الفرصة الاخيرة لجورج بوش

بقلم: شلومو بن عامي
ترجمة: كاظم محمد

يشكل تقرير لجنة بيكر انتقادا حادا لمجمل السياسة الخارجية لادارة الرئيس بوش، رغم كونه جاء للبحث عن مخرج لهذه الادارة من الرمال المتحركة العراقية، فان التقرير يعترض ويتحدى المبادئ الاساسية لحكومة تقاد من العقائديين ومن رئيس سياسته التبشيرية المعلنة، باستبدال حل النزاعات سلميا عبر شن الحروب المقدسة وبوحشية متسلطة.
ان الحرب التي لا يمكن انهائها، اسوا بكثير من الحرب الخاسرة، لذلك فان التقرير اكبر من كونه خطةٍ لانقاذ العراق، انه خارطة طريق للولايات المتحدة، بكيفية خروجها من هذا المأزق، لحربٍ لا يمكن الانتصار فيها.
مهما حاولت لجنة بيكر تجنب النصيحة المباشرة، بخروج سريع ووضع جدول زمني للانسحاب، فان نتائج التقرير، ليس فقط واضحة في رفضها بما يستحوذ على بوش من فكرة التمسك والبقاء، بل ايضا في المناشدة لهروب سريع.
الحقيقة لا توجد الامكانيات الواقعية للجيش العراقي وقوات الشرطة للقيام بالمهام الحربية، وبسط سيطرتها والمحافظة على الامن في المستقبل المنظور. كل الجهاز الامني فاسد ومخترق من قبل المتمردين، وكذلك ليس من الواضح ما اذا كان العراقيين لازالوا يعتقدون بان وحدتهم تستحق النضال من اجلها. عمليا يطالب التقرير بسحب كل الدعم للحكومة العراقية، اذا لم تنجح في تحمل مسؤولياتها.
ان مشاكل الشرق الاوسط لا يمكن حلها عسكريا، او من خلال الحلول المنفردة من طرف واحد، والتقرير اصاب، عندما تحدى مفاهيم بوش، بان ايران وسوريا لا تستطيع المساعدة في خلق حالة من الاستقرار في المنطقة، والجميع يعلم ان لايران نفوذ قوي في العراق، وسوريا اصبحت نقطة الانطلاق لتسريب المقاتلين والسلاح الى الساحة العراقية، لذلك وبكل بساطة، لا توجد طريقة لخلق الاستقرار في العراق، بدون ان تتجاوز الولايات المتحدة رفضها بان تنخرط في تفاهم مع بؤر التوتر في المنطقة.
ان التقرير يشكل ايضا نفيا لفلسفة بوش حول "محور الشر"، وبنفس الوقت يرفض ان تنسب ايران الى الانظمة ذات الايديولوجيات الخالصة والثابتة، والتي ربما لم تعد موجودة. ان ايران قد ابدت قدرتها على التعامل البرغماتي في اكثر من مناسبة، ليس اخرها، علاقاتها مع اسرائيل والولايات المتحدة خلال حربها مع العراق 1980، وبمساعدة اميركا في حربها ضد طالبان في افغانستان.
ليس الوضع العراقي فقط، الذي يتطلب الدعم الاقليمي لخلق حالة من الاستقرار، ان كل مشاكل الشرق الاوسط - العراق والنزاع العربي الاسرائيلي والحاجة الى الاصلاحات السياسية والارهاب الاسلامي – كلها عناصر متشابكة، والعلاقة بين هذه القضايا مرتبط بين المحيط الاقليمي والتوترات الداخلية حول النزاع العربي الاسرائيلي، والذي اصبح اكثر وضوحا خاصة خلال فترة ادارة بوش الاب، والذي دعا في اكتوبر 1991 بعد حرب الخليج الاولى، الى مؤتمر دولي، لغرض اقامة السلام بين العرب والاسرائيليين.
لكن، وكما يبدو لا الحكومة الاسرائيلية ولا حلفاءها المقربين في البيت الابيض سيتحمسون ويصفقون لمطالب لجنة بيكر، بإعادة انعقاد مثل هذا المؤتمر الدولي، لان ذلك يتعارض بالكامل مع سياسة الادارة الاميركية، وان المقترحات الواردة في التقرير حول الدعوة لمؤتمر دولي، هي ليست فقط تذكير مناسب بالنزاع العربي الاسرائيلي وقضايا المنطقة الاخرى، لكنه ايضا يعيد للأذهان ولو بشكل متأخر، حول ان المفاوضات الثنائية بين اطراف النزاع، لا تؤدي الى اتفاق، وان هذه النظرة في التقرير قد مهدت الطريق لاحياء طرح مبادرة السلام العربية 2002 والتي تضمنت حلا شاملا للنزاع العربي الاسرائيلي.
رغم توازن تقرير لجنة بيكر، فلا يجب توقع دعم الرئيس الاميركي لكل المقترحات الواردة فيه، والذي يعني اعترافه بافلاس سياسته الخارجية. ان الرئيس الاميركي قد عبر عن عدم رغبته في المفاوضات غير المشروطة مع ايران وسورية، وهو لا يبدو متحمسا ولا يريد الدخول في نزاع مع اسرائيل، من خلال اجبار الحكومة الاسرائيلية بالجلوس الى مائدة المفاوضات، كما فعل والده مع اسحاق شامير في 1991. بنفس الوقت فان بوش يجد صعوبة بتغيير سياسته تجاه ايران، التي تعيق طموحاته في تغيير الشرق الاوسط، وهي نفسها اي ايران، تسعى لحشر الولايات المتحدة، حتى تمنع التهديد المحتمل ضدها، لذلك فالتقرير يحث بوش الى المفاوضات الغير مشروطة والذي ستؤدي الى نتائج تنهي بؤر التوتر.
ان الخيار غير المحبذ بالنسبة الى بوش، في ان يقود اميركا الى التعايش السلمي مع من يعتبرهم "الثيوقراط" الاسلامي، رغم انه لا يمتلك العديد من الخيارات، اذا اراد ان ينقذ رئاسته من الفشل التاريخي الكامل.
ان مواقف بوش السياسية والدبلوماسية كانت انتحارية منذ البداية، لذلك فاذا لم يغير اتجاه في العراق والمجالات السياسية الاخرى، فمن المحتمل سيصبح الرئيس الاميركي الذي ينهي على يديه العقود الطويلة من النفوذ الاميركي في منطقة الشرق الاوسط، وسيدفع الحلفاء المقربين للولايات المتحدة الثمن.

شلومو بن عامي
وزير خارجية اسرائيل الاسبق 2000-2001 في حكومة باراك، ولعب دورا محوريا في المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية في كامب ديفيد برعاية الرئيس الاميركي بيل كلينتون
ترجمة: كاظم محمد
ونشر المقال في جريدة داكنس ني هيتر السويدية بتاريخ 28-12- 2006