الغنوشي في مرونة مصطنعة.. وعلى مضض

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

تونس - أجبرت الأزمة الخانقة التي تعيشها تونس منذ أكثر من شهر رئيس حركة النهضة الإسلامية الحاكمة راشد الغنوشي على الخروج من مكتبه في حي موبليزير شمال العاصمة ليقود جهودا سياسية وإعلامية يقول أنها من أجل التوصل إلى حل مع المعارضة العلمانية فيما يقول خصومه أن جهوده تهدف إلى "إنقاذ النهضة التي تؤلب سخط التونسيين عليها".

خلال الأسابيع الماضية أبدى الرجل الذي يوصف بأنه الحاكم الفعلي لتونس "نوعا من المرونة" في تعاطيه مع الشخصيات السياسية العلمانية ومع وسائل الإعلام بما فيها التي تصنفها النهضة في خانة "الأعداء" في محاولة لتلميع صورة النهضة التي يبدو أنها تهشمت تحت ضغط متزايد للمعارضة التي تطالب برحيل الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني.

وتقول مصادر سياسية إن الغنوشي قرر خوض حوار مع قيادات المعارضة والحضور في المنابر الإعلامية بعدما تأكد من أن الأداء السياسي لقيادات الحركة "لم يكن في مستوى الأزمة ولا في مستوى التحديات" بل إن عددا من تلك القيادات زج بالحركة في مآزق عمقت حالة التوتر مع المعارضة من خلال تصريحات آخرها تصريح رئيس كتلة الحركة بالتأسيسي الصحبي عتيق الذي لوح بأن "الجماهير ستدوس كل من يطالب برحيل الحكومة".

وتضيف نفس المصادر أن الأزمة الحادة بين حركة النهضة المتمسكة بـ"الشرعية الانتخابية" والمعارضة التي تطالب بـ"الشرعية التوافقية" أضعفت كثيرا مواقف الحركة الحاكمة وشلت أداءها السياسي والإعلامي حتى أنها باتت تخشى الشعبية المتزايدة لمعارضة علمانية تناهض مشروع الإسلام السياسي وتطالب بمجتمع تعددي ديمقراطي وبدولة مدنية.

ويبدو أن "اعتصام الرحيل" الذي حشدت فيه الأحزاب السياسية ونشطاء المجتمع المدني في السادس من الشهر الماضي عشرات الآلاف المناهضين لمشروع النهضة هزّ حركة النهضة من الداخل وأربك أداءها ودفعها إلى مراجعات وتنازلات "مرة" بعد أن كانت تشدد على أن "مواقفها خطوط حمراء".

فقد أعلن الغنوشي في الأيام الماضية خلال لقاءاته بعدد من قيادات الأحزاب أن "أيادي الحركة مفتوحة للحوار حول كل المسائل الخلافية" بما فيها حل حكومة علي العريض وتشكيل حكومة وحدة وطنية، كما أبدى استعداده للتراجع عن قانون العزل السياسي الذي تتمسك به النهضة لتصفية خصومها.

لكن مثل هذه التنازلات لم تقنع المعارضة التي تطالب بحل جذري للأزمة التي تتخبط فيها البلاد على جميع الصعد.

وترى قيادات سياسية مثل الباجي قائد السبسي رئيس حزب حركة نداء تونس وحمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية وأحمد نجيب الشابي زعيم الحزب الجمهوري أن "التنازلات التي قدمها الغنوشي لا تعدو أن تكون سوى حلول ترقيعية لإسكات صوت المعارضة التي تجمع على أن النهضة فشلت في إدارة الشأن العام بل قادت البلاد إلى أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية".

وفي الوقت الذي تتفاعل فيه المعارضة مع السقف العالي لتطلعات التونسيين إلى الحرية والديمقراطية والتنمية وتطالب بمباشرة إصلاحات جذرية تشارك فيها مختلف القوى السياسية والمدنية والاجتماعية يحاول الغنوشي التخفيف من حدة الأزمة حتى أنه وصفها بأنها "أزمة في جزيرة السياسيين" وأن "التونسيين يعيشون حياتهم العادية".

وبعيدا عن التصريحات التي تتناقلها وسائل الإعلام التي تهدف إلى تلميع صورة النهضة وتخفيف الضغط عليها يعترف الغنوشي للمقربين منه بأن تونس تمر بأزمة حقيقية قسمت المجتمع الذي عرف عبر مختلف الحقب التاريخية بتماسكه وتضامنه إلى إسلاميين وعلمانيين، أزمة أججت حالة من الاحتقان قد تزج بالبلاد في حالة من الحرب الأهلية خاصة في ظل انتشار تهريب السلاح من قبل الجماعات المتشددة التي كثيرا ما تسامح الغنوشي معها وقال عنها "إنها تذكرني بشبابي".

لكن حادثتي اغتيال المعارضين العلمانيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وكذلك الأحداث الإرهابية في جبل الشعانبي وما رافقها من قتل وتنكيل بعناصر من الجيش دفعت بالغنوشي إلى اتخاذ "مسافة" من الجماعات الجهادية خاصة بعد أن وجهت له اتهامات بالتواطؤ معها.

وتقول مصادر مقربة من حركة النهضة أن راشد الغنوشي "يتألم كثيرا" حين تنقل القنوات التلفزية هتافات المعارضين "يا غنوشي يا سفاح يا قتال الأرواح" في اتهام له بأنه المسؤول عن الاغتيالات السياسية على الرغم من أنه نفى نفيا قاطعا علاقته بها.

ويرجع المراقبون قرار الغنوشي بقيادة الحوار مع المعارضة بنفسه إلى تخوفه الكبير من الدور الذي يمكن أن يقوم به الإتحاد العام التونسي للشغل في ظل علاقته المتشنجة بحركة النهضة خاصة بعد أن حملها مسؤولية ما تردت فيه البلاد من أوضاع.

وتبدو العلاقة بين النهضة واتحاد الشغل غير متكافئة تماما، فالنهضة تعتمد على حكومة أغلب وزرائها تنقصهم الكفاءة والقدرة على تسيير مؤسسات الدولة ناهيك عن ضعف الثقافة السياسية وغياب التشخيص الدقيق لتضاريس المشهد التونسي، أما الإتحاد فهو حركة اجتماعية عريقة بامتياز ومؤسسة نضالية تعتمد على نشطاء حقوقيين شرسين خاضوا معارك ضارية واستبسلوا في الدفاع عن حقوق العمال وعن الديمقراطية والحرية.

وخشية من قيادة إتحاد الشغل سيناريو مصري في تونس طلب راشد الغنوشي من حسين العباسي الأمين العام للإتحاد إدارة حوار مع المعارضة لما يحظى به من مصداقية وثقل سياسي واجتماعي.

ويساند اتحاد الشغل بقوة مطالب المعارضة بينما تبدو النهضة مهزوزة ومعزولة وهو ما يعني أن حكومة علي العريض في أيامها الأخيرة حيث ينتظر خلال الايام القليلة القادمة الإعلان عن حلها وتشكيل حكومة إنقاذ وطني تترأسها شخصية مستقلة.

وبرأي المحللين السياسيين فإن الجهود التي يقودها راشد الغنوشي بنفسه لن تغير من حدة الأزمة بين الإسلاميين والعلمانيين طالما لم تتخل النهضة عن مشروعها لأسلمة المجتمع والدولة.