الفلسطينيون و الخروج من الدوامة

بقلم: محمود سوداح

لا ضير إطلاقا إن كان التباين وحتى الاختلاف في المواقف ، ميزة أهل البيت الواحد لكن الفجيعة تكون حين يصر الآخرون على ممارسة الأبوية حتى حيال طرح رؤى نقدية تدخل في سياق تكريس ثقافة الاختلاف منطلقا يؤسس مرجعية طالما كان افتقادها مدعاة لمصادرة حق الآخرين في تشريح الهم الجماعي مدخلا للإجابة على تساؤلات وعلامات استفهام وسمت الكثيرين بشبهة الاتهام والاتهام المضاد.

ترى .. لماذا وصلنا نحن الفلسطينيون إلى ما هو عليه حالنا اليوم . لماذا دخلنا المصيدة بل لماذا وصلنا إلى حدود المقبرة؟
أسئلة مريرة ومحاولات الاجابة عليها خجولة ..فقد أحيطت فلسطين القضية والوطن بهالة من القدسية جعلت من مجرد الاقتراب أو التأشير على سلبياتها جناية بل كفرا يدرج اسم صاحبه في خانة منتهكي المحرمات، ويصبح من أهل الردة أو من الخوارج لا فرق ما دام قضاتنا هم خصومنا؟

يعيش الفلسطينيون اليوم، رحلة تيه ، يرافقها دوامة جدل، الكل فيها مشاريع قرابين ، ان لم تكن بيد الاعداء فهي بيد ابناء الجلدة الواحدة ، وما اكثر بكائيات الفلسطينيين القادمة وما اكثر بيانات نعيهم ، ان لم يقف الفلسطينيون اليوم قبل غدا مع الذات.
نعم الفلسطينيون بحاجة الى وقفة مراجعة تاريخية ، وسياسة الهروب الى الامام ليست الحصانة امام الآتي ، سواء كان أبو علاء قريع ام ابو مازن على رأس الحكومة الفلسطينية، وسواء كان دحلان ام نصر يوسف على راس المؤسسة الامنية فان مشروعية التخوف من دخول المصيدة لن يتغير، فتلك الاسماء وتلك التعيينات ليست الا احجارا لاستكمال مواصفات بناء المقبرة، والخطورة بالاساس تكمن في قرار القبول بالدخول الى المصيدة ؟
لقد اتخذ ت القيادة الرسمية الفلسطينية قرارا بالقبول بما أسمته مصالحة تاريخية مع العدو الصهيوني، وبغض النظر عن صوابية أو خطأ هذا القبول الذي نحن لسنا بصدده اليوم، والذي أثبتت غالبية جموع الشعب الفلسطيني رفضها له، فان القيادة الرسمية الفلسطينية وفي مسار تنفيذ الاستحقاقات والالتزامات المترتبة على ما اعتقدته مصالحة قد بالغت في اخلاصها لتلك الالتزامات الى الحد الذي بات يهدد الوحدة الوطنية الفلسطينية، هذا دون ان تدرك، او ان تتوقف للحظة واحدة ، لتراقب او تراجع حدود التنفيذ الصهيوني لالتزاماته المتقابلة.
إن تنصل العدو الصهيوني من تنفيذ أي من الالتزامات المترتبة عليه ، يؤكد انه لم يكن يرى في تلك الاتفاقات الا مساحة من الوقت يستبدل فيها مسميات واقع الاحتلال بمسميات تجميلية مخادعة جديدة تحمل ذات المضامين ، فانسحاب الجيش الصهيوني من الاراضي الفلسطينية والمفترض بموجب الاتفاقيات تم استبداله بمسمى اعادة انتشار .
والحاكم المدني الصهيوني تم استبداله بمسمى رئيس وزراء، ولا ندري ان كان تعريب اسم موفاز سيبقى المؤقت اللواء نصر يوسف ام سيكون القادم ولو بعد حين العقيد دحلان.
لقد بالغت القيادة الرسمية الفلسطينية في وهمها بإمكانية المصالحة، وغرقت بل وارادت اغراق الجميع في مستنقع وهمها العبثي ، فجعلت من منظمة التحرير الفلسطينية، الكيان والهوية الوطنية للفلسطينيين، قربانا مجانيا على محراب ذات الوهم والعبث.
وقد أعطت القيادة الرسمية الفلسطينية اذنا صماء لكل الاصوات التي نادت بضرورة الفصل بين سلطة الحكم الذاتي ومنظمة التحرير الفلسطينية، لكن هوس وشهوة السلطة قد قاد الى ذاك الزواج الهجين بين سلطة ممنوحة من محتل مع قرين نقيض هو منظمة لتحرير فلسطين.
و قد كان من الطبيعي ان يكون نتاج ذاك التزاوج الهجين ، أولادا مشوهين ، و بناءات هجينة ، يدفع الفلسطينيون ثمنها اليوم هواجس تخوف و مرثيات بكاء.
الفلسطينيون اليوم بحاجة الى صحوة تزيل عن العيون كل عوارض الرمد السياسي، ومن العقول كل رهانات الوهم والعبث، ويأتي في المقدمة اعادة الاعتبار الى منظمة التحرير الفلسطينية ، فقد كانت المنظمة ـ دوما ـ خط توحد ، وها هي السلطة ـ اليوم ـ خط شقاق.
حدود الفجيعة تدق ناقوس الخطر ، وعلى الجميع ان يتحمل مسؤولياته ، فقد ان الاوان للهمس ان يتحول الى صراخ حتى وان كان مختلفا.