الفن التشكيلي في الإمارات يشبه مجتمعها

توجهات عديدة ومتفاوتة بين الحداثة والتراث

يستقي الفن التشكيلي في الإمارات العربية المتحدة، مواضيعه من الثقافة العامة التي تسودها، فتراه يشبهها في ملامحه، متنوّع بتنوعها ومتطور بتطورها. ويكاد يكون من أكثر الفنون استفادةً من الانفتاح الذي تعيشه الدولة مما أدى إلى وجود أنواع جديدة منه تحمل صفات العصر الحالي بأشكاله الاجتماعية والفنية والتكنولوجية، وخلق معايير جديدة للفنان في تمييزه عن غيره من الناس.

وقد اتخذت الحكومة الإماراتية الدور المساعد والمساند للتشكيليين من أبنائها، فأنشأت جمعية الإمارات للفنون التشكيلية عام 1980 في الشارقة، بعد أن لاحظت وجود توجه كبير نحو الرسم الكلاسيكي التسجيلي والذي تطور لاحقاً حتى بات أكثر فهماً وتشريحاً للواقع، بالترافق مع دراسة الفنون التشكيلية كعلم أكاديمي والتوسع في مجالاته، في الفترة التي تبعت قيام لدولة الاتحادية.

ومن أهداف الجمعية الاهتمام بالفن التشكيلي الإماراتي، رعاية المواهب الشابة وصقلها بالدورات التدريبية، وتقديم الدعم المادي والمعنوي والإعلامي للفنانين الإماراتيين وتمثيلهم في المحافل الرسمية والدولية ذات الاختصاص نفسه، إلى جانب الدفاع عن حقوقهم كاملةً.

أيضاً شكّل "فن أبوظبي" ملتقى ثقافياً جمع أبرز روّاد الفن المعاصر وأصحاب صالات العرض العالمية ومقتني الأعمال الفنية على أرض العاصمة الإماراتية التي أصبحت بدورها منصة بارزة على الخارطة الثقافية والفنية والعالم، وخاصةً بما تقدمه وستقدمه المنطقة الثقافية في السعديات ضمن مجال الفنون التشكيلية بكل تنوعاتها ومدارسها الحديثة والمعاصرة. ويمكن ترجمة اهتمام الحكومة الإماراتية بالفن التشكيلي على مستوىً واسع، في جوجنهايم أبوظبي الذي تكمن رؤيته المستقبلية في دوره كمركز حيوي على مستوى العالم، يقدم لزواره مجموعة من الفنون الحديثة والمعاصرة، ويتميز بتصميمه المعماري الأخاذ، ومقتنياته ومعارضه وبرامجه الثقافية المتنوعة.

• انطلاق نحو المعاصرة وحفظ الموروث الشعبي

تأثر الفن التشكيلي الإماراتي، بحركة هذا الفن في العالم، فاتخذ معظم فنانيه الإماراتيين اليوم الطابع الحداثي الثائر على المتعارف عليه سابقاً، بينما ظل بعضهم ضمن الإطار التقليدي ذاته مكتفين بالريشة والألوان والقماش الخام من أجل رسم لوحة بمنتهى الواقعية والوضوح والجمالية أحياناً.

قديماً، أوحت البيئة الجغرافية للإمارات، لفنانين كثر من مواطنيها، برسمها وتصويرها على لوحات كان من أبرز عناصرها، الصحراء، البدوي، الصيد على الساحل، الخيول، الهجن، القهوة المرة، النخيل والبيوت الإماراتية القديمة. حيث استجاب الفنان إلى سحر الشكل واللون الموجود في كل تلك العناصر إلى جانب ما تحتويه من أفكار ومواضيع تشرح نمط الحياة المعيشية السابقة وكيف كان ابن البلد يطوّع ظروفه من أجل تحسين واقعه.

من الواضح أنه ومع التطورات العمرانية والتقنية والخدماتية، التي وصلت إليها البلاد ثمة من بقي ضمن هذا النمط من الفن التشكيلي، من بينهم الفنانة هدى الريامي الساعية دوماً إلى نشر التراث الإماراتي عبر رسوماتها. والفنان عبد القادر محمد الريس الذي يعتبر أول فنان محترف في تاريخ الإمارات، والذي يخلد الماضي بلوحاته مركزاً على فكرتي الإنسان والوطن.

بالإضافة إلى تجسيد التراث كأدوات وبيئة مرئية، هناك من رسّخ أعماله لتصوير الشخصيات الهامة في الدولة، حيث ينتشر رسم الشيوخ ذوي الأسماء البارزة والهامة التي كان لها صدىً واسعاً في بناء الدولة، من العهد القديم وحتى اللحظة. وهنا لا بد أن نذكر أعمال الفنان اليمني الأصل، عبد القادر السعدي، التي لا يمكنك تمييزها عن الصور الفوتوغرافية لشدة اعتنائه بتفاصيل الوجوه والحركات، وبتفاصيل المكان الموجودة فيه.

تأثر الفن التشكيلي بالحركة التكنولوجية المتطورة التي سادت الإمارات، مما أدى إلى تطوره مستفيداً من الحداثة التقنية المستخدمة في صياغة أشكال جديدة منه. إذ يعتبر فن الجرافيك من أكثر الفنون التشكيلية نمواً وانتشاراً في الدولة، ليس من قبل الإماراتيين فحسب بل من قبل فنانين عالميين مقيمين على أراضيها. ومع وجود أجهزة الهواتف الذكية والتي تحتمل تنزيل برامج التصميم عليها، صار من السهل التنفيذ والابتكار أينما كان.

مع النمط الحداثي السائد اليوم في الوسط التشكيلي الإماراتي، يوجد العديد من الفنانين الذين لا زالوا يصوّرون نزعاتهم نحو المدارس الفنية التي بدأت بالظهور في أواسط القرن الماضي، حيث ظهر تغيير جذري بالتعامل مع هذا الفن وأصبحت أعمال بعض الفنانين ذات النزعة الغربية أو الحديثة، تلقى رواجاً في المجتمع بأفراده ومؤسساته. من بينهم الفنان إبراهيم العوضي أحد مؤسسي جمعية الإمارات للفنون التشكيلية المتميز بإبداعه لوحات تنتمي إلى مدارس السريالية، والتكعيبية، والتجريدية، والواقعية. وفي حين كانت أعمال التشكيلي حسن الشريف تبدو غريبة ً بعض الشيء ومثيرة للجدل بالنسبة للمجتمع الذي يعيش فيه هنا، إلّا أنها أصبحت منذ منتصف التسعينيات تلقى قبولًا من الجمهور والمؤسسات في الإمارات.

بشكل عام أسهمت وسائل الاتصال بالانفتاح على الفنون العالمية وخلق عوالم هجينة بينها، وقد برزت جليةً في عدة معارض داخل وخارج الإمارات. منها معرض تعابير إماراتية الذي افتتح في أكتوبر/تشرين الثاني 2013 ويستمر حتى 18 يناير/كانون الثاني 2014. قدّم فيه ستة فنانين آخر إبداعاتهم في الساحة الفنية، كمثال نذكر ما قامت به التشكيلية ليلى جمعة التي ذهبت إلى تجسيد علاقتنا مع الطبيعة من خلال عملها "توائم" الذي تكوّن من عدة دوائر معدنية متداخلة ومتقاطعة فيما بينها.

كذلك حاول التشكيلي محمد كاظم دمج التكنولوجيا بالعناصر الطبيعية في محاولة لتجاوز الحدود الاجتماعية والفنية في الداخل والخارج، ضمن عمل قائم على الإحداثيات الجغرافية وسط البحر. وبالاستناد إلى وسائل تكنولوجية متطورة لها علاقة بالتصميم، أنجز أحمد محمد إبراهيم لوحته الكبيرة والتي كانت عبارة عن صورة لجبل تدخل فيها وسائطياً فغير في هيئتها وقدمها على شكل صورة كبيرة جداً علّقت على حائط المعرض.

اليوم، ومع الخليط الثقافي والإنساني الموجود على أرض الإمارات، لا يمكننا أن نؤطر الفن التشكيلي القائم على أراضيها بصبغة واحدة محددة. فإلى جانب الأشكال المعاصرة والحداثية التي باتت تصنعها أيدٍ إماراتية، يوجد من يسعى إلى تكريس الفن من أجل المحافظة على التراث الشعبي للهوية الأصيلة. وبين النمطين ثمة تدرجات وتنوعات كثيرة لا يمكننا حصرها، تتبع لمزاج كل فنان وأسلوب عمله.