الفنتازيا والعجائبية في روايات صبحي فحماوي

الاجتياح كالطوفان الذي يبتلع كل ما يأتي في طريقه

اعتمد الروائي صبحي فحماوي أسلوب السخرية والتهكم في فضح الواقع المؤلم، وبيان موقفه من القضية، لكنه لم يكتف بالأساليب المتداولة في كشف هذا الواقع وتعريته، فلجأ إلى الفنتازيا والعجائبية من خلال استشراف المستقبل، والخيال الجانح، والصور الكاريكاتيرية، لمَ لا؟ ونحن نعيش في واقع عجيب متناقض أشبه ما يكون بالفنتازيا، فما يحدث في الظاهر ويُحاك في الخفاء لا يقبله منطق، ولا يستسيغه عقل.

ففي "رواية الإسكندرية 2050"، يقول برهان:

"لكثرة ما حدثتني يا أبي عن برتقال عكا اليافاوي، عشقته كثيرا، ولكنني لم أتأكد عمليّا من شعوري، إلاّ بعد أن زرت أختي سمر عائدا من فرانكفورت، فوددت أن أبقى هناك ولو عامل قطف برتقال يافاوي، أشمّ رائحة الوطن البرتقالي، ولهذا قررت مزج هذا الكنعاني بلون برتقالها الأخضر، وبرائحته المنعشة، ولكننا انتبهنا متأخرين إلى إطالة عمر منتجنا الأخضر، فأنتجنا ابنتي تودد من خلية أمها مع خلية ورقة زيتون، وبعض الحيوانات أنتجناها بالدمج مع خلية ورقة السنديان، كي تعمّر كما يعمّر الزيتون والبلوط الفلسطيني..".

يسرح الروائي محلقا في عالم الخيال والعجائب للتعبير عن حبه وتعلقه بأرضه، بأشجار الزيتون الصامدة أمام الاحتلال، الشامخة على مرّ الزمان، تلك الأشجار التي تروي حضارة شعب، الباقية في شموخ وعزة، لقد تعلّق برهان بوطنه من خلال الحكايات والذكريات التي كان يسردها له والده، وقد ازداد شغفه وحبه لوطنه بعد زيارته لأخته.

يعبّر الروائي على لسان برهان عن مشاعر الفلسطيني الذي حُرم العيش على أرضه، وظل متعلقا بتراب وطنه، في محاولة منه إشراك القارئ بإنتاج الدلالة المستترة في عالم الخيال والفنتازيا، يحلم بحياة طويلة تحيطها السكينة والاستقرار، بعيدا عن التهجير والتشتت والضياع.

صور يرسمها الروائي بأسلوب مغاير خارجا بذلك عن المألوف، وكأن حلمه هذا يسبح في عالم الخيال والأوهام. ورغم لغته الميسرة السهلة والمعنى القريب الظاهر للقارئ، فإن وراءه معنى خفي يستنبطه القارئ الحصيف.

إن ما حدث وقت احتلال فلسطين من مشاهد تفوق الخيال فظاعة وقسوة، جعلت الروائي يعمد إلى الغرائبية في تصوير تلك المشاهد، إذ يقول عماد:

"فكثيرا ما أحلم أنني أعيش في البلاد، ثم تحصل زلازل، وكابوس ثقيل يجثم فوق كتفيّ ويغبّش الرؤيا أمام ناظري، فأرى دبابات تقع من سطوح جيراننا فتدخل غرفة نومي فأصحو ويهجم مجندون على كروم العنب فيعلكون أوراقها وقطوف الحصرم وتتشقق الأرض فتبتلع جيراننا... أراه يهوي في واد سحيق، والصخور تذوب في سائل طيني ناري أحمر، ينساب في قاع الوادي،....".

تصوير لمشاهد احتلال فلسطين التي بدت كأنها أضغاث أحلام، أو كابوس جاثم فوق صدره، من فظاعة الأحداث التي رافقت اجتياح العدو للقرى والمدن الفلسطينية، تلك الأحداث التي اتسمت بالعنف والدمار والقتل والتعذيب، مشاهد يصورها السارد بكلمات معبّرة تتحرك أمام القارئ باثا فيها الحياة من خلال الانزياحات التي أضفت على الجوامد صبغة الحياة فأنسنتها وكأنها تحس وتتألم وتتضامن معه.

يظن السارد أنه في حلم، أو كابوس يحاول الاستيقاظ منه، أو قد تكون مزحة، لكنها بكل أسف حقيقة قاسية، إذ لا تزال صورة الدبابات ماثلة أمام ناظريه، وهي تقتحم على الناس بيوتهم، وتهدم الأسقف فوق رؤوسهم، والجرافات تقتلع الشجر والبشر كزلزال لا يبقي ولا يذر، بل إن الاجتياح كالطوفان الذي يبتلع كل ما يأتي في طريقه، فيحوّل اللون الأزرق إلى الأحمر، ليروي بدماء الفلسطينيين أرض الإسراء والمعراج الأقصى الشريف.