الفن والأدب فى مواجهة التطرف

الطائفى التكفيرى إقصائى محتكر الحقيقة المطلقة

عمدت جماعة الإخوان وفصائل الإسلام السياسى عمدت لتشويه سمعة الفن المصري، بل تشويه الساحة الفكرية المصرية بما تحتويه من قوى جبارة لها قدرة على صنع المعجزات فى مجالات السينما والمسرح والدراما والغناء؛ لأنها تدرك أنها لن تحظى بقبول ودعم البعض إلا بشيطنة النموذج القائم وتكفيره.

تمت ترجمة هذا الشحن الطائفى المتصل عبر عقود بمجرد صعود الإسلام السياسى بعد فوضى ما عرف بالربيع العربي، فظهرت فى مصر على أعضاء ومؤيدى تلك الجماعات نزعات الثأر والانتقام ضد الفنانين والمبدعين والمفكرين ومساعى حبسهم وتغييبهم تمامًا عن الساحة، وفى تونس اعتدوا على السينمات وهجموا على المسارح واغتالوا مفكرين. تؤمن الجماعات المتطرفة بما أسماه نعوم تشومسكى انعدام الأفق، ولأنها لا مرجعية متماسكة لطرحها ولا مشروع فكرى وثقافى علاوة على السياسى والاقتصادى يرشحها لتحتل نصيبًا من الزمان والمكان المصرى والعربي، فهى تلجأ حيال من سيطرت على إرادتهم وعقولهم لسد آفاق الواقع القائم وإقامة حواجز الرفض والكراهية والنفور والتكفير بينهم وبينه، فلا يجدون ملاذًا إلا بالالتصاق بالجمود والتحجر المغلف بلبوس دينى زائف، حتى يصير عقل الفرد منهم هو والحجر سواء، ومشاعره جافة صلدة.

أرى أن مهمة المرحلة الرئيسية تتمثل فى استعادة الفضاء الذى احتله التطرف، عبر عملية إنقاذ حتمية لعقلية ومشاعر المسلم العادى الذى أصابه تشتت وارتباك من أثر مقولات منظرى وقادة جماعات الإسلام السياسي؛ عبر تدخل تنويرى واسع ومعمق يكسر التأزم الحاصل بين المتدين المصرى غير المؤدلج وغير المنتمى لجماعات دينية والذى يمثل غالبية المصريين والفضاء الثقافى والفني، ليتلقى الإبداع بصفة عامة وهو راض عن نفسه شاعرًا بطمأنينة، لا أن يتلقاه وهو يشعر بالذنب وتأنيب الضمير وبأن إيمانه مهدد بالضياع. الأمر يقتضى نضالًا عريضًا لإزالة تشوهات العقود الماضية، بعد أن صور تيار الإسلام السياسى لقطاع من المتدينين بأن تصوراته فقط هى المعبرة عن الدين وبأن نموذجه هو السبيل لنصرة قضايا الأمة والأوطان، ويتطلب إفهام الناس أن هؤلاء الذين رفعوا شعارات وعناوين إسلامية هم أبعد الناس عن جوهر الإسلام ومقاصده وأهدافه التى يتشارك الفن والدين معًا لتحقيقها.

من الضرورى اطلاع الجمهور العريض على الحقائق كون هذه الجماعات قد حرفت النصوص وألصقت بالإسلام ما ليس فيه وما هو بريء منه بادعاء تحريمه للفنون لا لشيء إلا لتحقيق مصالح سياسية وللصعود للصدارة تحت مزاعم امتلاك نموذج فكرى وثقافى وسياسى مختلف عما هو قائم. وأن التدين الحقيقى ليس بالشعارات والعناوين والمظاهر، وبأن شركاءنا الحقيقيين لنصرة الإسلام الصحيح وخدمة الأوطان هم فى كل مؤسسة وكل جامعة وكل هيئة وكل شبر من أرض مصر، لا فى حناجر المدعين المهووسين بالزعامة وسراديب التنظيمات السرية.

سيسرى تأثير الفنون والأدب الساحر فى جسد المجتمع المصرى عندما يُعاد الوعى لمن تم تغييبه عنهم، وأن تسترد شخصية المصرى المرح فى تدينه المحب للجمال والإبداع والضحك والبهجة، صانع الفرح ومتقن الصنعة والحرفة، الرافض والكاره للجمود والتزمت. مهمتنا محاصرة التطرف بصحيح الإسلام الذى تتكامل رسالته مع رسالة الفن، وبروائع الإبداع الفكرى والفنى والأدبى الداعى للقيم والمناصر للمبادئ والمحارب لقبح الجريمة وقبح الأخلاق والناشر للخير والنفع والسلام والبر والمحبة والعطاء بين البشر. المسار الثانى متعلق بطبيعة المعالجة الفنية للمتدين الطبيعي، المعبر عن الروح المصرية وعن الفهم المصرى السوى للدين كونه ليس مخاصمًا للحياة والجمال، ومن الضرورى إنصافه بمعالجات فنية تبرز شخصيته وتعكس جوانبها المضيئة وأثرها فى الحياة بصرف النظر عن انتمائه الفكرى أكان ليبراليًا أو يساريًا. لابد وأن تدار الكاميرات وتسلط هناك على الكتلة الجماهيرية الأكبر ممن يمارسون الحياة ويتعاطون مع الدين عبر جوهره ومبادئه وقيمه لا شكلياته وقشوره.

هؤلاء الذين يناضلون فى سبيل الخير وهم الأكثر صدقًا وشهامة فى علاقاتهم الإنسانية، ومن يساعدون الفقراء دون طمع فى مكاسب سياسية، ومن يحبون الحياة ويغنون ويمرحون ويشاهدون السينما ويرتادون المسرح وهم أيضًا يؤدون فروض دينهم، لابد وأن تبرز شخصياتهم وقصصهم بشكل متوازن ومنصف على الشاشات. أما منتج جماعات الإسلام السياسى وتنظيمات التطرف؛ ذلك الطائفى التكفيرى الإقصائى محتكر الحقيقة المطلقة الأنانى الوصولى المتسلق كاره البشر والحياة والجمال، فلا ينبغى طرح نموذجه كمعبر عن المواطن المصرى المحافظ، إنما هو حالة شاذة محدودة، تجب معالجتها كحالة مقتحمة طارئة مستوردة عابرة لن تدوم طويلًا فى نسيج المجتمع المصرى الذى سيلفظها قريبًا.

يبقى المبدع ثروة لا تقدر بثمن وهو قادر على تحقيق المعجزات لذلك خافته وسعت لتشويهه سلطات ومنابر الرجعية والتخلف، وحان أوان تمكينه ليقوم بدوره فى مواجهة التطرف والرجعية والتخلف، لتستعيد مصر كامل عافيتها وقوتها وحريتها.

هشام النجار

ملخص مقال نشر في الأهرام المصرية