الفلسطينيون يصنعون ربيعهم: الجوع إلى الحرية أقوى من جوع المعدة

بقلم: ماجد كيالي

ها هم الفلسطينيون يصنعون "ربيعهم"، أيضاً، في كسر إرادة الاحتلال، كما في تجاوز الكيانات السياسية والسلطوية المستهلكة، في آن معاً، من خلال معركة "الأمعاء الخاوية" التي خاضها الأسرى في سجون الاحتلال، احتجاجاً على الاعتقال التعسفي، وعلى ظروف الاعتقال، مؤكّدين عبرها بأن الجوع إلى الحرية أقوى من جوع المعدة.

هكذا، شكّلت هذه "المعركة"، التي احتلت الفضاء الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي، وحرّكت الوجدان العربي والدولي، إضافة نوعية في النضال الفلسطيني، وقدّمت للعالم أطول إضراب عن الطعام في التاريخ: بلال ذياب 77 يوماً، ثائر حلاحلة 77 يوماً، حسن الصفدي 71 يوماً، عمر أبو شلال 69 يوماً، محمد التاج 61 يوماً، محمود سرسك 55 يوماً، فارس الناطور 48 يوماً، جعفر عز الدين 54 يوماً، عبد الله البرغوثي 33 يوماً، وأكثر من 2000 أسير 28 يوماً؛ ولا ننسى هنا الأسيرين السابقين خضر عدنان (مع 66 يوماً) وهناء الشلبي (مع 44 يوماً)، اللذين كانا المبادرين إلى فتح هذا الطريق.

ومعلوم أن الفلسطينيين كانوا قدموا للعالم أطول إضراب في التاريخ في ثورتهم الشهيرة ضد الانتداب البريطاني والهجرة اليهودية الاستيطانية (1936).

وتأتي هذه "المعركة" ضمن منظومة المقاومة الشعبية ـ اللاعنفية، فالإضراب عن الطعام سبق اعتماده من قبل غاندي، في المقاومة الهندية اللاعنفية ضد الاحتلال البريطاني.

وفي تجربة المقاومة الايرلندية، مثلاً، تحوّل بوبي ساندر (من الجيش الجمهوري الايرلندي) إلى رمز لهذه المقاومة، بخوضه إضراباً عن الطعام في السجون البريطانية طال 64 يوما (1981) أودى بحياته (كما بحياة عشرة من أعضاء منظمته)، ما اضطر بعدها الحكومة البريطانية للاستجابة لمطلبهم بالاعتراف بهم كأسرى حرب.

أهمية انتفاضة الأسرى، أو معركة "الأمعاء الخاوية"، أيضاً، أنها تعزّز ثقة الفلسطينيين بأنفسهم، وتحثّهم على اعتماد المقاومة بالوسائل الشعبية، لملاءمة أشكال كفاحهم مع إمكانياتهم وقدراتهم، بعد كل ما مرّوا به من تجارب غير موفّقة دفعوا خلالها أثماناً باهظة، أدّت إلى استنزافهم وتآكل انجازاتهم، أكثر مما أضرّت بعدوّهم.

إضافة إلى كل ذلك فإن أهمية هذه الانتفاضة تنبثق من توحيدها الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، داخل الأرض المحتلة وخارجها، على عنوان واحد، وأنها خلقت بينهم نوعاً من الاستنفار، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، في متابعتهم لأحوال الأسرى.

وحقاً فإن هذه المعركة ألهمت الفلسطينيين، بحيث باتت تشكّل جزءاً من وعيهم الجمعي، ومن ذاكرتهم الوطنية، بدليل أن صفحات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر ويوتيوب) لم تكن ناشطة كما كانت في الأيام الماضية.

ففي تلك الأيام تقمّص الفلسطينيون، من الناشطين"الفيسبوكيين" شخصية الأسير الاحتجاجية، وظهروا في "بروفايل" واحد (صممه الغرافيكي حافظ عمر صاحب صفحة "حيطان" على "فيسبوك")، يمثل أسيراً أو أسيرة معصوم العينين، في لباس السجن، بني اللون، مع عبارات مختلفة من مثل: "ماء وملح"، "كلنا معكم"، "اتوحدنا يا وطن"، بحيث باتت صفحات الفيسبوك وكأنها لشخص واحد.

صفحة "خالد سعيد" (في الثورة المصرية) أخذت البروفايل ذاته، وكذا ثمة نشطاء سوريون فعلوا الشيء نفسه مع عبارة: "أنا سوري متضامن مع الأسرى الفلسطينيين".

هذا غير أن أشعار محمود درويش والأغاني واللوحات والصور الفلسطينية احتلت "الفيسبوك"، بحيث يمكن القول بأن الفلسطينيين لم يكونوا ذاتهم مثلما كانوا في الأيام القليلة الماضية، في معركة الدفاع عن الأسرى.

هذا لم يحدث في ساحة الفضاء الانترنتي/الافتراضي فقط، إذ شمل ذلك المظاهرات والاعتصامات والإضراب عن الطعام ورفع الأعلام والصور والشعارات، في ساحات المدن ومخيمات اللاجئين داخل الأرض المحتلة وخارجها، كما شمل عواصم البلدان العربية والعالم، التي شهدت أنشطة تضامنية متنوّعة مع انتفاضة الحرية التي يخوضها الأسرى، مؤكّدة عمق التضامن الدولي الإنساني مع قضية الفلسطينيين العادلة.

ومعنى ذلك، ربما، أن الفلسطينيين الذين يفتقدون إلى وحدة الإقليم والمجتمع والكيانات السياسية باتوا يعوّضون عن ذلك باستثمار شبكات التواصل الاجتماعي، إذ يكفي أن تصدر مبادرة لافتة للانتباه من شاب ما، حتى يتم تداولها بسرعة الضوء بين ألوف الناشطين، وربما تتحول إلى حركة على الأرض، على شكل مظاهرة أو اعتصام، وهو ما حصل في المظاهرات والاعتصامات وإنشاء خيم الإضراب عن الطعام تضامنا مع الأسرى، وفي تقمّص بروفايل الأسير، الذي حلّ محلّ الصور والرموز الشخصية.

في هذا الإطار ثمة معانٍ سياسية، أيضاً، لهذا الحراك الشعبي الفلسطيني، فهو يفيد، أولاً، بأن الفلسطينيين، مع ثورة الإعلام والمعلوماتية، ومع وجود مواقع التواصل الاجتماعي، بات بإمكانهم التفاعل والتواصل والتحاور واجتراح أشكال النضال والشعارات، متغلّبين في ذلك على العوائق الحدودية، ومتجاوزين في ذلك الحواجز والحساسيات الفصائلية.

وثانياً، فإن ما حصل هو بمثابة مؤشّر على أن ثمة خيارات أخرى واقعية وممكنة للفلسطينيين في مواجهة إسرائيل، ليس ضمنها الذهاب نحو خيارات باهظة ومتعذرة، تتمثل بحصر النضال في المقاومة المسلحة، ولا القبول بالأمر الواقع، وضمنها الارتهان لعملية تفاوضية لا معنى لها، وهو ما يتمثّل بالمقاومة الشعبية.

ومعلوم أن الفلسطينيين كانوا شقّوا هذا الطريق في انتفاضتهم الأولى (1987ـ1993) التي كانت تسمى وقتها انتفاضة "أطفال الحجارة"، وهي الانتفاضة التي عزّزت التعاطف مع الفلسطينيين على الصعيد الدولي، وأدت إلى مفاقمة التناقضات في المجتمع الإسرائيلي.

وثالثاً، فإن هذا الحراك كشف عقم الكيانات السياسية السائدة، وضمنها كيانات المنظمة والسلطة والفصائل، التي باتت مستهلكة ومرتهنة للواقع السائد، أي واقع مكانتها في السلطة، وارتهانها للعملية التفاوضية العبثية.

في مقابل فقد أكد هذا الحراك أن الروح الوطنية المختزنة عند الفلسطينيين ما زالت قادرة على تحدي إرادة إسرائيل وسياساتها.

يبقى القول إن انتفاضة الأسرى، لم تكن نسيج وحدها في محاولات الفلسطينيين صنع ربيعهم، رغم صعوبة أوضاعهم، فقبل عام بالضبط، وفي ذكرى النكبة حصلت انتفاضة العودة، التي قامت بها مجموعات شبابية، في الأرض المحتلة وخارجها، والتي نتج عنها وصول عدة شبان إلى داخل إسرائيل ذاتها.

أيضاً، ففي آذار، من العام الماضي نظمت مجموعات شبابية حملة من اجل إنهاء الانقسام في النظام الفلسطيني، ومن اجل تنظيم انتخابات للفلسطينيين. والخلاصة فإن الفلسطينيون يصنعون ربيعهم أيضاً.

ماجد كيالي