الغنوشي يريد خراج حكومة الشاهد أينما 'أمطرت'

نهم للسلطة لا حدّ له

بعد إعلان أحزاب المعارضة التونسية انسحابها من المشاورات بشان حكومة الوحدة الوطنية ومع الصمت المريب للإتحاد العام التونسي للشغل حيال تكليف يوسف الشاهد برئاستها، تكون المبادة التي أطلقها الرئيس قائدالسبسي قد تم تجويفها تماما، بينما رأى أخصائيون في العلوم السياسية أن المستفيد الأول من التجويف هي حركة النهضة بصفة عامة وراشد الغنوشي بصفة خاصة ليستعيد نفوذه داخل الحركة، ويدعم تموقعه داخل مؤسسات الحكم.

وخلال أكثر من شهرين من إطلاق المبادرة، قاد الغنوشي جهودا سياسية سواء داخل التنظيم الذي أسسه العام 1981 أو داخل الأوساط السياسية والمدنية لتوفير الإسناد السياسي لحكومة الوحدة على الرغم من الجدل الذي أثاره استئثار قائدالسبسي بقرارها دون مشاورة أي جهة.

وفيما أبدت المعارضة تحفظاتها على استئثار قائدالسبسي بقرار إطلاق مبادرته وطالبت باحترام أبجديات الأخلاق السياسية من خلال إجراء مشاورات معها قبل اتخاد أي قرار سيادي، سارع الغنوشي إلى مباركة المبادرة ولكن وفق رؤيته. إذ شدد على عدم المساس بهيكلية الحكومة الحالية، وتركيز تركيبة سياسية بناء على أوزان الكتل الانتخابية التي تتصدر النهضة رأس قائمتها.

وبدا رئيس النهضة أول السياسيين الأشد حرصا على دعم يوسف الشاهد ومشاوراته في مسعى إلى تجنب سيناريو حلّ البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة، في حال الفشل في تشكيل التركيبة خلال الآجال الدستورية.

ويقول خصوم الغنوشي إن "الشيخ يدرك جيدا أن النهضة ستعصف بها أي انتخابات قادمة في ظل وقوفها على مشارف التفكك وأيضا في ظل غياب أي دعم شعبي لها وقواعدها الانتخابية التي لا تتجاوز الـ20 بالمئة.

والخميس أعلنت أحزاب حركة الشعب والمسار الاجتماعي الديمقراطي والحزب الجمهوري، خلال مؤتمر صحفي عقدته انسحابها من مشاورات تشكيل الحكومة بعد أن تأكدت بان تركيبتها ستكون "تركيبة سياسية" ستتركز بناء على خارطة الكتل الانتخابية بالبرلمان التي تجاوزتها الإحداث لا بناء على تطورات المشهد السياسي الذي أفرز قوى علمانية ناشطة.

وترى المعارضة وجزء من اتجاهات الرأي العام بأن "يوسف الشاهد ليس رجل المرحلة" التي تستوجب رئيس حكومة مستقل قوي الإرادة وجريء وقادر على تشكيل حكومة وحدة حقيقية لا مغشوشة، تشارك فيها مختلف القوى وتتمتع بالتأييد السياسي والشعبي بما يضمن لها النجاح.

غير أن الغنوشي الذي كان على علم مسبق بتكليف الشاهد، وفق دوائر مقربة من النهضة، استفاد كثيرا على ما يبدو من انسحاب معارضة علمانية لا يرى فيها سوى عدو لدود للنهضة فيما لا يرى العلمانيون بدورهم فيها سوى جزء من الإخوان الذين كانت راهنت عليهم قوى إقليمية ودولية للزج بالمنطقة في الفوضى تحت يافطة "الربيع العربي".

وإضافة إلى استفادته من انسحاب المعارضة بدا "صمت" الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية المعادية للإسلام السياسي، فرصة تاريخية للغنوشي ليرفع من منسوب ضغطه باتجاه حكومة سياسية، إذ جاهر في أكثر من مناسبة بضرورة تركيز تركيبة بناء على أوزان الكتل الانتخابية.

ويرى أخصائيون في العلوم السياسية أن رئيس الحركة الإسلامية التقط انسحاب المعارضين وصمت النقابيين لا لتعزيز تموقع النهضة ضمن مراكز القرار السياسي والإداري فقط، وإنما أيضا لاسترجاع الحد الأدنى من سطوته التي اهتزت داخل الحركة ومحاولة تقديم نفسه كرجل سياسة قوي وملهم.

وقال نزار بلخوجة أستاذ العلوم السياسية "إن انسحاب المعارضة والصمت المريب الذي انتهجه إتحاد الشغل تجاه تكليف الشاهد يعد فرصة تاريخية لراشد الغنوشي لإقناع خصومه داخل النهضة بأن تأييده لمبادرة قائدالسبسي دون أي تحفظ في إطار حكومة سياسية هو مدخل تاريخي لتقديم نفسه داخل التنظيم أنه الرجل الأقدر على قيادة "النهضة السياسية".

ويضيف بلخوجة يقول لـ"ميدل إيست أونلاين" إن الغنوشي "يحاول أيضا الاستفادة من تجويف حكومة الوحدة باتجاه تموقعه شخصيا في الحكم يمتلك من السطوة والكاريزما ما يجعله الأكثر قدرة على مواجهة جهود الشاهد في حال تشكيل حكومة بناء تطورات المشهد السياسي الجديد.

واغتنم الغنوشي الخميس افتتاح أشغال مجلس شورى النهضة ليشدد على أنه "متفائل بمستقبل الحكومة المرتقبة"، واصفا مشاورات الشاهد بـ"مثابة اللحظة التاريخية التي ستؤسس لحالة من الاستقرار".

وبدا الغنوشي وهو يبارك تكليف الشاهد في أعقاب لقائه به وهو يحث "الجميع" على دعم جهوده كما لو أنه المعني الأول بنجاح الحكومة أو بفشلها.

وتعليقا على تصريحاته، قال بلخوجة إن "وصف الغنوشي تكليف الشاهد ومشاوراته بـ"اللحظ التاريخية"، في وقت انسحبت فيه المعارضة ولازم فيه اتحاد الشغل صمتا مريبا، مثير للشكوك، ويؤكد أن رئيس النهضة يراهن على حكومة سياسية تتركز وفق رؤيته وحساباته، وتقود إلى إظهاره في صورة الحاكم الفعلي الذي لا ينافسه أحد سواء من داخل النهضة أو من خارجها.

ورأى بلخوجة إن "تجويف الحكومة، في ظل اهتزاز صورة الغنوشي داخل النهضة وانتفاض قيادات وكوادر ضده من جهة، وتوتر علاقته باتحاد الشغل وبالمعارضة العلمانية من جهة أخرى، كلّ ذلك رأى فيه "الشيخ" فرصة تاريخية وتحديا شخصيا له باتجاه رسم صورة الزعيم اللبيرالي الأكثر نفوذا".

ويشدد بلخوجة على أن "هناك حالة استخفاف بالقوى العلمانية وبمنظومة قيم الثقافة السياسية المدنية اللبيرالية من قبل الغنوشي رغم واجهة خطابه السياسي التي تحاول التخفيف من حدة مخاوف أكثرية التونسيين من شخصه بالذات.

وفي مسعى إلى كسب اطمئنان التونسيين ينتج رئيس النهضة خطابا مخاتلا. إذ في الوقت الذي يشدد فيه على ضرورة حكومة سياسية يشدد بالمقابل، على إشراك أكثر ما يمكن الأحزاب والشخصيات السياسية.

ومن المفارقات، وفق المحللين السياسيين، أن تجويف حكومة الوحدة بقدر ما بدا فرصة تاريخية للغنوشي للتموقع داخل النهضة وخارجها بقدر ما بدا مأزقا سياسيا بالنسبة لصاحب المبادرة الرئيس قائدالسبسي الأمر الذي قد يقود إلى اهتزاز صورته لدى اتجاهات رأي عام تحمله المسؤولية في حال فشل حكومة يوسف الشاهد باعتباره صاحب المبادرة ومهندسها وتطالبه بالجرأة السياسية وبمزيد الانفتاح على المعارضة التي استضعفها تحالفه مع رئيس النهضة.

ويشدد بلخوجة على أن النهضة تنشط تحت عنوان لا يخلو من الدهاء مفاده مقولة الخليفة هارون الرشيد "أمطري حيث شئت فإن خراجك لي"، وهو ما يعني سياسيا أن الحركة الإسلامية لن تتعامل مع تجويف حكومة الوحدة إلا على أساس أنها فرصة تاريخية يجب اقتناصها على حساب القوى العلمانية.

ويضيف بلخوجة أن "\'سياسية أمطري حيث شئت فإن خراجك لي\' تستبطن نوعا من الانتهازية والاستفادة من كلّ السيناريوهات حتى وإن كانت تتعارض مع أبجديات الأخلاق السياسية التي ترفض شفط أطار المؤسسات الدستورية بعيدا عن الارتهان إلى منطق غنائمي يتناقض مع مفهوم الوحدة الوطنية .

ويرى سياسيون أن محاولة الغنوشي استثمار تجويف حكومة الوحدة لن تقود سوى إلى مزيد تعقيد تموقعه سواء داخل النهضة أو في إطار المشهد السياسي للبلاد، مشددين على أن سياسة الاستفادة من كلّ السيناريوهات تقدم الحركة على أن شراهتها للحكم تدفعها إلى التجرد من أي ثوابت سياسية.