الغنوشي يدافع عن صلاحيات بلا سقف

المكي يكثف اتصالاته لتأمين رئاسة مجلس الشورى

بعد أربعة أيام من احتفاظ راشد الغنوشي بمنصبه على رأس حركة النهضة وفرض اختياره المكتب التنفيذي على الرغم من معارضة شرسة لم يكن يتوقعها من قبل عدد بارز من قيادات الحركة، تفجرت الخلافات من جديد بينه وبين المتوجسين من هيمنته على القيادة على خلفية استماتتهم في رفض منحه صلاحيات مطلقة لإدارة شؤون الحركة خلال السنوات الأربع القادمة.

وتوصل مراسل ميدل ايست أولاين إلى معلومات موثوقة مفادها أن كرة نار التوتر والتشنج بين "الشيخ" الذي نجا دامعا نتيجة تطويق الخناق عليه تدحرجت من كواليس المؤتمر الذي جرى خلال الأيام الماضية إلى المقر المركزي للنهضة بحي مونبليزير الراقي وسط العاصمة تونس.

وذكرت تسريبات حصرية من داخل الحركة أن أجواء من الاحتقان تصاعدت بين الغنوشي وقيادات مناهضة له وفي مقدمتها عبد اللطيف المكي الطبيب العنيد في ظل ضغطها عليه لتحديد سقف صلاحيته السياسية والتنظيمية قبل تشكيل تركيبة المكتب التنفيذي.

ووفق نفس التسريبات استشاط الغنوشي غضبا من الضغط ورأى فيه مؤشرا الى أن مناهضيه يسعون إلى تجريده من صلاحيات شبه مطلقة بوصفه رئيسا منتخبا، وإصرارا منهم على تعقيد مساعيه إلى إدارة شؤون الحركة بكل حرية باتجاه إفراز قيادة جديدة موالية له.

وخلافا لما روج له عدد من القيادات مثل زيادر العذاري وعبد الكريم الهاروني بأن النهضة خرجت من المؤتمر أقوى من ذي قبل، بدا رأي الغنوشي مختلفا إذ يرى أن المبالغة في الانتصار تنم عن عدم وعي سياسي بأن الحركة قادمة خلال الفترة على ارتجاجات لا تخلو من الخطورة.

وتقول كوادر من الجيل الثاني المقربة من الغنوشي إن الشيخ يميل إلى تزكية عدد معين من أعضاء المكتب التنفيذي دون سواهم من بينهم سمير ديلو ونور الدين البحيري رئيس كتلة الحركة بالبرلمان والعجمي الوريمي الذي تربطه علاقات جيدة مع عدد من القوى السياسية والأوساط الإعلامية مراهنا عليهم لوضع حد لضغوط خصومه والتخفيف من ضغوطهم عليه.

ويشدد سياسيون مطلعون على كواليس "نهضة ما بعد المؤتمر" على أن الغنوشي يواجه محاصرة شرسة من قبل العشرات من القيادات المتنفذة تنظيميا يقودها عبداللطيف المكي تهدف إلى اختزال صلاحيات الغنوشي في بعض القرارات المحدودة والشكلية على أن تتم تزكيتها من قبل مجلس شورى الحركة حتى لا يبسط هيمنته التقليدية على القيادة.

وأبلغت كوادر من النهضة مراسل ميدل إيست أولاين أن المكي يكثف حاليا من جهوده التنظيمية والسياسية باتجاه تأمين رئاسته لمجلس الشورى تهدف في مرحلة أولى إلى ضبط إيقاع تفرد الغنوشي بصنع قرارات الحركة المصيرية، وتهدف في مرحلة لاحقة إلى التمهيد خلال السنوات الأربع القادمة لتوفير حظوظ أوفر للفوز برئاسة النهضة بعد انتهاء فترة خلافة الشيخ.

وإزاء التهديدات الجدية التي بات يقودها المكي مدعوما بقيادات تجاهر بـ"عدائها المدروس" للغنوشي قرر "الشيخ" حشد أكثر ما يمكن من أنصاره لتأليبهم على شق المكي والتشكيك في مدى صدق نواياه لاستبعاده من أية مسؤولية وخاصة قطع الطريق أمام توليه رئاسة شورى النهضة.

ويعتبر شق المكي أن الغنوشي مدفوعا بـ"عنجهية استبدادية" يرفض العملية الديمقراطية داخل الحركة ويرضخ لضغوط القوى العلمانية التونسية وقوى إقليمية ودولية ليقدم لنفسه صورة القيادي الإسلامي الليبرالي بعد أن فتك بالعديد من القيادات والكوادر والقواعد.

وفي أعقاب المؤتمر، لم يتردد عدد من القيادات في التعبير عن مخاوفهم من أن يقود الغنوشي بالنهضة إلى حزب علماني في مزايدة لا تخلو من الانتهازية على خصومه، مشيرين إلى أن تصريحاته بعدم تجريد الحركة من هويتها الإسلامية ليست سوى نوع من تعويم حدة موجة الغضب عليه.

ويشدد شق عبد المكي على أن الغنوشي مستعد لتقديم تنازلات تمس من طبيعة الحركة وخياراتها الإستراتيجية وأنه لن يتردد في طمس تنظيمها استرضاء لجهات داخلية وخارجية معادية للنهضة.

ووفق مصادر من داخل النهضة، حذر الغنوشي من أنه "في حال المساس بأي شكل من أشكال صلاحياته أو تقليمها لن يتردد في المواجهة بكل شراسة كلفه ذلك ما كلفه مشددا على أنه لن يسمح لأعدائه المتنطعين من العبث بالنهضة التي استمات في إنقاذها إلى حد الآن من شطحات الإخوان".

وبلهجة حادة تعكس مدى ثقته في نفسه، نبه الغنوشي إلى أنه ما كان للنهضة أن تنجو بنفسها لولا الجهود التي قادها إقليميا ودوليا وكسب دعم المحور التركي القطري وثقة قوى دولية فاعلة في المنطقة العربية بما فيها الولايات المتحدة محذرا خصومه من مغبة المساس بصلاحياته.

وخيّر الغنوشي الخصوم بين التخصص في العمل الدعوي وتركيز جمعيات خيرية تستقطب الشباب والفتيات وتقترب من مشاغلهم أو النأي بأنفسهم عن مساعيهم لنسف صلاحياته السياسية باعتباره الأكثر دراية بما يعتمل في أنفسهم.

وتظهر قراءات سياسيين مقربين من النهضة أن الغنوشي المعروف بخطاب واجهته سياسية وخلفيته عقائدية بدا منذ هزيمة النهضة في انتخابات خريف 2014 يسعى إلى التخلص من قيادات وكوادر وقواعد ناصبته العداء.

وتضيف قراءات السياسيين أن استماتة الشيخ في التحذير من المساس بصلاحياته لقيادة النهضة خلال السنوات الأربع الماضية تعد مؤشرا على درجة إحباطه سواء من التنظيم وفشله في انفتاحه على المجتمع المتعدد فكريا وسياسيا أو من عواصف الربيع العربي الذي نسفت مشروع الإخوان.

وفي ظل استماتة راشد الغنوشي في رفضه المساس بصلاحياته المطلقة من جهة، واستماتة لا تقل شراسة من قبل خصومه من جهة أخرى، يبدو مستقبل النهضة مفتوحا على أكثر من احتمال بما في ذلك انهيار تنظيمها وتعمق ضبابية رؤيتها بشأن تعاطيها مع مشاكل التونسيين.