الفقر والفقراء في الأردن.. في دراسة مُغْرِضة!

بقلم: جواد البشيتي

بحسب دراسةٍ (رقمية) لظاهرة الفقر، أعدتها دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، ارتفعت نسبة الفقراء في المملكة؛ ولقد بلغ عدد الفقراء (حتى سنة 2008) 781 ألفاً، أي ما نسبته 13.3 في المئة من المواطنين.

هذا هو "الخبر السيئ"، الذي بثَّتْه "الدراسة"؛ أمَّا "الخبر الجيِّد"، والذي، مع أشياء أخرى، يجعل "الدراسة" مُغْرِضة، أي منطوية على غرض (وميل) حكومي، فهو أنَّ جهود ومساعي الحكومة (أي الحكومات جميعاً) لمكافحة ومحاربة الفقر هي التي بفضلها، في المقام الأوَّل، لم تبلغ نسبة الفقراء 21 في المئة؛ وقد كان متوقَّعاً لها أنْ تبلغ هذه النسبة!

وأتوقَّع أن تقول "الحكومة"، في دراستها المقبلة، التي ستُعدُّها دائرة الإحصاءات العامة، إنَّ نسبة الفقراء قد بلغت 21 في المئة؛ ولولا الجهود والمساعي الحكومية لبلغت 30 في المئة!

"الفقير" هو، في المقام الأوَّل، "الفقير غذائياً"، أي الذي يَعْجَز، أي يُعْجِزه مجتمعه، عن تلبية حاجته إلى الطعام (بمعياريه الكمي والنوعي).

وبحسب تلك الدراسة، يَحْصَل الفقير (من هؤلاء) على غذاء شهري لا تتعدى قيمته 24 ديناراً؛ فكم عدد الفقراء الذين يَحْصَلون على غذاء شهري قيمته 25 (أو 26 أو 27 أو 28..) ديناراً؟!

إنَّني لم أرَ قضية يتجلَّى، في موقف الحكومات منها، الفقر الأخلاقي والإنساني كمثل قضية الفقر؛ هذا الفقر الذي استنفدوا جهداً فكرياً وبحثياً عظيماً من أجل تعريفه، واستحداث وتطوير معايير ومقاييس له، واكتشاف أنواعه وأنماطه، وضَمِّ ظاهرته، أو ظواهره، إلى "العِلْم"، منطقاً ومنهجاً؛ ولكن من غير أن يوفَّقوا؛ لأن ليس لهم مصلحة في أن يوفَّقوا، في مكافحته، وهزمه.

الفقر ليس قدرا، وليس بالظاهرة التي يمكن إلباسها لبوس الحتمية التاريخية، أو النظر إليها مع أسبابها على أنها فطرة الطبيعة التي فطرت الناس والمجتمعات الإنسانية عليها. إنه كبرى الجرائم المنظَّمة، ومَصْدر كل شر اجتماعي وأخلاقي وسياسي؛ وإنه الجريمة التي تعدل شرط بقاء لمرتكبيها، الذين منهم ( ومن أجلهم) يظهر المنادون بمكافحة الفقر، الذي كلما كافحوه، بأساليبهم وطرائقهم، استشرى واستفحل، وكأنهم، في سعيهم لمكافحته، يريدون قتل البعوض بعوضة بعوضة مع الإبقاء على المستنقع؛ فالفقر مع كل منتجاته الاجتماعية والسياسية والروحية هو خير مجال يَسْتَثْمِر فيه صُنَّاع الفقر المال والسلطان والنفوذ.

بالفقر، والإفقار، يخلقون بشرا على مثال مصالحهم الفئوية الضيقة، ويكافحون كل ميل اقتصادي موضوعي إلى خفض معدَّل الربح، ويشدِّدون الميل لدى كثير من الناس المهدَّدين بالموت جوعا إلى التخلق بأخلاق العبيد، ويجعلون البشر وقودا لحروبهم، التي يشحنونها بكل عصبية تعمي الأبصار والبصائر، وتُلوِّن الجريمة بلون الفضيلة، ويسلِّعون كل ما ينبغي لنا تنزيهه عن التسليع كالمبادئ والقيم الأخلاقية والإنسانية، فتزدهر تجارة الذمم والضمائر والعقائد والمواقف.. والمقالات.

حتى الدين يُتَّجر به حيث ينتشر الفقر، ويتركز الفقراء، فيؤوَّل ويُفسَّر بما يوافِق مصالح فئوية ضيقة؛ وحتى مشاعرنا الإنسانية نستثمرها في الفقر، فالجائع نبحث عنه لنطعمه يوما ولو جاع بعد ذلك دهرا؛ والفقير نتصدَّق عليه بما يكفي من المال لجعله فقيرا إلى الأبد، منجبا لنا مزيدا من الفقراء.

ويكفي أن نطعم ذاك، ونتصدق على هذا، حتى ننعم برضا النفس، وكأن البر والإحسان هما كل ما يمكننا، وينبغي لنا، عمله في سبيل مكافحة الفقر، الذي، في ثقافتنا، نفهمه على أنه ظاهرة طبيعية حتمية قدرية، لا محل لها بين الظواهر التاريخية، فالمجتمع الإنساني وُلِد مع أغنياء وفقراء، ولسوف يظل في حاله تلك إلى الأبد؛ وكل ما يمكنا عمله لا يتعدى الإحسان إلى الفقير، والتصدُّق عليه!

إنَّ سياسة "البر والإحسان والتصدُّق.." ليست بالدواء لداء الفقر، الذي يُفْقِر، حتما، طرفيه (الأثرياء والفقراء) إنسانياً وأخلاقياً وروحياً..، فأنتَ، بهذه السياسة، تُطْعِم جائعاً، أو جوعى، وتكسو عارياً، أو عراة؛ ولكنَّكَ لن تتمكَّن أبداً من القضاء على الفقر والفقراء، فكلَّما مضيتَ في هذه السياسة قُدُماً اتَّسَع الفقر، وزاد الفقراء، في حجميهم المُطْلَق والنسبي. ولو أنَّكَ نجحتَ، على استحالة ذلك، في القضاء (الاقتصادي) على الفقراء فقيراً فقيراً فإنَّكَ ستراهم يُبْعَثون بعد حين؛ لأنَّكَ لم تقضِ على الشروط الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية لإنتاجهم، وإعادة إنتاجهم.

إنَّها الأنانية بعينها أن تأخذ بهذه السياسة التي بأخْذِكَ بها تَشْعُر براحة ضميركَ الإنساني والديني، وكأنَّ "غَيْرِيَّتكَ" تلك، أي تَصَدُّقِكَ على فقير، هي "الأنانية" ذاتها وقد لبست لبوسها الأجمل، فالفقراء إنَّما هم ضحايا أولئك الذين بعضهم يَظْهَر على هيئة "مُحْسنين"، ولهم، كمثل كل ضحية، حقوق في أموال كل الأغنياء، أأحسنوا إليهم أم لم يُحْسِنوا.

وكَرَمُهُم ليس بكَرَم، فهو، في معانيه الحقيقية، أقرب إلى البخل منه إلى الكرم، فالمهم ليس مقدار المال الذي به يجودون، وإنَّما نسبته. وبحسب هذا المعيار النسبي، قد نرى كَرَماً عند فقير مُعْدَم يفوق أضعافا مضاعفة كَرَم ثريٍّ متطرِّف في ثرائه.

وفي حياة ملوك وأباطرة الاستثمار الاقتصادي، نرى أنَّ قسماً ليس بالضئيل من أرباحهم يبقى في أيديهم لينفقونه مع أُسَرِهم إنفاقاً استهلاكياً، فإذا فاض ظَهَرت في السوق أشياء كثيرة لبيعها لهم، توصُّلا إلى الاستحواذ على هذا "الفائض (المالي) عن الحاجة". إنَّ حاجات تافهة تُخْتَرَع لهم في استمرار من أجل امتصاص فوائضهم المالية في عالمٍ يَحْكُم غالبية البشر فيه "قانون الجوع (والموت جوعا)".

هؤلاء قد يحتاجون أيضا إلى "النَفْس المطمئنة الراضية المرضية"، فيجودون بـ "فتات موائدهم" على الفقراء (أي على ضحاياهم). وهكذا يتوصَّلون إلى الشعور براحة ضميرهم الإنساني والديني.

وهؤلاء يمكن أن تراهم على خُلُقٍ عظيم، فهم أثرياء حقَّاً؛ ولكنَّ ثراءهم مشروع، ولم يأتِ من طريق السرقة، أو غيرها من الطرق غير المشروعة؛ ولن يجدوا مشقَّة في أن يثبتوا لكل متشكِّك أنَّ ثرواتهم حلال ليس في حاضرها فحسب، وإنَّما في ماضيها وأصولها، فإذا هُم لم يحصلوا عليها بـ "العصامية"، أو بها فحسب، فإنَّهم قد حصلوا عليها من طريق "الميراث".

وليس من المنطق أو الحكمة في شيء أن تحاوِل إفهامهم أنَّ "الدجاجة" التي يملكون، والتي تبيض لهم ذهباً، ليست في حدِّ ذاتها "سرقة"، وإنَّما "وسيلة (شرعية)" لـ "السرقة"، التي لا يرون فيها من معاني السرقة شيئا، فَهُم يفهمون "العدالة" بما يَتَّفِق مع مصالحهم.

و"إنسانيتهم" التي ينفقونها في سخاء تراها في "الحيوان" أكثر كثيرا مِمَّا تراها في "الإنسان"، فرُبَّ كلب في المنزل عندهم يُنْفِقون عليه من المال أكثر كثيرا مِمَّا تَنْفِق عائلة، أو عائلات، فالرفق بالحيوان عندهم يزداد ويَعْظُم وقد يتَّسِع مستقبلا للجوعى والفقراء من البشر!

وإنَّها السذاجة بعينها أن نُصَدِّق أنَّ ثراءهم قد جاء من طريق العمل (والكد والتعب..) والذكاء، فلو كان "العمل" هو الطريق لَمَا رأيْنا الأثرياء مِمَّن لا يعملون، والفقراء مِمَّن يعملون. ولو كان الذكاء هو الطريق لَمَا رأيْنا الذكاء يتركَّز في الفقراء؛ وقليله، أو نقيضه، يتركَّز في الأثرياء.

قد تسأل عن سبب "الفقر"، فتَشْرَع تحاول "إجابة موضوعية". وقد تتوصَّل إليها. ولكنَّ مصير هذه الإجابة تَقرِّره "مصلحتكَ"، فإذا كانت تقضي بمحاربة الفقر، وتغيير الواقع الموضوعي المُنْتِج والمنمِّي له، فإنَّكَ تسعى، عندئذٍ، في نشر وإبراز تلك الإجابة. أمَّا إذا كانت تقضي ببقاء وإدامة الفقر فإنَّكَ، عندئذٍ، تتوفَّر على مسخ تلك الإجابة، وحجب الحقيقة التي تنطوي عليها عن أبصار وبصائر الفقراء، مُسْتَخْدِما في سعيكَ هذا كل ما تستصلحه من أفكار ومعتقدات منافية للعِلْم، ومجافية للحقيقة الموضوعية.

يا دائرة الإحصاءات العامة، أين هي الدراسة (الرقمية) الثانية، المكمِّلة، التي فيها قد نقف ولو على جزء من نصف الحقيقة الآخر؟!

أليس من حقِّنا، ومن حقِّ كل الساعين حقَّاً إلى محاربة الفقر، أن نعرف (وبالأرقام والنِّسَب) شيئاً عن ظاهرة "الثراء" في مجتمعنا؟!

أليس من حقِّ العِلْم الحقيقي علينا أنْ ندرس ونبحث بما يُظْهِر ويؤكِّد وجود "صلة سببية" بين "الفقر المدقع" و"الثراء الفاحش"؟!

أليس من حقِّ الفقراء عليكم أنْ يعرفوا، من خلال دراساتكم، "الحقيقة الاجتماعية ـ الطبقية" الكامنة في "الأرقام" و"النِّسَب" التي تعجُّ بها دراساتكم؟!

الفقير لن يَفْهَم فقره فهماً صحيحاً (ومفيداً) إلاَّ من خلال دراسات وأبحاث يُظْهِر من خلالها معدُّوها أنَّهم ملتزمون حقَّاً مبدأ "نسبية الحقيقة"، الكامن في مبدأ "بأضدادها تتعيَّن الأشياء"، فالفقير لن يَفْهَم (على خير وجه) معنى أنْ يأكل شهرياً بما قيمته 24 ديناراً فحسب إلاَّ إذا عرف (من خلال دائرة الإحصاءات العامة مثلاً) قيمة ما يأكله الثري (أو الثري ثراءً فاحشاً) شهرياً بالدينار؛ وإنِّي أقول "الثري" حتى لا أقول "كلب الثري".

لقد عرفنا عدد (ونسبة) الفقراء المتطرِّفين في فقرهم؛ ونريد أنْ نعرف عدد الأثرياء المتطرِّفين في ثرائهم.

عرفنا "المعنى النقدي (24 ديناراً شهرياً)" للفقير غذائياً؛ ونريد أن نعرف "المعنى النقدي" للثري غذائياً.

عرفنا أنَّ لدينا فقراً مدقعاً؛ ونحن نعرف أنَّ لدينا ثراءً فاحشاً؛ ولكننا نريد أن نعرف كيف يُنْتِج ويُوَلِّد كلاهما الآخر، فإنَّ هذا الثراء من ذاك الفقر، وإنَّ ذاك الفقر من هذا الثراء!

ما أسهل أن تقول، في "تفسيركَ" و"تعليلكَ"، للصاعقة إنَّها مظهر من مظاهر غضب السماء على الناس؛ ولكن ما أصعب أن تكتشف الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة الطبيعية.

كذلك، ما أسهل أن تُفسِّر الفقر على أنَّه ظاهرة قدرية، وما أصعب أن تكتشف (وتَكْشِف) الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة الاجتماعية (التاريخية). جواد البشيتي