الفكر الظلامي في تونس يشوه تمثال الطاهر الحداد

'حقد على الرموز التونسية'

تونس - أدانت وزارة الثقافة التونسية في بلاغ لها الاثنين حادثة الاعتداء على النصب التذكاري للمفكر التونسي الطاهر الحداد بمدينة الحامة من محافظة قابس في 8 فبراير/شباط.

وأفاق أهالي الحامة التونسية الأحد على خبر اعتداء مجهولين على تمثال المفكر التونسي حيث وقع اقتلاع تمثاله المنتصب في ساحة بوسط المدينة من مكانه وإسقاطه على الأرض مما أدى إلى تحطم أجزاء منه.

وطاهر الحداد أصيل بلدة الحامة التونسية التي أنجبت العديد من الرموز التونسية في السياسة والنضال النقابي والمقاومة.

والحداد مفكر ونقابي وسياسي تونسي، وقام بحملة لتطوير المجتمع التونسي في مطلع القرن العشرين.

ومن المعروف أنه طالب بحقوق العمال النقابية التونسية، وبتحرير المرأة التونسية من قيود تكبلها داخل مجتمعها، وبمنع تعدد الزوجات في العالم المسلم.

وقد حاد الحداد عن العقلية الجامدة وذلك بمثابرته على الإطلاع على الأفكار الإصلاحية الحديثة ونهله من أدبيات تختلف كل الاختلاف عن مرجعيات التعليم بجامع الزيتونة.

فكانت له ثقافة عصرية نجمت عن اطلاعه على ركائز الفكر الغربي من خلال رواد الحداثة والإصلاح في العالم.

وتأثّر الحداد بفكر عبدالرحمان بن خلدون ومناهجه ومبادئه وتعلّم عنه العقلانية وبالتالي المصالحة بين الإيمان والعقل.

كما اطلع على الفكر الإصلاحي بمصر من خلال روّاده من أجل ملاءمة الإسلام مع مقتضيات العصر وتشبّع كذلك بأفكار قاسم أمين التي وردت في كتابيه تحرير المرأة (1899) والمرأة الجديدة (1900) وقد عثر فيها على الأدلة الدينية حول حقوق المرأة المسلمة ومساواتها مع الرجل.

وألف الحداد كتابه الشهير "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" وبسببه حرم من الحصول على شهادة الحقوق وطرد من قاعة الامتحان بأمر ملكي لما احتواه من تجرأ على ثوابت الدين.

ووجهت منظمات حقوقية ومدنية واحزاب سياسية اصابع الاتهام الى جماعات سلفية متطرفة قامت بالتعدي في جناح الليل على تمثال صاحب الفكر التنويري ومناصر المرأة.

وادانت وزارة الثقافة بشدة الاعتداء السافر الذي استهدف رمزا تونسيا كبيرا مثّل شجاعة الفكر وحلقة من حلقات التنوير التونسي واعتبرت انه اعتداء على الذاكرة الجماعية الوطنية التونسية وعلى الارث الحداثي الذي تستند اليه وترتوي من منابعه.

ووصف الإتّحاد العام التونسي للشغل في بيان له المعتدين بـ"المجرمين الظلاميين" واعتبرها محاولة يائسة من مجموعة تكفيرية ظلامية تجهيلية للثّأر من الفكر الإصلاحي والتنويري للمرحوم الطاهر الحدّاد الذي تميّز بالجرأة وبعد النظر وصلابة الفكر، كما هي حركة بائسة لضرب أي فكر إصلاحي عبر رمزية الاعتداء على النصب.

وشدّد الإتّحاد، في البيان ذاته، على أنّ مثل هذه الاعتداءات عاجزة عن ثني التونسيات والتونسيين على مواصلة مقاومة التطرّف والإرهاب حتّى اجتثاثه من جذوره وإنقاذ البلاد من ويلاته.

وعبر الاتحاد الجهوي للشغل بقابس عن استنكاره لهذه الجريمة الآثمة وما تحمله في طياتها من حقد على الرموز الوطنية.

وادانت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان في بيان العمل الوحشي الذي يرمي إلى الاعتداء على الذاكرة الوطنية.

واعرب حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي التونسي في بيان له استنكاره للاعتداء على تمثال المفكر والمصلح ورائد معركة الدفاع عن تحرير المرأة التونسية ودعا الى تتبع المعتدين قضائيا منددا بالاعتداءات المتكررة على التراث الوطني ورموزه.

وأثار الاعتداء استنكار الأهالي واجمعوا على إدانته والمطالبة بفتح تحقيق لمعرفة المعتدي وأسرع بعض المتطوعين للعمل من أجل ترميم التمثال وإعادته إلى مكانه في أقرب وقت تخليدا لذكر الحداد وفكره.

والتيار السلفي المتشدد في تونس يضم ما بين ثلاثة الى عشرة آلاف شخص وهو متهم ايضا بتنفيذ سلسلة من الاعتداءات العنيفة منذ عامين ابرزها الاعتداء على السفارة الاميركية في تونس في 14 ايلول/سبتمبر 2012.

وذكرت وسائل إعلامية محلية خلال الفترة الاخيرة أن جماعات "سلفية وهابية" قامت بهدم أضرحة صوفية في عدد من مناطق البلاد ودعت المواطنين إلى الكف عن زيارتها لأن في ذلك "شرك بالله".

واستنكرت وزارة الثقافة التونسية في وقت سابق أعمال هدم طالت زوايا ومقامات (أضرحة) صوفية في البلاد، وهددت بمقاضاة الضالعين في هذه الاعمال.

وقالت وزارة الثقافة في وقت سابق في بيان لها انها "تستنكر بشدة الاعتداءات الحاصلة على بعض الزوايا والمقامات التي تمثل جزءا من التراث الوطني في بعديه المادي واللامادي الذي يجب أن تتكاتف الجهود في المحافظة عليه".

ووصفت الوزارة "الاعتداءات" التي طالت الزوايا والمقامات بأنها "محاولات لطمس ذاكرتنا الوطنية".

ويندد العلمانيون بالسلفيين لممارستهم العنف الجسدي واللفظي وتكفير خصوهم.

ويحذر كثيرون من أن العنف الديني يمكن ان يهدم قطاع السياحة في تونس الذي تراجع بشدة منذ اندلاع الثورة التي اطاحت بالرئيس السابق.

وادت تجاوزات التيار السلفي الى اضطراب الأوضاع في وقت سابق في تونس باندلاع مواجهات بين الطلبة وتعطيل الدراسة في الجامعات للمطالبة بحق المنقبات فى دخول الامتحانات ومرورًا بحادثة رجت تونس بعد قيام بعض السلفيين بإنزال العلم التونسي في منوبة واستبداله بعلم الخلافة الأسود.

وقالت الناشطة الحقوقية سعيدة قراش "تنامي التيار السلفي يسعى بوضوح الى دفع البلاد للعنف.. حياتنا وعاداتنا اليومية اصبحت مهددة. هذه الافعال تهدف الى اجبارنا على التخلي عن افكارنا ولباسنا واختلاط الذكور والاناث".