الفلسطينيون في ظلّ التراجع الاميركي

هناك رغبة أميركية حقيقية في تحقيق انجاز في الشرق الاوسط. هذا الهاجس لاحق باراك أوباما منذ ما قبل دخوله البيت الابيض. وقتذاك، قام الرجل، وكان لا يزال مرشحا للرئاسة بجولة شرق أوسطية شملت رام الله. أكّد المرشحّ أوباما أنّه لن ينتظر الاشهر الأخيرة من ولايته الثانية والأخيرة كي يهتم بانهاء النزاع العربي- الاسرائيلي.

كان أوباما يوجّه انتقادا مباشرا الى سلفه جورج بوش الابن الذي لم يهتم بنزاع الشرق الاوسط الّا عندما شارفت ولايته الثانية على نهايتها.

الآن، سيحاول باراك أوباما تسويق مشروعه في شان التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين عندما يلتقي السيّد محمود عباس (ابو مازن) رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في السابع عشر من الشهر الجاري.

قبل أيّام، استقبل أوباما في البيت الابيض رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو. كان اللقاء ودّيا، في الظاهر. ولكن في العمق، كان هناك نوع من الاحتقان والتوتر. يعود ذلك الى أن الرئيس الاميركي لم يخف، منذ توليه السلطة قبل ما يزيد على خمس سنوات سنوات، أنّه يعترض على سياسة الاستيطان في الضفة الغربية.

مهّد أوباما للقائه بنتانياهو بحديث أدلى به الى الصحافي والكاتب جيفري غولدبرغ من "بلومبرغ فيو" حذرّ فيه اسرائيل من أنّ الوقت ينفد بالنسبة الى التوصل الى اتفاق بينها وبين الفلسطينيين. وقال إنه اذا كان رئيس الوزراء الاسرائيلي يعتقد أن ليس في الامكان عقد صفقة سلام مع الفلسطينيين، سيتوجب عليه "التحرك والخروج بمقاربة بديلة". هل من مقاربة بديلة من حلّ الدولتين باستثناء الرغبة في تكريس الاحتلال الى ما لا نهاية؟

هل من احتلال صمد الى ما لا نهاية في مواجهة شعب لا يريد سوى ممارسة حقوقه الوطنية على أرضه التاريخية، بل على جزء من هذه الأرض التاريخية مثله مثل أي شعب في العالم؟

سمّم الكلام الصادر عن أوباما الاجواء بين الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الاسسرائيلي. صحيح أنّ ذلك لم يظهر علنا في لقاء البيت الابيض، لكنّ الصحيح أيضا أنّه كان لافتا أنّ نتانياهو سعى الى تجاهل أوباما قدر الامكان في تصريحاته العلنية وركّز في المقابل على الاشادة بوزير الخارجية جون كيري وبمواقفه.

الاكيد أن تجربة "حماس" في غزة ساعدت الاسرائيليين كثيرا، خصوصا أن الحركة التي استولت على القطاع بعد سنتين من انسحاب اسرائيل بشكل كامل منه عملت كلّ ما تستطيع من أجل دعم وجهة النظر القائلة أن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه.

فبدل أن تؤكد "حماس"، بالملموس وعبر الممارسات اليومية، أن الفلسطينيين يريدون السلام وأن كلّ ما يسعون اليه هو الانتهاء من الاحتلال، راحت تتحدّث عن "المقاومة" و "الممانعة". راحت تطلق الشعارات المضحكة ـ المبكية من نوع أن صواريخها يمكن أن تحرّر فلسطين كلّها، من البحر الى النهر ومن النهر الى البحر، لا فارق...

لماذا يراهن نتانياهو على كيري وأفكاره التي لم يطرحها بعد والتي يمكن أن تشكل مشروعا متكاملا على غرار المشروع ـ الاطار الذي طرحه الرئيس السابق بيل كلينتون في نهاية ولايته الثانية أواخر العام 2000؟

يعود رهان نتانياهو على كيري الى أنه يراهن على الوقت. انه تلميذ نجيب لاسحق شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل الذي ذهب الى مؤتمر مدريد في خريف العام 1991 ليقول أن استراتيجيته قائمة على التفاوض من أجل التفاوض. كلّ هدف نتانياهو في السنة 2014 هو التفاوض من أجل التفاوض في وقت ليس أمام الجانب الفلسطيني غير التفاوض حتى لا يقال إنه الطرف الذي خذل الاميركيين.

كان اسحق شامير يعمل بكل بساطة على خلق واقع جديد على الأرض. لم يحد بيبي نتانياهو عن هذا الخط قيد أنملة. كلّ مل يريده هو كسب الوقت من أجل احتلال أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية وتطويق القدس الشرقية المفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلّة.

باتت معروفة الخطوط العريضة لمشروع كيري. انه تراجع عن المشروع ـ الاطار لكلينتون والذي أخطأ ياسر عرفات، رحمه الله، عندما لم يعلن قبوله له. مشروع كيري يشكل تراجعا، خصوصا انه أقلّ اصرارا على مرجعية حدود 1967، اضافة الى أنه لا يتطرق الى حق العودة ولو بشكل رمزي كما كانت عليه الحال في مشروع الـ2000 الذي دعا اسرائيل الى السماح بعودة نحو مئتي ألف لاجئ، معظمهم من لبنان.

أما بالنسبة الى القدس، فان كيري يتحدّث عن عاصمة لدولة فلسطين "في القدس" وليس عن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. اي أن الوجود الرسمي الفلسطيني في القدس الشرقية يمكن أن يقتصر على شارع أو شارعين. ربّما أكثر وربّما أقل.

هناك قضية يهودية دولة اسرائيل التي يرفضها الجانب الفلسطيني وهناك تفكيك لمستوطنات مرتبط بالسلوك الفلسطيني الذي سيكون تحت مراقبة مشتركة أميركية- اسرائيلية. وهناك الوجود العسكري في غور الاردن الذي تصرّ عليه اسرائيل والذي لا يعترض عليه وزير الخارجية الاميركي تماماً. مثل هذا الوجود لم يكن مطروحا لدى كلينتون الذي تحدث مشروعه عن تفكيك مستوطنات خلال ستة وثلاثين شهرا، بما في ذلك مستوطنات في الخليل.

لا خيار أمام الجانب الفلسطيني سوى متابعة التفاوض على الرغم من أن مشروع كيري يتضمن ثغرات. يبقى لديه أمل وحيد يتمثّل في اقدام أوباما على خطوة دراماتيكية تجاه اسرائيل يفرض من خلالها قيام دولة فلسطينية "قابلة للحياة" فعلا عاصمتها القدس الشرقية. هل يستطيع الدخول في مثل هذه المواجهة مع بيبي نتانياهو وأن يقول له إن الاحتلال اسمه الاحتلال ولا اسم آخر له؟

من الصعب الرهان على أوباما الذي عوّدنا على اطلاق التهديدات وتحديد الخطوط الحمر...ثمّ التراجع. ربّما كان على الفسطينيين قبول ما طرحه كلينتون في سنة 2000، مثلما كان عليهم قبول مشروع روجرز في السنة 1970 وذلك حتى لا يقال انهم لا يفوتون فرصة تفويت أي فرصة تسنح أمامهم!