطقة العربية وتحويلها إلى ما يسميه المحافظون الجدد الذين يهيمنون على سياسة البيت الأبيض الفوضى الخلاقة.

هذا التعثر سيقلص من فرص نجاح مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يستهدف تقسيم دول المنطقة الممتدة من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي على أسس طائفية وقبلية ودينية، لتتكون 54 إلى 56 دويلة متنازعة فيما بينها مما يضمن هيمنة الولايات المتحدة على ثروات المنطقة ويؤمن الاستقرار والاستمرار لإسرائيل على الأقل لعقود قادمة.

يوم عيد

يوم 29 نوفمبر 2011 نقلت وكالة فرانس برس عن محللين غربيين قولهم: المجلس العسكري في مصر سجل نقطة في الانتخابات البرلمانية لكنه سيجد نفسه أمام تحديات اخرى

فحسن سير المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية ساهم في التصدي لمعارضي الجيش الذين حاولوا حتى آخر لحظة إثارة المواجهات وتعطيل العملية الإنتخابية تحت شعار تسليم السلطة إلى المدنيين فورا.

فقد تعارضت صور الصفوف الطويلة من الناخبين الذين وقفوا ينتظرون في هدوء في القاهرة والاسكندرية ومدن مصر الأخرى لانتخاب نوابهم مع صور المواجهات الدامية التي جرت بين المتظاهرين المطالبين برحيل الجيش وبين قوات الأمن في الايام الاخيرة لشهر نوفمبر والقت بظلال قاتمة على المشهد السياسي.

وقال اللواء محمد العصار عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة "يمكن للشعب والقوات المسلحة إعتبار الثامن والعشرين من نوفمبر يوم بدء التصويت يوم عيد للمصريين".

والحقيقة أنه رغم التحديات الكثيرة ومحاولات التدخل الخارجية المختلفة التوجهات لأزعزعة استقرار مصر، أبقى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يحكم البلاد منذ شهر فبراير 2011 بعد أن نقل اليه الرئيس حسني مبارك مسؤولية إدارة البلاد، على المواعيد المقررة للانتخابات وذلك رغم المخاوف من ان تؤثر هذه المواجهات الدامية على حسن سير الاقتراع.

ويرى مراقبون أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة أراد بالانتخابات أن يعكس قوة ما يسمى بـ "الاغلبية الصامتة" في مواجهة المعارضة الثائرة في ميدان التحرير.

ويشير مراقبون إلى أن الجيش كسب كذلك مرحليا الصراع مع محركي المظاهرات والتجمعات في وسط القاهرة الذين يتهمهم معارضوهم بأنهم يسعون لتدمير البلاد، فمع تركز الاضواء على الانتخابات والتشكيلة الحكومية، تراجع كثيرا عدد المتظاهرين في ميدان التحرير بوسط القاهرة المطالبين للمجلس الأعلى بتسليم السلطة فورا إلى المدنيين دون أن يحددوا من هؤلاء الذين سيتسلمون الحكم.

ولم يعد في الميدان أكثر من بضع مئات وأقل منهم بكثير أمام مقر رئاسة الوزراء للاحتجاج على تكليف الجنزوري الذي يرونه من الوجوه القديمة.

ويقول محمد العساس وهو فنان شاب في الخامسة والعشرين "كل الذين وثقنا بهم تخلوا عنا، محمد البرادعي اختفى والاخوان بعد ان نجحوا في الانتخابات لم يعودوا معنا".

ويقول آخرون أن الأموال التي ضخت من طرف مؤسسات تدور في الفلك الأميركي وأطراف حاكمة في الخليج العربي لدعم بعض الحركات في مصر لم تنجح في نسف العملية الانتخابية.

وكانت بعض الشخصيات قد اشارت الى صعوبة اجراء انتخابات سليمة وسط المناخ المضطرب غير أن التجربة وبإعتراف دولي أكدت أن العملية كانت ناجحة. ويسجل أنه في المقابل أصر الاخوان المسلمون، الذين يرون انهم في موقع قوة، على اجرائها في موعدها محذرين من أي تاجيل.

ويقول توفيق اكليماندوس خبير الشؤون المصرية في جامعة كوليج دو فرانس الفرنسية "انه نجاح شعبي ونجاح للجيش الذي لعب دائما بورقة الانتخابات لاعادة الاستقرار للبلاد في مواجهة الشارع".

وقد حدد المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الاعلي للقوات المسلحة يونيو 2012 موعدا لاجراء انتخابات رئاسية يقوم بعدها الجيش بنقل السلطة الى المنتخبين من طرف الشعب.

ويخشى بعض الملاحظين المحايدين من أن تستغل بعض القوى المحلية والاجنبية التي تريد زيادة زعزعة استقرار مصر وتدمير قدراتها الصناعية والعسكرية من طول مدة العملية الانتخابية التي تجرى على ثلاث مراحل متتالية على مستوى الجمهورية حتى 11 يناير 2012 بالنسبة لمجلس الشعب ثم حتى 11 مارس بالنسبة لمجلس الشورى لخلق أزمة جديدة ومواجهات دامية مع قوات الأمن.

ويرى عز الدين شكري الاستاذ في الجامعة الأميركية في القاهرة ان "هذه المدة تنطوي على مخاطر أمنية خاصة في المناطق الريفية والنائية. وإضاف قد ان تحدث أمور كثيرة وتظهر أزمات اخرى في الاسابيع المقبلة".

كما أنه مع نهاية الانتخابات ستبدا مرحلة اخرى وهي مرحلة صياغة الدستور الجديد الحاسم بالنسبة لمستقبل نفوذ القيادة القادمة، رئاسية أو برلمانية، والمؤسسة العسكرية التي خرج من صفوفها كل رؤساء مصر منذ الإطاحة بالحكم الملكي عام 1952.

ومن التحديات الاخرى التي ستطرحها هذه المرحلة مسالة الابقاء على الحكومة التي عينها الجيش او تشكيل حكومة يختارها البرلمان الجديد.

وفي هذا الاطار يمكن ايضا ان يحمل تمثيل قوى محتمل لجماعة الاخوان المسلمين الجيش على التنازل في هذا الصدد حيث اعلنت الجماعة مسبقا تفضيلها للنظام البرلماني. ويقول توفيق اكليماندوس ان "معركة الدستور الكبرى ليست سوى في بدايتها".

وكان من المقرر أن يقوم مجلس الشعب الجديد خلال مهلة لا تتجاوز ستة اشهر باختيار لجنة من 100 عضو لوضع دستور جديد للبلاد على ان تقوم هذه اللجنة بالانتهاء من مهمتها خلال الاشهر الستة التالية.

تصعيد الضغوط الأميركية

منذ منتصف شهر نوفمبر 2011 سجل تصعيد في مواقف إدارة البيت الأبيض الأميركي المنتقدة للمجلس العسكري في مصر.

يوم الخميس 17 نوفمبر نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تحقيقاً كتبه من القاهرة مراسلها ديفيد كيركباتريك ومن واشنطن مراسلها ستيفين لي مايرز جاء فيه: ان ادارة الرئيس باراك اوباما اخذت تبدي في الآونة الاخيرة نفاد صبرها ازاء المجلس العسكري الأعلى الحاكم في مصر حاليا بسبب ما يبدو من تلكؤه في نقل السلطة الى حكومة منتخبة والقبول بخضوع المؤسسة العسكرية لاشراف مدني. وفي ما يأتي نص التقرير:

"بعد شهور من المزج بين الضغط الخفيف والدعم الواسع النطاق للمجلس العسكري الحاكم، شددت إدارة اوباما لهجتها، وفقا لكبار المسؤولين في الإدارة، وعبرت عن القلق من عدم تحرك المجلس نحو نقل السلطة للمدنيين، ما قد يؤدي لتهديد مفهوم ثورة الربيع العربي.

وهذا التحول في النبرة هو جزء من عملية توازن صعبة بالنسبة لواشنطن. وحسب مصادر رصد في برلين فإن محافظين جدد في البيت الأبيض كانوا يفضلون أن تتمخض حركة التغيير والتطور في مصر عن مواجهات دموية واسعة تسمح بتدخل أجنبي أوسع ليس بالضرورة على شاكلة ما حدث في ليبيا ولكن بإسلوب يسفر عن إضعاف الجيش ويدمر المركب الصناعي العسكري المصري، ويشعل نزاعا بين المسلمين والأقباط، وهو ما يسمح لاحقا بتنفيذ مشروع إقامة دولة قبطية، وتقسيم البلاد كما يتم حاليا في العراق.

ويسجل أن وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون شددت على هذا التحول في خطاب لها خلال الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر، وصفه مساعدوها بأنه تحذير مقصود للمجلس العسكري. وقالت كلينتون محذرة: "إذا ظلت أقوى قوة سياسية حاكمة في مصر، بمرور الوقت، عبارة عن غرفة مليئة بسياسيين غير منتخبين، فسيكونون قد بذروا بذلك بذور قلاقل مستقبلية، وستكون مصر قد ضيعت فرصة تاريخية".

واضافت: "عندما تقول سلطات غير منتخبة إنها تريد التخلي عن سلطة الحكم"، فإن الولايات المتحدة تتوقع منهم "وضع خريطة طريق واضحة" و"الالتزام بها".

وقال نبيل فهمي، وهو سفير مصري سابق في واشنطن: "تريد الولايات المتحدة ان تحتفظ بالكعكة وتأكلها"، واحتج بان الولايات المتحدة تريد تعزيز ما تسميه في مفهومها الديموقراطية، من دون التعامل مع الضغوط التي ستنجم عن ذلك بخصوص مصالحها في المنطقة.

ويقول ملاحظون أن واشنطن منزعجة من أن الجيش المصري لم يساهم في تحسين صورة الولايات المتحدة أمام الشعب المصري بعد أن تسلم السلطة من الرئيس حسني مبارك، فما زالت مكانة الولايات المتحدة في نظر الرأي العام في مصر وأرجاء المنطقة تعاني بسبب عقود من دعم إسرائيل ومقاومة كل تطلعات العرب للوحدة والتخلص من هيمنة الشركات المتعددة الجنسية التي تسرق خيرات المنطقة العربية وفي مقدمتها النفط.

فرق تسد

يشير ملاحظون أنه في نطاق المواجهة الصامتة بين الإدارة الأميركية والمجلس العسكري الأعلى سعت واشنطن للعب على وتر الوقيعة بين مختلف المكونات المؤثرة على الساحة السياسية.

وفي إطار هذه المقاربة، اجتمعت إدارة اوباما مع جماعة الإخوان المسلمين التي يسعى حزبها السياسي للحصول على دور رئيسي في البرلمان المقبل، وتظل في نظر منظري الإدارة الأميركية أكبر ثقل سياسي مضاد للمجلس العسكري.

وهكذا التقى جاكوب ووليس، وهو نائب مساعد لوزيرة الخارجية الأميركية، منتصف شهر نوفمبر مع قادة حزب الحرية والعدالة الإخواني في مقره الجديد في القاهرة.

وذكر مسؤولون في واشنطن بشرط عدم الكشف عن أسمائهم أن لقاء ووليس هدفه التشديد على وعود كلينتون بالتعاون مع الاحزاب الإسلامية وأن الرسائل الدبلوماسة المتبادلة تفيد انهم يأملون ان يؤدي مزيج من الضغوط الداخلية والخارجية على المجلس إلى اقناعه بالتخلي عن السلطة والخضوع لاشرافٍ مدني. وقال المسؤولون انه بالاضافة الى التعليقات العلنية من الوزيرة كلينتون، حض مسؤولون اميركيون آخرون رفيعو المستوى المجلس على مراجعة اقتراحاته الاخيرة للاحتفاظ بهيكلة المركب العسكري الصناعي الذي يقول الأميركيون والاسرائيليون أنه يمثل 20 في المائة من الناتج القومي المصري ويشكل تحديا للمركب العسكري الصناعي الإسرائيلي.

وأشار ملاحظون أنه منذ سنة 2007 كثفت الإدارة الأميركية ضغوطها على القاهرة ولكن دون طائل من أجل خوصصة الصناعات الحربية مبررة مطلبها بأنه سيشجع زيادة الاستثمار الأجنبي ومدعية أن الصناعات العسكرية تشكل قطاعا عاما يتعارض وجوده مع مبدأ حرية الاقتصاد وأسلوب تحرير الأسواق.

إسرائيل لعبت على نفس النغمة مشيرة إلى أنه لا حاجة لإحتفاظ مصر بجيش يزيد تعداده على 500 ألف جندي وصناعات عسكرية متطورة خاصة وأنها لم تعد في حالة حرب مع تل أبيب.

ويذكر أن وزير خارجية إسرائيل افيجدور ليبرمان كان قد هدد بقصف السد العالي وإغراق مصر في مياه النيل، أو كما قال سنة 2009 ليذهب الرئيس حسني مبارك إلى الجحيم لأنه لم يقبل زيارة تل أبيب.

ولإلقاء مزيد من الضوء على المخططات الصهيونية كشف مارك برترامب الخبير العسكري والاستراتيجي الأميركي في شهر أكتوبر 2009 أن إسرائيل قامت بتطوير قواعدها الحربية في عدد من الدول الصديقة لها خاصة بأفريقيا، ومن بينها إثيوبيا. وأضاف برترامب في مقابلة مع قناة "سكاي نيوز" الأميركية: "إسرائيل نصبت قاعدة صواريخ حديثة في مواجهة مصر، رغم ارتباطها بمعاهدة سلام معها". وأضاف:" الدولة العبرية وضعت في القاعدة الإثيوبية ثلاث بطاريات صواريخ تقليدية أرض أرض، إضافة إلى بطارية صواريخ من طراز "أريحا" القادر على حمل رؤوس نووية".

جملة "التغيير الأن"

ويربط ملاحظون في سعيهم لتحليل الاتهامات الموجهة إلى واشنطن بشأن سعيها لفرض اجندتها على مصر بين سلوكاتها في فبراير 2011 وتلك التي تتبعها مع نهاية السنة.

في بداية شهر فبراير وأثناء تصاعد الأزمة بمصر، قال المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس إن الرسالة التي أبلغها الرئيس باراك أوباما بكل وضوح للرئيس حسني مبارك هي أن الوقت قد حان للتغيير، وأوضح غيبس أن بلاده تريد التغيير الآن وليس في سبتمبر.

وجاءت تصريحات البيت الأبيض بعد دعوة مايك مولن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الى استعادة الهدوء في مصر في اتصال هاتفي أجراه مع نظيره المصري الفريق سامي عنان، وذلك في وقت كان فيه البنتاغون الأميركي يحرك وحدة قتال بحرية كبيرة نحو البحرين الأحمر والمتوسط ويتحدث عن تدخل عسكري محتمل لتأمين سلامة الملاحة في قناة السويس.

في حينها عبر مولن لعنان عن ثقته في قدرة الجيش المصري على توفير الأمن الداخلي للبلاد وفي منطقة قناة السويس.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد رفضت في حينها طلبا أميركيا بالشروع في مرحلة انتقال فوري للسلطة.

عثرة قد تستمر

محاولة واشنطن ركوب حركة التطور والتحول في مصر وتطويرها إلى فوضى خلاقة تعرف عثرات متجددة، فيوم السبت 3 ديسمبر 2011 أكد الاخوان المسلمون الذين تشير النتائج الاولية إلى تصدرهم المرحلة الأولى من أول انتخابات برلمانية تجري في مصر بعد تخلي الرئيس حسني مبارك، انهم يمثلون الاسلام "الوسطي" مشيرين الى وجوب التمييز بينهم وبين التيار السفلي.

وقال المتحدث بإسم الجماعة محمود غزلان في تصريح لفرانس برس ان "مخاوف الليبراليين موهومة ولا صلة لها بالحقيقة. نعيش الاسلام الوسطي المعتدل ولا نفرض شيئا بالقوة".

واضاف "اذا كان لدينا توجهات معينة فاننا نسعى لها بالارشاد والاقناع، والتغيير الذي نسعى اليه سيتم تدريجيا في كل الجوانب" السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ودعا الى "التمييز بين التيارات الاسلامية وعدم اعتبار التيارات الاسلامية فصيلا واحدا" في اشارة الى التيار السلفي.

لكنه اقر بان النسبة التي حصل عليها حزب النور السلفي "اكثر مما توقعنا".

وردا على سؤال عن احتمال اقامة تحالف بين حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للاخوان، وحزب النور اللذين حصلا على نحو 60 في المئة من الاصوات اعتبر غزلان انه "أمر سابق لاوانه".

وقال ان "الشعب اختار من يمثل هويته الاسلامية ومن يثق بهم. الاخوان نشأوا وعاشوا مع الشعب ويحسون بالامه. الشعب يحب من يخدمه ويكره من يتعالى عليه".

وكانت جماعة الاخوان التي كان لها في البرلمان السابق 88 نائبا، قد دعت الى قيام نظام برلماني وطالبت بتحديد صلاحيات رئيس الدولة قبل ان تبدي مرونة في هذا الصدد.

وقال غزلان "نظريا فإننا مع أن يشكل الحكومة الحزب الذي يحصل على اغلبية المقاعد لكن طالما ان نظامنا رئاسي فاننا نقبل الوضع القائم".

قبل هذا التصريح بثمان وأربعين ساعة كتب المحللان توم بيري وادموند بلير لوكالة رويترز: "بعد انتظار دام 83 عاما تشعر جماعة الاخوان المسلمين في مصر اخيرا بأن هناك فرصة لان تكون محورا لنظام الحكم ويأمل هؤلاء في أن يقودوا نهضة أمة بمقاييس غير مسبوقة.

وسيحدد هذا الطموح قبل أي شئ اخر الخطوات التالية لجماعة تدين بالفضل في بقائها حتى الان للطريقة العملية التي تتعامل بها مع الاوضاع. ومن المرجح ان يواصل الاخوان المسلمون اتباع طريقة حذرة على أمل تبديد مخاوف في الداخل والخارج بشان رؤيتهم المستقبلية لمصر.

شعار الاخوان المسلمين الذين يتزعمهم أطباء ومهندسون ومعلمون هو "الإسلام هو الحل". لكن الجماعة تتحدث باللغة ذاتها التي يتحدث بها اصلاحيون اخرون عندما يتعلق الامر بالحاجة للديمقراطية واستقلال القضاء والعدالة الاجتماعية في مصر.

ويقول منتقدون ان هذه اللغة تخفي أهدافهم لتحويل البلاد الى دولة اسلامية خلسة وقمع الحريات في مصر التي يسكنها 85 مليون نسمة منهم عشرة في المئة من المسيحيين.

في مكتب للاخوان داخل مبنى سكني في منطقة سكنية مطلة على النيل تحدث أحد القياديين عن برنامج سياسي أدى إلى عقد مقارنات مع جماعات إسلامية معتدلة أخرى في المنطقة.

وقال عصام العريان وهو طبيب "حان الوقت أن نبني دولة حديثة.. دولة قانون حديثة.. دولة ديمقراطية".

ورفض مقارنة حركته بحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ذي الجذور الاسلامية وقال لرويترز في مقابلة "أتمنى أن يكون لدينا نموذج مختلف".

ومضى يقول "نتمنى أنه عندما نبني بلدا ديمقراطيا حديثا في مصر ان يكون مثالا طيبا ويلهم اخرين ببناء نظام ديمقراطي".

ويظهر هذا علاقة الجماعة المضطربة بالدولة منذ أن تأسست عام 1928 على يد حسن البنا الذي كان يعمل بالتدريس. وعلى الرغم من أن الاخوان نبذوا العنف في مصر في السبعينات ظلت الشكوك مستمرة ازاء اهدافهم.

وفي عهد ما بعد مبارك يواجه الاخوان المسلمون منافسة جديدة من جماعات اسلامية اكثر تشددا ظهرت كمنافسين. وتحدث قياديو الاخوان عن أحزاب سلفية جديدة باستخفاف يصل الى حد الترفع. لكن في الشوارع تعاون الجانبان خلال الفترة التي سبقت الانتخابات.

وعزز هذا من رأي المصريين العلمانيين وقطاع أكبر من المجتمع بأن الاخوان لهم نفس رغبة السلفيين في تطبيق أكثر صرامة للشريعة.

ويتساءل البعض عما اذا كانت الجماعة ربما تحظر الاختلاط بين النساء والرجال على الشواطئ او بيع الخمور. مثل هذه الخطوات ستضر بقطاع السياحة الذي يعمل به واحد من كل ثمانية في مصر.

ولا يساهم برنامج حزب الحرية والعدالة الذي يقع في 79 صفحة كثيرا في تبديد تلك المخاوف. على سبيل المثال فإنه ينتقد ساحة الغناء في مصر ويقول أنها أصبحت ترتبط في الأذهان "باثارة الشهوات".

ويقول برنامج الحزب أن من أهدافه "توجيه الاغنية المصرية الى أفق أكثر أخلاقية وابداعا واتساقا مع قيم المجتمع وهويته ودعم شركات الانتاج التي تلتزم بهذا التوجيه".

يقول علي خفاجي امين الشباب في حزب الحرية والعدالة البالغ من العمر 28 عاما ان المخاوف من الجماعة مبالغ فيها. ويصف خفاجي وهو عضو في الجماعة منذ أن كان في المدرسة الثانوية جماعته بأنها معتدلة جدا ومنفتحة.

وأضاف أن هدف الجماعة هو انهاء الفساد وبدء الاصلاح والتنمية الاقتصادية وأن هذا ما جذب الكثير من الانصار للانضمام اليها بمن فيهم هو نفسه.

ونفى خفاجي ما يدور من أخبار عن حظر الاخوان للخمور أو اجبار النساء على ارتداء الحجاب في حالة توليهم السلطة.

وأضاف أن فرض مثل هذه القواعد ضرب من الجنون وان جماعة الاخوان لا تتسم بالجنون بل هي جماعة عقلانية لها فهم جيد بالشعب المصري والاسلام.

معاهدة 1979

يقول زعماء الجماعة انهم لا يريدون الغاء معاهدة سلام 1979 مع إسرائيل لكنهم تحدثوا عن احتمال إجراء استفتاء عليها. ويقول دبلوماسيون ان الأرجح هو الابقاء على المعاهدة مع الغاء كل أشكال التعاون مع اسرائيل، مع العلم أن هذا التعاون صغير جدا وهو على الورق أكثر من أي أمر آخر إلا إذا استثنينا صفقة الغاز المصري لتل أبيب.

ويتوقع محللون ودبلوماسيون أن تتجنب الجماعة على المدى القصير المجالات التي تثير جدلا وأن تركز على الاصلاحات التي يمكن أن تلقى توافقا.

وقال دبلوماسي غربي "من حواراتنا مع الاخوان المسلمين نتوقع منهم ان يكونوا عمليين وأن يتعاونوا مع قطاع عريض من الشركاء للتوصل الى حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية الصعبة التي تواجه مصر".

وذكر شادي حامد وهو مدير الابحاث في مركز "بروكينجز الدوحة" ان الاخوان ربما يحاولون تشكيل ائتلاف في البرلمان الجديد مع جماعات علمانية ادراكا منهم للمخاوف الموجودة لدى قطاع واسع من المصريين.

وقال "سيبذلون قصارى جهدهم لاظهار أنهم سيتعاونون مع جماعات اليسار والجماعات الليبرالية".

كما يتعين عليهم تحديد العلاقة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يدير شؤون البلاد حاليا منذ تنازل مبارك.

وعلى الرغم من مساندتهم لخطة المجلس العسكري لنقل السلطة في فترة ما بعد مبارك الى الحكم المدني فان بعض قيادات الاسلاميين ترتاب في استراتيجية المجلس وتريد انهاء دوره في الحكم بينما يرى آخرون أن المؤسسة العسكرية هي الضامن الأكيد لوحدة مصر وإستقرارها، ويؤكد هؤلاء أن فصل الجيش عن الشعب كلام خرافي وهذيان فأكثر من نصف الشعب المصري مر بالجيش حيث التجنيد العسكري إجباري.

غير أنه وحسب البعض فمن الممكن ان تمهد دعوة الاخوان لأن يشكل البرلمان حكومة جديدة في يناير 2012 عندما تنتهي الانتخابات الساحة لمواجهة مع المجلس العسكري.

لكن بأي حال فان الاخوان الذين اكتسبوا الثقة من خلال مساعدة الفقراء خلال عهد مبارك سيستهدفون النمو الاقتصادي للحد من الفقر واقناع الناخبين بأنهم يصلحون لحكم البلاد.

وقال حامد "سيتعين عليهم أن يحققوا انجازا ما. ستكون لقمة العيش هي محور تركيزهم... لكنهم يهتمون أيضا باضفاء الطابع الاسلامي لكن هذا لا يرد كثيرا في خطابهم هذه الايام".

وتابع "سوف ينشغلون بالسياسات الاقتصادية".

إذا لم ينجح الاخوان المسلمون في تحقيق إنجازات إقتصادية تفوق ما سجل سابقا خاصة وأن الوضعية الإقتصادية الدولية المتأزمة تخنق كل العالم، فسيدرك الناس أن هناك فرقا بين الآمال والواقع.

تعويض فقدان النفوذ

ركوب الولايات المتحدة والسائرين في ركابها من القوى الاستعمارية التي أنهارت إمبراطورياتها في القرن العشرين، جعل روسيا تطرح فرضيات وازنة، فيوم 23 نوفمبر وفي

تشيسيناو بمولدوفا، قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن محاولة القوى الغربية لتعويض فقدان النفوذ الاقتصادي المستمر ربما تكون الدافع وراء الانتفاضات في الشرق الأوسط.

وأضاف:"لا أستبعد أن تغير العمليات الاقتصادية الأساسية محور التنمية العالمي إلى منطقة أخرى وبصفة خاصة منطقة آسيا الباسفيك حيث توجد مراكز قوية جديدة للنمو الاقتصادي مع ضم الصين والهند والبرازيل". وتابع: "بعض الأشخاص في الغرب ربما يعتبرون هذا التوجه سلبيا وربما تكون الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط بمثابة محاولة للتعويض عن فقدان النفوذ الاقتصادي من خلال تصرفات طائشة واستفزازية".

وائل جمال الذي أصبح مديرا للتحرير في صحيفة "الشروق" المصرية اليومية يقدر أن المكاسب التي تحققت نحو تكريس الاستقرار لن تستمر طويلا، ففي تصريحات لرويترز قال: أعتقد أن الناس سيعودون الى ميدان التحرير بعد الإعلان عن نتائج الاقتراع في مرحلته الأولى. وستبدأ الإضرابات مجددا بعد الانتخابات. وقال: "الإخوان يقولون إنهم لن يغيروا السياسات الضريبية، وهذا يجعلهم ضد الفقراء. ولن يحدث توازن في الموازنة. وأعتقد أنهم سيفشلون. والاقتصاد سيكون عاملا حاسما.

وتوقع جمال انقساما في صفوف جماعة الإخوان المسلمين التي انشقت إلى حزبين متنافسين، وشباب الحركة منفصلون عن كبار السن فيها، وقيادتها خارج الاتفاق مع الجيش. "هم يقولون إن البرلمان يجب أن يكون قادرا على تشكيل الحكومة" "لكن الإخوان يقدمون تنازلات عن مبادئهم".

واستطرد: "هذه المبالغة في قوة الإخوان تحولت إلى نوع من الهوس. هناك خلافات داخلية وقد فقدوا الشباب من أول يوم في الثورة. اما السلفيون، فان المصريين لا يتقبلونهم، حتى في الأرياف. وربما يحصلون على نسبة ضعيفة من الأصوات".

التفاؤل والتشاؤم

وسط هذه المتاهات من التحركات يختلط التفاؤل والتشاؤم بالنسبة لمستقبل التطورات في مصر ومناطق آخرى على الساحة الممتدة من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي حيث تمر حركة التطور الطبيعي أو الاصلاح بعيدا عن فخ الفوضى الخلاقة أو بالأصح المدمرة والممزقة.

كتب يحيى شكري الخبير الصناعي والإستشاري الإستثمار:

تتعرض مصر اليوم إلى احتمالية ترتقى إلى شبهة التأكد الى التوجه لسيناريو الحرب الاهلية.

وفي تصوري أن هذه الحالة ترجع غلى الخلط بين ثلاثة مفاهيم الديمقراطية والدولة المدنية والمرجعية.

ومن طبيعة الأمور أن يحدث هذا الخلط فى عقلية ثورة لا يجيد اصحابها التفريق بين الحلم، حرية ومساواة وعدالة اجتماعية، والهدف اسقاط نظام لا اسقاط دولة، فالديمقراطية لا تعني الحرية بل تعني فقط حكم الأغلبية لفصيل ربما يمثل الاغلبية او امتلاك القدرة على التعامل مع صندوق الانتخابات فالوسيلة هنا صندوق الانتخابات.

والدولة المدنية هى دولة توافقية حول نص يمنح كل فرد حقوق وواجبات متساوية يسمى الدستور وتبنى على اساسه مجموعة القوانين الحاكمة لحركة الافراد بشكل لا يميز فصيلا عن فصيل آخر ولا يسمح تحت أي ظروف ان يتناقض أي نص قانونى مع نص دستوري. فالوسيلة هنا الدستور.

اما المرجعية فهي ميزان القيم الذي يميز كل فصيل ويصنع براغماتية الخاصة به ويشكل اولوياته وضميره الجمعي الذي يفسر موقفه ووسائله فى مواجهة الفصائل الاخرى.

ولا ننكر انه قبل 25 يناير 2011 كانت هناك صيغة توافقية حاكمة لكل الفصائل ولكنها ربما مرفوضة من اغلبيتها، ولقد فشلت الثورة فى طرح البديل خاصة بعد انتهاء شهر العسل بينها وبين الفصيل العسكري، واستمدت حمايتها بتوفقها واتلافها مع فصيل راديكالي لا يقل عن 8 في المائة من تعداد السكان ويتشكل من سكان العشوائيات واطفال الشوارع، ويجد هذا الفصيل فى عدم استقرار أي فصيل آخر استقرارا له وفى نفس الوقت لا يملك ما يبكي علية عندما يفقده.

وعلى الطرف الآخر نجحت الثورة فى تقسيم مصر الى عدة فصائل متناحرة مرجعيا ولكن آخذة فى خلق توافق براغماتي ضدها حتى لو وصل الأمر الى قبول الاحكام العرفية، وهذا يفسر تمسك اصحاب هذا التوافق بتواجد المجلس العسكري.

لقد فرض صندوق الانتخاب على الفريقين تقبل مقولة وليم شكسبير "تكون أو لا تكون" وفى نفس الوقت منحهم الاستعانة بالفصيل الراديكالي مفتاح النفق المظلم المسمى بنفق الحرب الاهلية. ولك الله يا مصر.

عمر نجيب