الفن التشكيلي الهندي يعكس التنوع الثقافي والحضاري

نيودلهي - من خالد العنزي
النقوش والتماثيل تزين البنايات

ابدع الهنود بفن النحت والرسم والزخرفة منذ الاف السنين فتفننوا ببيوتهم وكهوفهم ونصبهم التذكارية وما ان تدخل بيتا قديما حتى تتصور انك في كهف وان دخلت كهفا فكانك تزور معرضا تشكيليا كبيرا يزخر بالرسومات والزخارف التي لا مثيل لها في العالم.
ويتميز فن النحت والرسم في الهند عن غيره بعدة امور اولها تنوع الثقافات والحضارات التي مرت عليها وتركت بها بصمة فنية مميزة في بلد يحب الرسم والزخرفة والنحت مما اضفى عليها صورة فائقة الجمال تمتزج بها الثقافات السنسكريتية والفارسية والمصرية والصينية اضافة الى المغولية.
ولاشك ان فن النحت بدأ في الهند بالكهوف التي كانت عبارة عن بيوت تفنن اصحابها بزخرفتها من خلال كم التماثيل الكبير الموجود بداخلها وكم الازهار والاشجار والطيور المرسومة بدقة متناهية اضافة الى النحت على جداران تلك الكهوف لتكون لوحة فنية رائعة الجمال.
وتختلف فنون النحت والرسم والزخرفة من ولاية لاخرى كل حسب الثقافة التي تأثرت بها والحضارة التي مرت عليها فتكاد ترى ارثا فنيا كبيرا بتلك الولايات نظرا لتأثرها بها.
وعزا استاذ الاثار بمركز الدراسات التاريخية الدكتور مانيش موخيرجي سبب كثرة رسم الازهار في الكهوف وبخاصة بمنطقة (اجانتا) بولاية مهراشترا بجنوب غرب الهند بأنه جاء لتعزيز الملكات الخيالية واشباع متعة النظر في فن الرسم ويقظة الخيال الشعري عند النظر الى هذه الاشكال مبينا انه لو كان الغرض منها الزينة لضاع منها هدفها القدسي.
واضاف ان كهوف (اجانتا) تعرض الفرصة الوحيدة المتبقية لرؤية طريقة الشكل واللون مذابة بشكل عباءة فنية كما ان نظام الرسم فيها يعتبر فريدا من نوعه والوحيد في تاريخ فن النحت من حيث الالوان وتمازجها والفنون والنحت على الجدران وكيفية دخول الضوء اليها.
وقال ان الاختلاف الذي يميز كهوف (اجانتا) عن بقية الكهوف الاخرى هو ان الانارة تأتي من التماثيل والرسومات التي تنير بحسن روعتها وجمالها المكان مبينا ان الهدف الاول وراء نحتها على اسقف وجدران الكهوف هو لاداء الشعائر الدينية.
واشار موخيرجي الى ان الغرض من الرسوم المنقوشة على كهوف العبادة هو حدة نفاذ البصيرة الى حد فائق يجعل الراهب او المتعبد يسمو بروحه عن الحياة العادية الى حياة النشوة او الكمال الروحى ليلتقي بنشوة انكشاف الانوارالالهية له وهذا النوع من الصحوة الروحية هو الذي تعكسه هذه التصاوير المنقوشة على سقوف وجدران كهوف العبادة.
وقال ان الطريقة التي صممت بها الكهوف تجعل الزائر لها يدخل اليها بطريقة تتجاوب مع ثقل وكثافة بناءها وللتوغل الى غرفها يحتاج الانسان ان يتموج كالثعبان كما ان طريقة تشييدها هي بذاتها نوع من التدريب الروحي والبدني اكثر من انه مجرد تقنية في فن العمارة والبناء.
وبين موخيرجي ان عهد الدراما السانسيكريتية بدا ما بين القرن الثاني والتاسع بعد الميلاد ثم بدأت في الاضمحلال لاسباب عديدة منها ان النخبة الهندية الحاكمة انذاك كانت تمر بضغوط سياسية قاسية افقدتها الثقة والصقل الثقافي لهذا النوع من الفنون التصويرية مثلما كانت تتمتع بها الحقبة الحاكمة السابقة.
اما الجانب الاخر فقد بدأت براعة وروعة الفنون التصويرية المنقوشة على سقوف تلك الكهوف وجدرانها تضمحل مع بداية ظهور النظام الطبقي والديانات المختلفة والمائلة للديانة البراهمينية اضافة الى الاقطاعية الضيقة والسفسطائية التي كانت تسود تلك الفترة الزمنية حيث ان طبقة البراهمان وهيمنة ديانتها طوقت تلك الفنون وافقدتها رونقها.
كانت الدراما السانسيكريتية بمثابة تصفية الثقافات الهندية الشفهية اذ انها كانت تستخدم في عصور الهند الاولى بصورة واسعة وقوية حيث ان كلماتها كانت تبرز براعة التصاوير المنظورة داخل تلك الكهوف مختلطة بحرية مع اساطير الفنون البوذية.
كما كانت الدراما الشعرية آنذاك تشارك فنون التصاوير الكهفية في بعض الميزات لانهما معا يعتبران "المنتجات المنتقاة" للشفافية الروحية السحرية.
وتخصص هذه المسرحيات السانسيكريتية الدرامية لبعض الطقوس الدينية للوصول الى النشوة الروحية كما كانت تدلل على ربطها العتيق بين الطرب والنشوة الدينية والانجذاب في موسم الاحتفال باعيادهم الدينية. (كونا)