الغول والعنقاء والخل الوفي بين ظهرانينا

لما كنا أطفالاً كان أهلونا، لكي يرتاحوا من صخبنا في آخر النهار، يلجأون، كي نخلد إلى النوم، إلى تخويفنا من الغول، وما كنا ندري ما الغول!

شببنا عن الطوق، وبقي الغول غامضاً، وما كان للتمسك بالأساطير، واختلاطها المتمازج بسيَر التاريخ، أن يسمح بمحو فكرة الغول من الأذهان. إنما كان لاتساع مساحة الإنارة التي أتاحها انتشار الكهرباء، إن يُزيح الفكرة جانباً عن مسامع الأجيال اللاحقة، إلى حد ما، غير أنني أزعم أن الإلغاء ما حصل ولم يحصل أبداً. بل لعله قد حلّ إلى جواره نماذج متقزّمة.

دليلي على ذلك، عودة الغول - الكامن في أعماق وعينا - إلى ممارسة الفعل المحكي عنه في المدونات المعتمدة، والمرويّ في المتون، بحرفيته، بالجملة وكذلك التنوع على امتدادنا الجغرافي، ومن لم يدر بشيء من ذلك ليس بمعذور، وكونه لا يدري، لا يعفيه من مسؤولية أن الغول كان وما زال بين ظهرانينا، وليس كامناً فقط في وجدان ثقافتنا المجتمعية وتكوينها.

من جانب موازٍ، أتراه، سبق أن أبدينا استنكارنا على رؤوس الأشهاد، وأقصد كلاماً مباشراً صريحاً في جلسات اجتماعية - مفتوحة ومغلقة - لا كلمات منمقة في صحيفة أعدادها الصادرة أقل من عدد القادرين على القراءة في شارع في مدينة، أو على الأقل أعلنّا اشمئزازنا من قيام والد بذبح ابنته أو أخ بطعن أخته حتى تلفظ آخر أنفاسها، متذرعاً بالحجة المعروفة المكررة ببغاوياً، التي ليس لها أي معنى محدد، لا لغوياً ولا اجتماعياً.

فهل ترى غيلاننا، التي ظننا أننا بتحاشي ذكرها، وإغفال مفاعيل محفزاتها التي ليست خافية، بل كانت على الدوام ظاهرة للعين وملء السمع، تفعل غير ذلك؟ مع تبدل طفيف في الذريعة!

أما العنقاء، فهي سوريّانا، التي ما تفتأ تحترق لتنطلق من رمادها، منذ ربيع العام 1949 (تسعة وأربعون) عندما سكت المدركون لأهوال الفعل، والقادرون على إسماع القول، عما فعلته القوة الغاشمة، من قطع وكَسْر، طريق التمرس بإدارة المجتمع عن طريق مؤسسات المجتمع المدني، لا الإرادات والأوامر الإدارية والبلاغات.

تلا ذلك الممارسات الفاشلة – نظرياً وعملياً – لمعتنقي الإيديولوجيات الأربع، (وأنا كنت واحداً منهم، بل وبالغ الحماسة) بسعي كل منهم إلى توكيد صحة معرفتهم عقيدتهم، التي لا يمكن أن يقاربها الباطل، وبتعبير آخر فرقتهم الناجية، بالاعتماد على قوى متخفية مُفحِمَة في البدء، مُرغِمة فيما تلا، فكان أن احترقت سوريا أكثر من مرّة، على أنها ما تفتأ تنهض من ركام رمادها.

سوريا التي تضم ما لا يضمه بلد آخر، فجماعاتنا المسيحية لها تسع كنائس تتبع الطقس الغربي، منها ست كاثوليكية، وأربع كنائس طقسها شرقي، مازالت، عند معظمها، مواعيد الصوم وعيد الفصح قمرية - ربيعية. كما تضم منا جماعتين من مذهبين، مسيحي: الموارنة، وإسلامي: الموحدون الدروز- كان نشوؤهما سورياً بحتاً، وما زالا سوريّي الكينونة، وهما مكتفيان بذاتهما لا يعتمدان التبشير بين غيرهما من المؤمنين، كما يفعل غيرهما في بلدان أخرى. ولنا أيضاً جماعتان معترف بهما شعبياً - اليزيدية والمرشدية - ما زالا بانتظار اعتمادهما من مؤسسات الدولة.

أما الخل الوفي، فذلك الذي لا نراه، لأننا نريده على مقاس تصوراتنا، من ممارسة طقوس التدين وفق طريقتنا الصحيحة، والموافقة المطلقة على أفكارنا التي نعتقد أنها الصائبة، وتقريظ أفعالنا التي نظن أنها الباهرة. والمبالغة في مديح تقاليدنا العتيقة والمبتدعة.

الخل الوفي الذي يقدّم من نفسه، ونفسَه، لخدمة أهداف سامية من مثل: "خلق الناس أحراراً متساوون"، والذي يهرع من دون طلب إلى تقديم المساعدة إلى المنكوبين، ويسارع إلى إسعاف المصابين، الموجود واقعياً في كل زقاق وحارة وحي، وقرية وبلدة ومدينة.

أترى مفاهيمنا الاجتماعية ومقولاتنا الشعبية، وطرائق تفكيرنا التكرارية، بل المتوقفة عن التغيّر منذ قرون، بحاجة إلى إعادة نظر، فهل نقدر على ذلك، وقبلاً هل ترانا نجرؤ على التفكير فيه؟

لمّا كان الغول والعنقاء والخل الوفي موجودون بين ظهرانينا فلماذا نعدّهم من المستحيلات؟

أهُم فعلاً مستحيلات أم تراهم إحالاتٌ معاصرةٍ أخطأت وجهتها.