الفاتيكان: أنا أحاور إذن أنا موجود

الحوار في مواجهة الكراهية

ركز الإرشاد الرسولي الصادر عن الفاتيكان 2012 "الكنيسة في الشرق الأوسط" على الحوار بين الأديان (رقم 19، 20، 23، 22) وعلى تلاقي الحضارات وغنى التلاقي مع الإسلام (الفقرة 23) خصوصًا بالصلاة والزكاة والصيام، يكرمون يسوع كنبي من دون أن يعترفوا مع ذلك بألوهيته، ويجلّون مريم العذراء... ولكن للأسف، الاختلافات العقائديّة سمحت لبعض المسلمين أن يبرروا باسم الدين ممارسات تعصّب وتمييز وتهميش، وحتى الاضطهاد، حتى صح قول ماركس "إن الدين هو أفيون الشعوب". (نداء إلى جميع المسلمين، الفاتيكان 1989).

يدعو الفاتيكان في الفقرة 25 (رجاء جديد للبنان – الفاتيكان 1997) للمشاركة في الحياة العامة، وللتمتع بمواطنة كاملة، وألا يُعامل المسيحيون كمواطنين أو مؤمنين من درجة ثانية. من هنا التركيز على الحرية الدينية (الفقرة 26) وعلى التسامح الديني (الفقرة 27) وعلى أهميّة كرامة الشخص البشري وحقوقه الأساسيّة التي هي حقوق كلّ شخص بشريّ وكل مواطن، مهما كان أصله أو قناعاته الدينية وخياراته السياسيّة (الفقرة 25). من هنا الحق بالاختلاف والحرية والديمقراطيّة والتعدد في شراكة العيش الكريم بالرجاء.

هذه المسكونيّة هي الشراكة الحقة بالمحبة والاحترام وحق الآخر بالاختلاف. وهذا ما يرفضه التكفيريون اليوم والسلفيون، مدمرين حرية الإنسان عائشين في مدينة "الطاعون" التي كتب عنها كامو، والتي يضربها برص الكراهية والحقد من دون رحمة أو شفقة، مبتعدين عن الإيمان بإله واحد خالق يحب الإنسان، وعن احترام القرآن لمريم، وقد كرس لها سورتين في القرآن الكريم وذكرها وحدها 37 مرة. من دون "نسبويّة" تقول بالمماثلة بين الأديان (فقرة 27) ومن دون إعادة النظر في العلاقة الأنثروبولوجيّة مع الدين ومع الله، لأنه على الرغم من تضارب الآراء في الشؤون البشرية والدينية، فثمة شعاع من الحقيقة ينير كل إنسان (الفقرة 27).

الحقيقة ليست صنمًا

الحقيقة ليست صنمًا (الفقرة 27) لأنها لا تنمو إلا في الغيريّة التي تفتح على الله وعلى الآخرين "ليست الحقيقة ملكًا لأحد"... ولا يمكن عيشها إلا في الحرية، لذلك لا يمكننا فرض الحقيقة على الآخر، فقط في لقاء المحبة تعتلن الحقيقة" (الفقرة 27). "إن انعدام الثقة والأذية، ليس قدرًا محتومًا. باستطاعة الأديان أن تلتقي معًا لخدمة الخير العام وللمساهمة في تكامل كل شخص وفي بناء المجتمع" (الفقرة 28). (المحبة في الحقيقية، الفاتيكان 2009).

من هنا على الجميع التصدي للجهل، وتنمية المعرفة، وحوار الحياة اليوميّة، تسهم في حب الآخر واحترامه، فلا الغرق في العلمانية المتطرفة ولا الأصوليّة العنيفة، تعطي الشرق الأوسط السلام والأمان، من هنا أهمية قبول وحدة في تمايزٍ يحدد العلاقة بين الروحي (الديني) والزمني (السياسي) لأن كليهما مدعوان أن يتعاونا في سبيل الخير العام (الفقرة 29 الإيمان والعقل، الفاتيكان 1998).

نجاح التكفير والاقصاء لعدم معرفة الآخر

ربما كان أهم حدث في العالم المسيحي المشرقي "الإرشاد الرسولي، رجاء جديد للبنان" 1997، الذي دعا إلى الانخراط في العالم العربي الفقرات (90- 91- 92- 93) وإلى الحوار الإسلامي المسيحي، والعيش المشترك، والتضامن مع العالم العريي. لذلك يمكننا القول: إن الفهم الناقص للدين هو من العوامل المؤثرة في نشأة التطرف الديني؛ لأن المقدس هو أساس عند كل الشعوب، لكن اختباره والتعبير عنه يختلف باختلاف الشعوب وارتباطها بالجغرافيا. لأن استخدام كلمات الوحي والكتب المقدسة أو اسم الله لتبرير مصالحنا وسياساتنا أو لتبرير لجوئنا إلى العنف هو جريمة بالغة الحساسية (الفقرة 30) ("العنف المقدس"، رينيه جرار ترجمة جهاد هواس- عبدالهادي عباس، دمشق 1992). (الحوار الإسلامي -المسيحي 90-91، العيش المشترك 92، التضامن مع العالم العربي 93). (الحرية الدينية طريق نحو السلام، الفاتيكان 2010)

اليأس والرحيل

الخطر الكبير نجده في الفقرة 35 (الكنيسة في الشرق الأوسط، الفاتيكان 2012) وهو أنه بداعي اليأس يقرر أبناء الشرق الأوسط الأصليون، اتخاذ الخيار المأساوي بترك أرض أجدادهم وعائلاتهم وجماعتهم، من هنا تدعو (الفقرة 36) إلى قرار العيش معًا باتحاد واحترام في شركة أخوية بالحب والتقدير".

الحب والمساواة

يبنون الوطن والعائلة (الفقرة 58) بالحب في "كنيسة بيتية" تربي على الإيمان والصلاة والقيم الأخلاقية. في مساواة كيانية (فقرة 60) بين الرجل والمرأة، وتشجيع تعزيز الكرامة الشخصية للمرأة ومساواتها بالرجل (كرامة المرأة الفاتيكان 1988، "إلى النساء" الفاتيكان 1995) ينبغي الإصغاء (فقرة 60) لصوت المرأة وأخذه بالاعتبار والاحترام، على قدم المساواة بصوت الرجل، والاهتمام بالشباب الذين يبحثون عن معنى إنساني مسيحي دائم لحياتهم، في تقاسم حياتي للاعتقاد بالله خالق السماء والأرض، وبمثل عليا إنسانية وروحية وبناء مستقبل بلدانكم على الكرامة الإنسانيّة، مصدر وأساس الحرية والمساواة والسلام في العدالة... بحماسكم وإبداعكم المحبة وشهادة السلام (فقرة 89). فمن خلال شهادة المحبة تقدم الكنيسة مساهمتها في حياة المجتمع وترغب في المساهمة في بناء السلام الذي تحتاجه المنطقة.

حق الآخر بالاختلاف

في هذا الوقت الذي نشهد فيه تفلّت الأهواء الغريزية في العنف التكفيري والإرهابي، فإن مستقبل البشرية في الخروج من "الذئبية" إلى قبول الآخر المفترق ثقافة ودينيًا وتراثًا وحضارة وسلوكًا، لقهر عاصفة الحقد والإلغاء. قبول حق الآخر بالاختلاف يعلمنا الاحترام والمحبة والاغتناء من فرادة الآخر في شراكة الحياة والمصير وسلام الأيام الآتية، لنخرج من بابل أيامنا ونقبل التحدي الكبير بفتح باب النقد التاريخي الشافي من جرح التطرف، والمؤسس لثقافة الحوار وليس لثقافة الموت، والخروج من الصنميّة الروحية، والمتحف الرجعي السلفي الديني إلى آفاق العقل والحرية والمساواة والعدالة والأخوّة والسلام. "أنا أحاور إذن أنا موجود".