الفكر الديني يواجه بفكر ليبرالي محايد لا بضِد إلحادي

لا أدري ما الهدف الذي تسعى اليه بعض الفضائيات، من خلال تقديم برامج تناقش فيها موضوع التديّن والإلحاد، تستضيف بها شباب مسلمين، مَرّة سعودية متحولة للإلحاد، ومَرّة ألماني متحول للإسلام، ومَرّة عراقي متحول للإلحاد، ومَرّة فتاة مُتنقّبة حديثاً، أغلبهم نتاج ظروف معقدة وبيئات عليلة، تدينوا وألحَدوا بطريقة الطفل الصغير الذي حينما تعطيه لعبة جديدة يفرح وينبهر بها، إلا أنه سرعان ما يهجرها لعشرات غيرها مستقبلاً بعد أن يمل منها.

إذا ركزنا ملياً في أحاديث هؤلاء الشباب، سنجد أن المتدين منهم قرأ كَم حديث نبوي موضوع وملفّق، وكَم آية نسخت بخمسين آية بعدها، ليصبح متدينا متطرفا. وأن الملحد منهم بات ملحدا متعصبا بمجرد قرائته لنظرية داروين التي أكل الدهر وشرب على أغلب فرضياتها بظهور فرضيات أكثر منها دقة، أو بمجرد قرائته لنظرية الانفجار العظيم التي لا يعلم أنها تفترض أصلاً وجود قوة سبقت الإنفجار، أو بمجرد قرائته لنظرية الحالة الثابتة التي لا يعلم بأن أبرز منظريها، وهو العالم البريطاني ألفريد هويل، قد عاد قبل موته عَن الإلحاد وأقَتنع بوجود مصمم ذكي لهذا الكون ولنظامه الإعجازي الدقيق. فأغلب تدين وإلحاد شباب هذه الأيام هو تدين وإلحاد موضة، وليس تدين وإلحاد فهم نابع عن قناعة راسخة بتجربة معاشة، أو نتيجة قراءة ومطالعة واعية ومتعمقة. فمن يقرأ بشكل دقيق تتوسع مداركه وينضج وعيه، ولا يندفع ويتطرف، لا بإتجاه الدين ولا الإلحاد، بل على العكس يصبح أكثر إعتدالاً، وتصبح مفاهيم الحياة بالنسبة اليه أكثر وضوحاً، وهذه البرامج للأسف لا يبدو أنها تسعى لذلك، لأنها لا تقدم حوارات موضوعية هادفة، ولا مادة فكرية دسمة، بل تدفع نحو التطرف بالإتجاهين عبر ما تقدمه من معلومات سطحية عن مواضيع حساسة على لسان أشخاص ليسوا مؤهلين للحديث عنها.

إن التدين والإلحاد ليسا نظاما مجتمعيا ناجحا، ولا هما منهج حياة متقدم، وبالتالي ليسا هدفاً يستحق أن تتبناه مؤسسات إعلامية وتناقشه على الفضائيات في برامج حوارية مُمِلة ومُكرّرة، بل هما قناعة شخصية تهُم صاحبها لا الآخرين، الذين تعنيهم أساساً أخلاقه وطريقة تعامله معهم، لا تدينه أو إلحاده. لذا يفترض أن يكون الهدف هو توعية شبابنا بالعِلم وتثقيفهم بالقيم الإنسانية، وبالتالي نحن بحاجة لنُظُم تتبنى الانسانية كقيمة عليا وتحترم وتكَرّم الانسان، ولسنا بحاجة لنُظُم سياسية مجتمعية تتبنى الدين أو الإلحاد. فهذه هي مشكلتنا أصلاً. وهي التي أفرزت لنا نُظُماً إلحادية شمولية دموية تهين الإنسان وتقمعه كالإتحاد السوفيتي سابقاً، وكوريا الشمالية الآن. أو نظماً دينية تفوقها شمولية ودموية بإهانتها وقمعها للإنسان، كنظام طالبان السابق في أفغانستان، ونظام الملالي الحالي في إيران، وأخيراً نظام داعش الوحشي في العراق والشام.

المشكلة في هذا النوع من البرامج، والتي يمكن ملاحظتها بوضوح من خلال الأسئلة والأجوبة التي تطرح بها، هي أن الضيف المتدين والمنقبة "دچّة دبنگ" أي لا تفقه شيئا بالدين، وأن الضيف المُلحد والمُلحدة دچّة دبنگ بالإلحاد، وأن مقدم البرنامج دچّة دبنگ بالإثنين. وطبعاً كلها كوم وربعنا العراقيين بكوم، لأنهم كالعادة لا مؤمنهم به حظ، ولا ملحدهم به حظ، بل متطرفون بكل شيء، ومتعصبون لكل شيء!