الفقر يضطر المصريين إلى مسح الأحذية

ظروف عمل قاهرة ومطاردات مستمرة

القاهرة – تجلس عزة (ربة منزل) على أرضية فناء الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة مرددة عبارة "تلميع الحذاء بنصف جنيه، أيا كان لونه أو نوع الصبغة المستخدمة له".

وتقول عزة لصحيفة "المصري اليوم" إنها اضطرت لممارسة مهنة مسح الأحذية بعد تدهور الحالة الصحية لزوجها وعدم تمكنه من إيفاء أبسط حاجات الأسرة، ووفاته لاحقا تاركا زوجته مع ثلاثة أبناء.

وتضيف "حاصرتنا الديون من كل جانب، لكننا لم نيأس من رحمة ربنا، وذات يوم فوجئنا بأحد الجيران يعرض علينا متطوعاً أن يعلم زوجي مهنة مسح الأحذية، باعتبارها مهنة سهلة، ولا تحتاج إلي مجهود، كما تطوع آخرون بشراء الأدوات اللازمة لذلك، ولكنه كان قد اشتد به المرض، حتى أودي بحياته".

وتقول عزة إنها وجدت نفسها أمام مسؤولية مضاعفة، هي تربية أولادها الثلاثة وتعليمهم وتوفير جميع احتياجاتهم، فحملت صندوق الأحذية علي كتفها ومضت تكمل المسيرة.

وتعد مهنة ماسح الأحذية أو "البويجي" إحدى المهن الهامشية في المجتمع المصري، حيث يقبل عليها الفقراء لكسب رزقهم لاسيما أنها لا تحتاج إلى ابتكار أو موهبة، كما يعد رأس المال اللازم لاقتناء أدواتها الأساسية مبلغاً زهيداً، غير أن أصحاب هذه المهنة يعانون كثيرا من ظروف عمل قاهرة ومطاردات مستمرة من قبل رجال الأمن.

ولم يكن همام السيد المنحدر من محافظة أسيوط في صعيد مصر يعلم أنه سيترك يوما "قصعة البناء" التي ظل يحملها 30 عاما، ويحمل بدلا منها صندوقا خشبيا لمسح الأحذية في شوارع القاهرة بعد أن سقط من فوق إحدى السقالات، وأصيب في فقرات الظهر.

ويقول السيد لصحيفة "الاتحاد" إنه اضطر للبحث عن عمل يلائم وضعه الصحي الجديد أمام طلبات أسرته التي تتكون من 5 أفراد، فأشار عليه صديق بالعمل ماسح أحذية وأقرضه مبلغا من المال كي يشتري صندوقا خشبيا وبقية مستلزمات المهنة الجيدة، فنفذ الفكرة واستقر بالقرب من محطة قطارات مصر، ومع مرور الوقت بات له مكان ثابت يتردد عليه المارة والمسافرون لتنظيف وتلميع أحذيتهم، وبات يجني يوميا ما يحفظه وأسرته من مذلة السؤال.

ويضيف السيد "يلزم ماسح الأحذية توفير مبلغ من المال أسبوعيا لشراء علب دهان وورنيش وألوان جديدة بدلا عن تلك التي تفرغ، كما يلزم توفير بضعة جنيهات أخرى يدفعها كأتاوة يومية لبلطجية الشوارع الذين يفرضونها على الباعة الجائلين في شوارع القاهرة نظير تركهم يعملون بلا منغصات، ومساعدتهم في الهروب من مطاردات شرطة المرافق التي تتعامل معهم على أنهم متسولون ومصدر فوضى وإشغال لرصيف المشاة بالشوارع".

ويشير الصحفي محمد الحمامصي في مقال له بصحيفة "البيان" الإماراتية إلى أن ماسح الأحذية من الشخصية المتكررة في السينما المصرية "حيث يجلس صاحب النفوذ الثري أو التاجر أو المجرم أو البلطجي، على المقهى، وهو يدخن النرجيلة، بينما يبدو جالسا عند قدميه ماسح الأحذية وهو ينظف له حذاءه، وهنا لا ينسى مشهد الفنان أحمد راتب في فيلم الإرهاب والكباب لعادل إمام ويسرا، حيث كان يعمل ماسح أحذية في مجمع التحرير".

غير أن الواقع اليومي لماسحي الأحذية في مصر يختلف عن السينما، حيث يمضون يومهم في ترقب وقلق دائم من رجال الشرطة الذين يطاردونهم وقد يصادرون أدواتهم بذريعة إحداث الفوضى والإخلال بالأمن.

ولم يغادر أحمد خشبة (51 سنة) زاويته المعتادة بالقرب من مجمع التحرير بوسط القاهرة منذ أكثر من 40 عاما ولديه زبائنه المحددون الذين يفضلون تلميع أحذيتهم عنده دون الآخرين المتواجدين بالميدان.

لكن خشبة الذي ورث مهنة مسح الأحذية عن والده يقول إنه نتيجة لوجوده في قلب واحد من أشهر ميادين القاهرة وقربه من شارع قصر العيني حيث مباني البرلمان والوزارات المختلفة، فإن يشاهد يوميا مواكب مسؤولين ومظاهرات وجنازات لشخصيات مهمة تمر من أمامه.

ويضيف "كل ما يشغلني هم منظمو المظاهرات والاعتصامات ممن يتوافدون من حين لآخر على الميدان وشارع القصر العيني، وما يفعلونه من صراخ وفوضى تؤدي إلى ابتعاد الزبائن وبالتالي يقل الرزق".

ويؤكد خشيته من هجمات شرطة المرافق المباغتة التي تطارده وغيره من الباعة الجائلين بدعوى أنهم سبب الفوضى المرورية بالمكان ولذا فتلك المطاردات تعرضه لفقدان صندوقه الخشبي بما يحتويه من دهانات، وكذلك زبائنه وبعد احتجاز لساعات يتم الإفراج عنه ومن الممكن أن يسترد الصندوق بعد دفع الغرامة اللازمة، أو لا يسترده أبدا، وهنا يقترض 50 جنيها من بائع الصحف المجاور له ويذهب لأحد النجارين كي يصنع له صندوقا خشبيا جديدا ويعود إلى عمله كالمعتاد.