"الفصحى والعامية" يتناول عددا من الرؤى الثقافية

مصطفى عطية جمعة يسعى إلى تجاوز المناقشة التقليدية والمتعلق بالألفاظ العامية وتراكيبها، وعلاقتها بالفصحى.


العامية لها جوانبها الثفافية ومرجعياتها الفكرية، مثل الثقافة الشعبية والجماهيرية


أنصار العامية ينادون أن تكون لغة الشارع المنطوقة والمفهومة هي المعتمدة في المجتمع، لأنها معبرة عن لسان حال المجتمع

صدر مؤخراً كتاب "الفصحى والعامية والإبداع الشعبي" للناقد د.مصطفى عطية جمعة أستاذ الأدب العربي والنقد عن دار شمس للنشر والمعلومات بالقاهرة، وأكد المؤلف أن المستهدف في هذا الكتاب تقديم عدد من الرؤى حول واقع الثقافة العربية، في قضية العامية والفصحى، ساعين إلى تجاوز المناقشة التقليدية في مستواها الأدنى، والمتعلق بالألفاظ العامية وتراكيبها، وعلاقتها بالفصحى، أي الانتقال من دائرة اللغة إلى دائرة الأفكار والخلفيات، بمعنى أن العامية ليست قضية لفظية لغوية فقط، وإنما لها جوانبها الثفافية ومرجعياتها الفكرية، مثل الثقافة الشعبية والجماهيرية، ومدى قبول الإبداعات الشعبية واقعا وتاريخا في مجال الثقافة العربية الرسمية، وأيضا كيفية توظيف العامية في الإبداع، وحدود العلاقة بينها وبين الفصحى؛ على صعيد الشعر الشعبي والأغنية الشعبية، والنصوص التمثيلية والسردية. 
وأوضح أن محور الرؤية التي يحملها الكتاب هي الوشائج بين العامية والفصحى، بالنظر إلى العامية على أنها إحدى فروع الفصحى، وما ينتج عن هذا من إشكالات، تتمثل في إشكالية الحوارية في القصص والمسرحيات، والتي يتناولها الباب الأول، وهي من الإشكاليات الكبرى، التي كانت – ولا تزال - مثار جدل على مستوى الكتابات الإبداعية في السرد والدراما، وقد آثرنا أن يكون النقاش منطلقا من الصراع بين العامية والفصحى، وقد تحول إلى صراع صفري بين دعاتها، بمعنى أن كل طرف يريد إلغاء الآخر، فأنصار العامية ينادون أن تكون لغة الشارع المنطوقة والمفهومة هي المعتمدة في المجتمع، لأنها معبرة عن لسان حال المجتمع، ورؤاه، ومشاعره، ويجب أن يكون الإبداع بمفرداتها، أما أنصار الفصحى فيرون أن الفصحى هي الأساس، وما العامية إلا انحراف يجب تصحيحه، من خلال نشر الفصحى إبداعا وكتابة وحديثا وسلوكا، وهذا لا يمنع من وجود اتجاهات توفيقية بين التيارين، بجانب اتجاهات تقتصر على النظرة الأحادية لتيار واحد، ولا تبدي اهتماما للتيار الآخر. 
وأكد بالطبع لمن نقف مع أي تيار منهما، فقد آثرنا أن نتعامل بشكل عملي واقعي، بمعنى أن الفصحى هي لغة التراث والثقافة والهوية والإبداع، ولكن لا بد من الانفتاح على العامية بوصفها لغة الحياة اليومية، بالرؤية الإيجابية لما حملته، وصاغته ألسنة المبدعين في الغناء والشعر الشعبي والسير الشعبية، وكلها تصب في صالح حيوية اللغة، ورأينا أنه لا بأس من وجود عاميات في القصص والمسرحيات، على مستوى الحوار المنطوق، لأنه الأقرب تعبيرا عن هوية الشخصيات، مع أهمية تفصيح الحوار بقدر ما نستطيع، أملا لإفساح المجال لفهم النص الإبداعي من قبل الشريحة الأكبر من قارئي العربية. 
إننا لو كتبنا الحوار وفقا لما هو مسجل على الألسنة، فإن أهل المغرب لن يفهموا ما يقال على ألسنة اللغة المحكية في شرق الفرات؛ في الشام والعراق، وما يبدعه أهل البوادي من أشعار نبطية في الجزيرة العربية واليمن وعمان، لن يُفهم في كثير من العواصم والمدن الشمالية العربية مثل القاهرة وتونس وبيروت وبغداد. فجاء الحل المقترح بتفصيح العامية أي تقريبها إلى الفصحى، فإن تعذر الأمر، فلا بأس من كتابة التركيب أو المفردة بالعامية، مع شرح لها في الهامش. علما بأن النصوص الإبداعية العربية في الشعر والقص والمسرح، التي كُتِب لها الانتشار كانت فصيحة غالبا، حتى الأغاني التي صدح بها الفنانون العرب، تعمدوا أن تكون قريبة من الأفهام، دون الإغراق في العامية المحلية. 
وخلاصة الرأي أنه لا ضير من العامية في الإبداع بكافة أشكاله، المكتوب والمرئي والمسموع، على أن نرتقي بالقاموس ونقربه من الفصحى، وأن يضع المبدع العربي بعد الهوية العروبية في حسبانه، وهو يصوغ إبداعاته، فلا ينظر إلى المتلقي المحلي فقط. 
وقد كانت تلك القضية هي التي تناولناها أيضا في الباب الثاني، وعنوانه: قضايا اللغة في الأدب الشعبي في ضوء الشفاهية والكتابية، حيث كان تناولنا الأمر من زاوية علاقة الشفاهية والكتابية بالإبداع الشعبي، وأهمية حفظ تراث العربية في العامية، لأنه جزء من ذاكرة الأمة، فالحق أن الإبداعات الشعبية كانت خير سفير وعنوانا للنفسية العربية في عصورها المختلفة، وهو ما أشار إليه ابن خلدون، منبها على أن هناك أشعارا للبدو، بلهجاتهم العامية، تعبر عما يجيش في صدورهم من أحاسيس، وفيها وجوه فريدة من الإبداع المتوهج. مما يستلزم دراستها، ومعرفة كيف أبدعوا قديما، وفيما فكروا وشعروا، والأمر نفسه ينطبق على المناطق الحضرية في القرى والمدن، التي فيها من الإبداعات الكثير، تناقلتها الألسنة، وتأخّر تدوينها. 

المؤلف يتناول جماليات الإبداع الشعبي، من خلال دراسة تطبيقية البحر في الشعر الشعبي الخليجي حول أثر البحر في الإبداع الشعبي الخليجي، وكيف أن البحر بوصفه عنصرا مكانيا مؤثرا ، ومصدرا للرزق، صاغ علاقة البشر بالمكان والزمان

وقد ناقش الباب الثاني مهارات التدوين للشفاهيات العربية، وأهمية ذلك، على اقتناع منا بأنه إذا كان هناك تاريخ مكتوب، فإن هناك تاريخا شفاهيا موازيا له، يجب الالتفات إليه، وتسجيله، ودراسته، ليكون رافدا من روافد مسيرة الأمة العقلية والإبداعية والوجدانية والفكرية، فالهدف المأمول أن نفهم تاريخنا الثقافي والإبداعي فهما جيدا، وندرك تفاعلات البيئة العربية ثقافيا وفكريا وإبداعيا مع هويتها الجمعية. 
وننتقل في الباب الثالث إلى قضية الهوية لنناقش - في الفصل الأول منه - أبعادها ومحدداتها، وعلاقتها بالأقليات اللغوية والعرقية وانعكاس ذلك على الفولكلور الشعبي، فالوعي بالهوية من الخلفيات المؤسِّسة لأي باحث في التراث الشعبي العربي، فلن نفهم الفولكلور إلا في ضوء البحث في الهوية المجتمعية المحلية، والهوية العربية المشتركة، بجذورها الإسلامية، وما أضيف عليها في الثقافات المحلية، وأيضا ما استفادته من خصوصية المكان في كل بيئة عربية. أي نطمح أن تكون دراسات الفولكلور ودارسيه أيضا غير منغمسين في البعد المحلي، وإنما عليهم أن يفسحوا النظرة والتوجه في عناصر الهوية، التي صاغت ما هو محلي، وعبرت عنه إبداعيا.
وناقش المؤلف أيضا في الفصل الثاني (من الباب الثالث) إشكالية تتفرع عن موضوع الكتاب، ألا وهي الثقافة الرسمية والثقافة الشعبية، فالأولى تعتمد الفصحى لسانا لها، والثانية تتخذ من العامية – وأحيانا الفصحى - سبيلا للتعبير عنها، بأشكال مختلفة، وتطرق في نقاشه إلى ما يسمى بثقافة النخبة وثقافة الجماهير. ونهدف من طرح هذه الإشكالية إلى تأكيد رفضنا لأية ثنائية ثقافية أو بالأدق ازدواجية نعيشها في حياتنا الفكرية والأدبية بشكل عام، فلا يمكن قبول ثقافة نخبوية/ رسمية، تمثل استعلاء على ثقافة الشعب الجماهيرية، لأن العبرة في الثقافة هي تعبيرها عن منتجيها، أيا كانت وسيلة الإبداع، شفاهة أو كتابة أو تمثيلا أو غناءً. 
وجاء الفصل الثالث (من الباب الثالث) قراءة في كتاب: من لغة جنوب الصعيد: قرية كوم بلال نموذجا، كنموذج تطبيقي لما طرح من قبل، لأننا لن نفهم الثقافات المحلية إلا بجمع الإبداعات الشعبية المختلفة وتدوينها وفهرستها، ومن ثم دراستها وتحليلها، وكلها مصاغة بالعاميات المختلفة. 
إذن، فقد حضرت العامية بوصفها معبرة عن الثقافة، لأنها اللسان المنطوق على الألسنة في الأغاني والأمثال الشعبية، مثلما هي مدونة على الجدران في رسومات وأشكال فنية، وكل هذا يجعلنا نفهم حركة التاريخ الثقافي في القرى والبوادي العربية، لندرك أن إبداعات العامية لا تقتصر على المنطوق على الألسنة يوميا، ولا في الأشعار، وإنما تبدو أيضا في سائر الممارسات الدينية، وشعائر الجنازات، والمعتقدات الشعبية، فضلا عن الحكم والأمثال، ورسوم الجدران، مما يعني أهمية دراسة كافة أشكال الإبداعات الشعبية، والمعتقدات، والعادات والتقاليد كي نفهم القاموس العامي، ونعرف صلته بالفصحى. 
وناقشنا في الفصل الرابع (من الباب الثالث) "السياسة اللغوية: ودورها في تشكيل الهوية الجمعية ومواجهة تحدياتها المستجدة. وربما يرى القارئ أنها بعيدة بعض الشيء عن مضمون الكتاب، ولكن نراها قريبة ومتطلبة بشكل أساسي، لأن السياسة اللغوية في العالم العربي تعاني من الازدواجية، وتغليب التنظير على التطبيق، وسيادة اللاقانون واللالتزام، فما يُكتَب في الأوراق واللوائح والقوانين لا يطبق على الأرض، وصرنا نشاهد تغريبا لغويا يملأ الساحة التعليمية والثقافية، في المدارس والجامعات العربية، ناهيك عن الفوضى اللغوية في الإعلام العربي بقنواته الفضائية، ووسائطه المسموعة والمرئية والمكتوبة، في تعبير صارخ عن أزمة في الهوية، تطرح أسئلة ومشاكل، لا تجد حلولا، ولا حسما، وإنما جدالا لا ينتهي. 
أما الباب الرابع، فتناول جماليات الإبداع الشعبي، من خلال دراسة تطبيقية البحر في الشعر الشعبي الخليجي (رؤية مكانية سوسيولوجية)، حول أثر البحر في الإبداع الشعبي الخليجي، وكيف أن البحر بوصفه عنصرا مكانيا مؤثرا ، ومصدرا للرزق، صاغ علاقة البشر بالمكان والزمان، وهذا ما فاضت به الأغاني الخليجية والشعر الشعبي في الأقطار المطلة على الخليج.