الغنوشي ينجو من سحب الثقة

العرب حديثو العهد بالديمقراطية، لكن الإسلاميين يعرفون كيف يمكن تطويعها لصالح مشروعهم.


تجربة تونس ليست بمعزل عن تاريخ حافل باستغلال الإسلاميين للديمقراطية للبقاء في السلطة


التثقيف وتوعية الشعوب الوسيلة الوحيدة لانهاء النفوذ الاسلامي

إن نجاة الغنوشي من سحب الثقة في التصويت الذي جرى في البرلمان التونسي أمس لا يمكن التشكيك في صحتها، فقد جرى التصويت بنزاهة وعلى الخاسر أن يقبل النتيجة، وعلى الرغم من التحذيرات بأن انحياز الغنوشي الى تركيا قد يجر تونس الى تحزبات وأحلاف متصارعة ليس لها فيها مصلحة، أثبت الغنوشي أن تصرفه لم يكن فرديا وأن التيار الاسلامي في تونس قوي كما هو قوي في عدة دول عربية، وهذا الفوز مؤشر على أن تونس قد تفقد صبغتها المدنية في الانتخابات القادمة الى صبغة دينية، وهو أمر ليس مستبعد الحدوث طالما أن هناك ديمقراطية وصناديق اقتراع، فلا أحد ينكر أن الشعوب العربية لديها ميل فطري الى اختيار التدين، وسبب هذه النزعة هو أن العصر الاسلامي كان هو الحقبة الوحيدة من القوة والازدهار في حين فشلت جميع محاولات الوحدة بين الدول العربية التي باتت بائسة من كثرة الهزائم والفقر والتراجع.

ما لا يدركه الاسلاميون هو أن القيادة حين تصبح في يد الاسلاميين فإنهم يفقدون الديمقراطية وذلك لأنه سيجري تطبيق الشريعة الاسلامية مما يعني احتكار السلطة وعدم تداولها، فالقادة الاسلاميون يغيرون الدساتير فور اعتلائهم الحكم وهذا يبدد ما أنجزوه ويؤدي الى فقدان الديمقراطية التي جلبتهم الى الحكم. ويرفعون شعارا الآية "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" (النساء 59) وعليه، فإن عامة الشعب لا تستشار بل يجب الرجوع الى رأي الشريعة في كل شيء، وقد حدث هذا فعلا على يد أردوغان والدكتور محمد مرسي اللذين أجريا تعديلات في الدستور تمنحهما مزيدا من الصلاحيات، وهذا موقف ساخر، فقد عملت الديمقراطية على جلبهم الى السلطة ومن ثم تخلصوا منها.

وإذا استمر السير في هذا الطريق في الدول العربية التي تجري انتخابات، فإن مزيدا من الدول العربية سوف تتحالف مع تركيا وايران، وهذا يعني جلب الفوضى والتناحر الى الدول العربية والقضاء على حلم الوحدة العربية أو تكاملها. هذا بالإضافة الى تقسيم المسلمين الى سنة وشيعة وإفساد ما عمل عليه الكثير من المفكرين لنشر الثقافة الديمقراطية بصرف النظر عن الطائفة والمذهب، وربما تندلع حروب طائفية في الدول التي يتواجد فيها الشيعة وبذلك تفرض ايران وتركيا ارادتهما على الجميع.

لا يوجد خيار سوى الديمقراطية، ولكن على الشعوب أن تختار بحس قوي من المسؤولية والتبصر في عواقب الاختيار، وهذا يستوجب العمل على التوعية والتثقيف المستمر والتأكيد على مسؤولية الناخب الذي يختار الاسلاميين بعفوية ورغبة منه في التدين، مغفلا ما يفعله الاسلاميون بعد أن يفوزوا في الانتخابات واستئثارهم بالسلطة وتفريق المسلمين وجلب الطامعين بهم الى الداخل العربي. كما أن في التاريخ عبرة حين قضت الخلافة العباسية على الخلافة الأموية واستأثرت بالسلطة، وهناك الكثير من الجوانب التي يجب أن يكون الناخب على وعي بها قبل أن يدلي بصوته.

على أية حال، فالعرب حديثو العهد بالانتخابات ولا بد للديمقراطية أن تصلح مسارها تلقائيا، لما يرافق العملية الانتخابية من حملات توعوية وتثقيفية ترفع من مستوى الوعي العام والشعور بالمسؤولية.