الفلسطينيون.. ماذا بعد الصمود؟

بقلم: د. أسامة عثمان

بات من الواضح أن إسرائيل تتجه نحو المزيد من اليمينية والتطرف، وأنها تسابق الزمن، في إنجاز مخططاتها النهائية، ولا تدخر ظرفا دوليا مواتيا، أو وضعا عربيا، وفلسطينيا، مساعدا، دون استثمار سياسي، يُعلن المضمر، أو المعلن، من المخططات الصهيونية الخَطِرة، على فلسطين والمنطقة.
هذه الأيام، بلا ريب، شديدةُ الأهمية في الكشف عن تالياتها؛ إذ كلما اقتربت الإدارة الأميركية، من السلبية والتراجع، و ترسَّخ في النخب العربية الحاكمة العجزُ، وافتقاد المبادرة، وانقسم الفلسطينيون، وتشتت جهودُهم، نشطت إسرائيل في المقابل في حسم الصراع، وقطع الطريق على أية « تنازلات» لا تريدها.
ووراء الصراع الدائر بين إسرائيل المدجَّجة بالمخططات اليمينية، والقادرة على فرض الوقائع، وبين الفلسطينيين المؤمنين بحقهم، والمتشبثين بوجودهم حربُ إرادة، قد لا تتفرد فيه تلك العوامل المستقرة، وإنما يعتريها التذبذب، بحكم العوامل السطحية؛ والسؤال: حين تتراكم تلك السلبيات السطحية، أو يمتدُّ زمانُها، هل تغدو قادرة على النفاذ إلى البِنْية العميقة؟
يهمنا أن نسلط الضوء على المعطيات الفلسطينية في هذا الشأن، إيجابا وسلبا؛ فالصمود قد لا يكون حالة ثابتة؛ ذلك أن إيمان الفلسطينيين العميق بفلسطين، مستقرٌ، بالبعد الديني، والوطني، ويزيد بالحالة النضالية، الفعلية، واليومية، والثقافية، ولكنه قد يتزعزع، بحلول نقيض ما سبق، وتضاؤل الشعور الوطني العام، مقابل الحضور الفصائلي الخاص، أما ما تتوهم دولةُ الاحتلال أنه يساعد، فقد أثبتت التجارِب أنه عكسيُّ النتائج؛ إذ كلما فعّلت إسرائيل من احتلالها، وعنصريتها، انتفضت في الفلسطينيين معاني المقاومة، واستيقظت في ذواتهم روابط وجودهم الجمعيِّ المهدَّد.
لكن القلق يبدو مشروعا من المخاطر الداخلية التي لا يمكن الاستهانة بها، كافتقاد الرموز الوطنية، أو تسبُّب بعض من يُفترض فيهم ذلك، بهزات معنوية للشعب الفلسطيني، عموما، وهنا يبرز الانقسام بين غزة/ حماس، وضفة/ السلطة؛ بوصفه وصفةً مؤكدةً لنزع الكثير من الثقة من هؤلاء المنقسمين، ونصيبُ الشعب منه أكبر من نصيب المحسومين لصالح أحد الطرفين. وإن لم يكن حتى الفتحاويين، والحمساويين، بمعزل عن تأثيراته الضارة، حين يصرفهم عن استهداف الاحتلال، إلى حرب داخلية، ولو لم تكن بالطَّلْقة، والمدفع.
هذا الانقسام ما زال يسمح، ويدفع، نحو تآكل الثقة بين الطرفين، لدرجة التخوين، تُغذِّي ذلك طبيعةُ العلاقة المتبادلة بين حكومة حماس، والسلطة الفلسطينية، حيث الاعتقالات السياسية، والتضييق على النشاطات، ومحاولات إقصاء الطرف الآخر.
فإذا كانت المخاطر الوشيكة على القدس والمقدسات والقضية برمتها لم تخفف من حدة الانقسام وتداعياته؛ فإلى أي مستوى تعمق هذا الانقسام؛ إذن؟! وإذا كانت الاعتداءات في غزة، والممارسات الاحتلالية في الضفة، وآخرها قرار ترحيل الآلاف... لم تقنع الطرفين بالتوحد؛ فما الذي يفعل؟!
مثل هذه التساؤلات ربما دارت في خلد الشباب الفلسطيني، عموما الذين ظهرت آراء شريحة منهم في برنامج «دوحة ديبايتس» الذي شارك فيه 300 طالب فلسطيني وعربي وأجنبي، في مواجهة مع ممثلين لفتح وحماس، وفيه صوَّت الطلاب، على سؤال الثقة بالقيادة الفلسطينية الحالية بأغلبية 89% «لا» مقابل 11% «نعم».
غير أن ما سبق لا يَشْغَل كامل المشهد؛ فثمة مقاومة اعتيادية، ومستمرة، يمارسها الفلاحون، والطلاب، والتجار، وسائر الفئات، بالنشاط اليومي، المحفوف بالتحدي، أو بالتجاهل، لكل عراقيل الاحتلال، ومنغِّصات الانقسام، وعلى موازاة ذلك يعمل رئيس حكومة السلطة، سلام فياض، بالانخراط النَّشِط، في صُلْب الحياة الفلسطينية، ويركز جهوده على المناطق الواقعة خارج مناطق السلطة التي تُعرف بـ«مناطق (A)». بالمشاريع التي تعزز الصمود الفلسطيني في الأرياف، مقابل غول الاستيطان المتربص، والمهاجم، وتتماهى جهوده مع المساعي الأميركية والدولية، نحو مشروع «حل الدولتين».
وعلى الرغم من اشتداد الممارسات الاحتلالية والاستيطانية والتهويدية في القدس، وغيرها؛ فإن ذلك لا يدل على أن إسرائيل قد أضحت مطلَقة اليد، بقدر ما يدل على مسابقتها الزمن؛ لفرض ما تستطيع فرضه في وجه الحلول السلمية الدولية التي لا تُرضيها. وهي مضطرة إلى التعامل مع الواقع الفلسطيني الصامد، والمتنامي؛ لذلك تعمد إلى الاقتراب الحذر من «الترانسفير» الجماعي، ويؤرِّقها الثقلُ الديمغرافي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأمام مشاريع اليمين المتطرف، مثل «الترانسفير»، و«الوطن البديل» عقباتٌ دولية، وإقليمية عربية، ووطنية فلسطينية. وما انفك الأردن يتخذ القرارات المتوجِّسة من استبدال الأردن بفلسطين، ونقل «الدولة الفلسطينية» إليه. وفي ضوء ذلك جاء قراره بسحب الجنسيات الأردنية من أردنيين من أصول فلسطينية.
إن الوضع المختل الذي يتسبب به الاحتلال الإسرائيلي، هو الكفيل، لو أُحسن تناولُه، بتعزيز الشعور الوطني الطبيعي تُجاهه؛ إذ بقدر ما يطمح بالفعل؛ فإنه يغذِّي ردات الفعل، ولكن ذلك يستلزم حالة فلسطينية سوية، وعربية وإسلامية مساندة، وعلى النظام العربي الرسمي كله أن يتحمل مسئولياته، وأن يعيد النظر- إذا أراد تدارك فلسطين وشعبها- في خياراته، فأما الصمود الفلسطيني، والثبات، فإنه، إنْ لم يأتِ طوعا؛ فإنه سيأتي اضطرارا، لكن يبقى السؤال: هل بالصمود فقط تُستبقى فلسطين، ويُستبقى الفلسطينيون؟! د. أسامة عثمان o_shaawar@hotmail.com