الفن وفتاوى الفقهاء (السيد السيستاني نموذجا)

بقلم: رائد قاسم

قبل حوالي عامين أرسل رجال دين من الشيعة خطابات اعتراض واستنكار لإدارة قنوات الـ"إم بي سي" لعرضها شخصية الإمام الرضا في احد المسلسلات التاريخية. ورغم أن المسلسل لم يسئ لشخصية الإمام بل أظهرها بصورة مهذبة وراقية وأدى الشخصية فنان مشهور بالاستقامة والنضوج، إلا إن رجال الدين أصروا على حذف المشاهد التي تجسد شخصية الإمام الرضا وابنه الإمام محمد الجواد.بيد أن إدارة القناة لم تستجب لمطالبهم رغم إصرارهم الشديد، الذي يعود إلى اعتقادهم بأن الإمام الرضا إمام معصوم وبالتالي لا يجوز تمثيل شخصيته بأي حال من الأحوال.إلا أنهم في المقابل تجاهلوا أن الإمام الرضا شخصية إسلامية عامة وكل يراها من منظاره العقائدي الخاص، ومن حق أتباع كل مذهب أن يصوروه وفقا لعقيدتهم، إلا إن رجال الدين الشيعة لم يتحملوا كيف أن أمامهم الذي يرونه خليفة الله وسر الوجود وسيد الكون وإمام المخلوقات ينظر إليه الآخرون على انه إمام احد المذاهب الإسلامية ليس إلا.
إن تدخل الفقهاء ورجال الدين في مختلف شؤون الحياة المعاصرة ليس بالأمر الجديد على كل حال فالفقهاء على وجه الخصوص باعتبارهم يحتلون أعلى المراكز الدينية والروحية كانوا سابقا يتدخلون في القضايا العامة الملحة والمهمة والتي لا بد من إصدار فتوى حولها، تدعيما لاتجاه معين يرون فيه الصلاح والثبات.وكانت معظم فتاواهم الأخرى عامة وقابلة للتطبيق على أكثر من وجه، وللمكلف إسقاطها على أموره الخاصة وشئونه الحياتية المختلفة وفقا لذمته.إلا إن المرجعيات الشيعية بدأت في الآونة الأخيرة تأخذ على محمل الجد تساؤلات المكلفين من العوام المشحونة غالبا بالهوس وتتدخل في جزئيات الشؤون وتوافهها، الأمر الذي يعد خطيرا ومكلفا، لأنه سوف يجعل الحكم الفقهي الظني الاحتمالي في مواجهة مباشرة وعنيفة مع الحياة الخاصة النظرية والعملية لمعتنقيه، سواء كانوا أفراد أو جماعات، مما يجعل الفقيه في مرحلة اختبار حقيقي لسلطته الكارزمائية، خاصة وان فقهاء الشيعة ليس لديهم سلطة زمنية – عدا في إيران – تخولهم إسقاط فتاواهم على الواقع، الأمر الذي سيقلل شيئا فشيئا من قيمتها وجدواها وتأثيرها الفعلي، كفتوى السيد السيستاني الأخيرة التي انجرت نحو إصدار فتوى ضد عمل درامي مخصوص عوضا من أن إصدارها فتوى عامة تحيل بموجبها الخصوصيات إلى عمومياتها والجزئيات إلى كلياتها على جري العادة عند الفقهاء الشيعة، والسؤال الذي يطرح بقوة: هل اصدر السيد السيستاني هذه الفتوى شخصيا، أم على جري العادة، أصدرها احد حاشيته باسمه؟
وإذا ما كانت مثل هذه الأعمال الدرامية المدبلجة خطيرة لهذه الدرجة حيث تصدر حولها فتوى مخصوصة، يا ترى ما رأي الفقهاء بما جرى في لبنان من سفك للدماء وانتهاك للحرمات أيام الـ 6/7 من أيار الماضي؟ وما رأي الفقهاء حول الوجود الأميركي في العراق، الذي يسير في عامه السادس؟ وما رأي الفقهاء حول الميلشيات المسلحة التي تستبيح الأعراض والأرواح في العراق؟
الوهابيون السعوديون مشهورون بإصدارهم فتاوى تتناول قضايا بعينها بالحرمة أو الحلية وتطبق فورا من خلال أجهزة تطبيق القانون، إلا إن العلماء الوهابيين هذه المرة اتخذوا موقفا اقل تطرفا إن صح التعبير من قضية الأعمال الفنية الدرامية التركية. فلقد سمعت الشيخ سلمان العودة وهو رجل دين سلفي متشدد يقول في برنامجه ألأسبوعي على فضائية ألـ"أم.بي.سي" انه يجب حذف اللقطات المخلفة بالآداب ولكنه لم يحرم مشاهدتها على خلاف القاعدة المعروفة عنهم أن كل شي حرام من حيث المبدأ.إلا إن مكتب السيد السيستاني بهذه الفتوى خالف القواعد التي تضبط إصدار الفتاوى في القضايا العامة عند الشيعة، وأظنها تعبر عن تشدد ديني وصوفية شيعية جديدة بدأت في الانتشار في المجتمعات الشيعية مدعومة بنشوة انتصارات سياسية حققتها الطائفة الشيعية في العقد الأول من هذا القرن، مما شجع الفقهاء الشيعة على محاولة إسقاط مرئياتهم ورؤاهم وتصوراتهم بهذه النزعة المتشددة.
إن خوف المجتمعات الإسلامية من الاطلاع على ثقافة الأمم والشعوب الأخرى بل والتأثير الشديد لثقافة الآخر المخالف، سواء من خلال الأعمال الفنية أو الثقافية، يشير إلى إن هذه الأساس الديني والقيمي والتاريخي والتركيبة الدينية لهذه المجتمعات هش ومتزلزل. فالبيئة الاجتماعية والقيمية والثقافية التي يؤثر فيها عمل درامي كالمسلسلات التركية مثلا لتصبح حديث الصحافة والمجتمع لا شك في كون قواعدها الارتكازية هزيلة ومتضعضة، قابلة بكل سهولة للاختراق، الأمر الذي يعبر عن حالة ضعف وانكسار إنساني وحضاري واسع النطاق ينتشر في صفوفها، وان أنظمتها الحاكمة، سواء كانت سياسية أو دينية أو ثقافية عاجزة عن تقديم البديل الحضاري الموازي الذي يثني الأفراد والجماعات عن التأثر بالثقافات المغايرة.
تتزامن هذه الفتوى مع فتوى أخرى أصدرها العلماء الوهابيون في الرياض، وتقضي بحظر بيع القطط والكلاب والتنزه بها في الطرق والأماكن العامة، في تكبيل جديد لحياة الفرد وتدخلا سافرا في شؤون الخاصة وتعديا على حقوقه وحرياته، وكلا الفتوتين تشتركان في ذلك، إلا إن الفرق بينهما أن فتوى الشيعية لا يمكن تطبيقها بقوة القانون، والأمر متروك للمكلفين. أما فتوى السلفيين فتدعمها قوة زمنية تفرضها بالقوة والغلبة لتتحول إلى أمر واقع ونظام ساري المفعول وقانون نافد، ولو كان الفقهاء الشيعة يمتلكون القوة المادية كنظرائهم السلفيين لأجبروا الناس على تطبيقها بعنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
في هذه الأثناء تعلن الدوائر العلمية في الغرب أن الأطباء في إحدى الدول الغربية نجحوا في زراعة يدين كاملتين لرجل مبتور اليدين، وفي الولايات المتحدة تستعد شركة خاصة لإطلاق رحلات للفضاء، بينما تنشغل مجتمعاتنا الاسلامية بفتنة عمل فني درامي كمسلسلي "نور" و"سنوات الضياع".
مجتمعات دينية متشددة يخيفها ويزلزلها رأي مخالف ونظم وقيم تطرح من خلال عمل درامي محكم استغرق تصويره أكثر من سنتين. وعوضا من أن ينتقد العمل دراميا وفنيا، خرج الدينيون الإسلاميون ليقولوا أن مثل هذه الأعمال تستهدف اختراق مجتمعاتنا وبث القيم المنحلة بين رجالها ونساءها، وانه محاولة دنيئة للنيل من ديننا وقيمنا وأخلاقنا. أما قرأ هؤلاء "زهر الربيع" و"رجوع الشيخ" و"إلف ليلة وليلة" و"الروض العاطر" وعشرات المصنفات الجنسية التي كتبها الأقدمون والمعاصرون العرب في الجنس والتي تظهر بوضوح المواقف والمشاعر والأحاسيس الجنسية لدى الإنسان العربي بعيدا عن التدين والتصوف؟
إن المجتمعات الإسلامية منعزلة وموحشة، لذلك لا يقلق الغربي من حياة أبنائه فيها، لأنه على ثقة بأنهم لم ولن يتأثروا بها، وسوف يحتفظوا بنسقهم الحضاري والقيمي والديني، بينما يظل المسلمون مهووسون لدرجة الجنون. بتأثر أبنائهم بالقيم الغربية وذوبانهم فيها، خاصة لدى الأقليات التي تعيش في الدول الغربية، وفي البلدان الإسلامية والعربية فان قادة المجتمع ومفكريه ورجاله يظلون مهووسين وخائفين من أي انفتاح باتجاه الغرب أو المجتمعات المتحضرة الأخرى، بل إن التاريخ الحديث على الأقل لا يدون اندماج وذوبان أفراد أو جماعات شرقية أو غربية بمجتمع عربي ما. والعكس هو الصحيح، فهناك الكثير من الشخصيات المشهورة في دول القارتين الأوروبية والأميركيتين من أصول عربية، مما يدل على هشاشة الأسس التي ترتكز عليها المجتمعات العربية والإسلامية وعدم مقدرتها على التعاطي بايجابية وفاعلية مع الآخر المختلف.
إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: بأي حق يفرض رجال الدين وصايتهم على مجتمعاتهم؟ من نصب الفقهاء أوصياء على الناس؟ بأي حق يمارسون الوصاية على الشعوب؟ إن هم إلا بشر وان فقههم إلا علم بشري كباقي العلوم، فكيف تقيموا وزنا للظنون وتعتبروها في مواضع القطعيات والثوابت؟ كيف تقيسون الظني على القطعي؟...دعوا أبناءكم يقرأون ويسمعون ويشاهدون ويقارنون ويسألون ويتساءلون ويمعنون النظر.. امنحوهم حرية الإرادة والاختيار دون قيود. دعوهم يطلعون على ثقافة الآخرين وقيمهم ونظمهم وكيفية ممارستهم لحياتهم اليومية وعلاقاتهم الاجتماعية والإنسانية. دعوهم يفكرون بعقولهم ويتعلمون من الشعوب الأخرى كل قيمة جميلة وينبذون كل قيمة لا تتلاءم مع أسسهم وثوابتهم، دعوهم يعيشون حياتهم بأنفسهم ويختاروا لأنفسهم القيم والنظم والأنساق..
إن آخر الإحصائيات تشير إلى تزايد التفاعل مع المسلسلات المدبلجة بل وان حركة السياحة لتركيا ارتفعت بسببها، ذلك أن الأعمال الفنية تساهم في العلاقات السياسية والاقتصادية والسياحة والتعارف الايجابي ما بين الشعوب والأمم، وتساعد على الانسجام والتأقلم ما بين الثقافات والنظم والقيم.
إن الفن والرياضة وكافة الآداب والفنون تساهم إلى حد بعيد في كسر الهوة السياسية والثقافية بين الشعوب فلماذا نتخذ من الآخر المختلف موقفا سلبيا وعدائيا؟ لماذا نعتبر أن هذا العمل أو ذلك لم يوجد إلا لسلخنا عن ديننا ومسخا لثقافتنا ومحاولة دنيئة لاختراق نظامنا الاجتماعي والديني العتيد. أن أمننا الاجتماعي والديني والقيمي لو كان ثابت وقويا ورصينا لما زلزله عمل درامي عادي كمسلسلي "نور" و"سنوات الضياع". فلننظر للمجتمعات الغربية كيف تتعايش فيها الثقافات والنظم والقيم وكيف إنها لا تخشى من الآخر مهما كان مختلفا، بينما يصدر صاحب اكبر منصب ديني وروحي فتوى ضد مسلسل درامي عادي جدا.
لقد وجدت المرأة العربية في "مهند" ذلك الزوج الحنون الراقي الحضاري الذي لا يحجر عليها حريتها ويعاملها بإنسانية ويعتبر كرامتها خطا أحمر ويضحي من أجلها بحياته... ولقد وجدت فيه "نور" ذلك الزوج الذي ينظر لها كانسان ويحترم خصوصيتها وفرديتها وشخصيتها ويتيح لها المجال واسعا للعطاء والإنتاج.. تشاهد المرأة العربية شخصية مهند وهي تقارن بألم بين زوجها المتوحش الذي لا يسمح لها حتى بان تظهر عينيها للآخرين. تشاهده بألم وحرقة وهي ترى زوجها وهو يمنعها من ابسط حقوقها باسم الدين والأخلاق... لذلك أعجبت نساؤنا بمهند.
ووجد الأزواج في "نور" المرأة الإنسانة التي تبدع وتنتج وتتواصل مع محيطها الإنساني وامتدادها الاجتماعي دون أن يشك فيها زوجها بأنها تخونه أو تنظر إلى غيره. وجدوا فيها المرأة الواعية المدبرة الواثقة من نفسها، صاحبة الشخصية المعطاءة والمتميزة وقارنوها بنسائهم البائسات التعيسات اللواتي لا يعرفن كيف يتصرفن في ابسط المواقف والأحيان. وجدوا في "نور" شخصية المرأة الناضجة والزوجة والصديقة التي تشارك زوجها من موقع الندية والقوة المشحونة بالرحمة والعاطفة الجياشة وقارنوها بنسائهم اللواتي يتوشحن السواد، معدومات الشخصية والضيقات الأفق لذلك أعجبوا بـ"نور".
وجد المشاهد العربي في المسلسلات التركية حرية لم يألفها في مجتمعه الموحش المنعزل والمعزول، فانكب على مشاهدتها وهو في لاوعيه يحسد الشعب التركي على نسقه حياته.
إن المشاهد العربي يقبل على تلك الأعمال الدرامية المدبلجة لرغبته اللاواعية العميقة في الانعتاق من القيود وبدء حياة جدية تسودها قيم الحرية والانفتاح والتسامح.
رائد قاسم