الغزو الإسرائيلي لافريقيا... عن أي حياد يتحدثون؟

بدأ العد التنازلي للقمة الافريقية الإسرائيلية المرتقبة بين 24 و26 أكتوبر القادم وبرغم الجهود الفلسطينية ومعها الجهود المغربية وجهود دولة جنوب افريقيا لمنع انعقاد القمة فانه لا شيء حتى الان يؤكد نجاح هذه الجهود في كبح جماح الاختراق الإسرائيلي للقارة السمراء التي تنظر اليها حكومة بنيامين ناتنياهو على أنها الرهان الأهم للمرحلة القادمة والذي سيفتح المجال امام إسرائيل لتعزيز علاقاتها بنحو خمس وخمسين دولة افريقيا منضوية تحت مظلة الاتحاد الافريقي وبينها نحو ثلاثين بلدا عضوا في المؤتمر الاسلامي.

اهتمام إسرائيل بالقارة السمراء ومساعي الغزو الإسرائيلي لدول القارة ليست بالامر الجديد أو الغريب والديبلوماسية الإسرائيلية لهذا الكيان المحتل لا تعترف بالمستحيل بل هي تطمح الى الفوز بصفة العضو المراقب في الاتحاد الافريقي وتعول على دعم عدد من الدول الافريقية بينها توغو التي ستحتضن القمة المرتقبة في الخريف القادم والتي ما انفك رئيسها غناسيبكي يقلل من أهمية المساعي الديبلوماسية التي يقودها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لالغاء القمة والتي تجد لها دعما من المغرب وجنوب افريقيا. ولعله من المهم الإشارة الى أن رئيس توغو هو الرئيس الحالي للمجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا ايكواس والذي يقود حملة لصالح إسرائيل تحت غطاء مكافحة الإرهاب متجاهلا بذلك أن إسرائيل تقود إرهاب الدولة الذي تقترفه قوات الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين المحتلة في الضفة والقطاع وفي جزء من الأراضي العربية في سوريا ولبنان تشهد على ذلك هضبة الجولان المحتلة.

أن انعقاد هذه القمة سيكون له تداعياته لا على القارة الافريقية فحسب ولكن أيضا على منطقة الشرق الأوسط لانها ستكرس لمنطق شرعنة الاحتلال ودعم احد من أسوأ وأخطر أنواع الاحتلال المستمر في العالم في تحد صارخ لكل القرارات الشرعية الدولية وهو ما سيعزز تلك القناعة السائدة بأن الأمم المتحدة وقوانينها سواء ما ارتبط بالجمعية العامة وهي القرارات غير الملزمة أو بمجلس الامن والتي تعد قرارات ملزمة لم تعد تعني شيئا بالنسبة للدول الواقعة تحت الاحتلال وأنه ان الأوان بالتالي لاعادة النظر في قوانين الشرعية الدولية وما ارتبطت به من أهداف لتكريس الامن والسلم في العالم حيث يتضح وأن تلك القوانين لم توضع لفائدة المستضعفين وهو ما يعني بالتالي ضرورة الانصراف للبحث عن البدائل التي يمكن أن تخدم القضية الفلسطينية التي لفها النسيان وغابت عن المنابر الإقليمية والدولية ساعد بالتالي حكومات الاحتلال المتعاقبة على التمدد والانتشار تحصين مواقعها وقواعدها والاستفادة من هذا التراجع والفراغ الحاصل لفرض واقع إقليمي ودولي جديد تساهم الدول العربية والافريقية في تكريسه بتشتتها وضعف ارادتها ولكن وهذا الأهم بغيابها نتيجة انشغالها بصراعاتها وازماتها التي لا تنتهي والتي سوقت لإسرائيل بتنفيذ مخططاتها.

العلاقات الإسرائيلية الافريقية ليست أمام سيناريو 2014 عندما اضطر الوفد الإسرائيلي لمغادرة القمة الافريقية أمام ضغوط واعتراض الوفود العربية الرافضة لوجود وفد يهودي. دولة جنوب افريقيا أعلنت على لسان سفيرها في لبنان مقاطعتها قمة توغو التي رأت فيها اتجاه نحو تطبيع افريقي إسرائيلي غير مقبول. وفي انتظار ما ستؤول اليه الجهود الدبلوماسية قبل موعد القمة المرتقبة خلال أسابيع يظل المشهد على درجة من الغموض ففيما تواصل اسرائيل التأكيد على قدرتها على الاستفادة من كل الازمات والأوضاع لفرض موقع قدم لها تظل الأطراف المعنية بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي عاجزة عن الاستفادة من كل التجارب التي مرت بها لتفعيل سلاح الاعلام والدبلوماسية لصالحها فتعجز وهي صاحبة الحق والطرف الأكثر عرضة للظلم ولكل الممارسات القمعية والانتهاكات التي تحدث تحت أسماع وأنظار العالم في حق المدنيين من نساء ورجال وأطفال يتعرضون للحصار ويسلبون حقهم في الحياة والكرامة السيادة وفي المقابل تحرص سلطات الاحتلال على الظهور بمظهر الضحية وتجد لها من الدعم والمساندة من الشرق والغرب ما يجعلها لا محصنة من كل محاسبة فحسب ولكن أيضا ما يشجعها على التمادي والتطاول والإصرار على مواصلة مخططات الاحتلال والمصادرة والتهويد والتهجير وتحويل المدن والقرى الفلسطينية الى سجون لاهلها.

تحت شعار "إسرائيل تعود إلى إفريقيا وإفريقيا تعود إلى إسرائيل" يخوض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ناتنياهو منذ سنوات دون كلل أو ملل حملة اجتياح هادئة في القارة أحد أهدافه الرئيسية التي استفاد فيها من الحروب والصراعات الدموية العربية العربية والترويج لتحالف إسرائيلي سني بين دول سنية معتدلة لقطع الطريق امام الخطر النووي الايراني والتصدي للارهاب كما استطاع المراهنة على انقسام السودان بانفصال جنوبه المسيحي عن شماله ليحتضن هذه الدولة الفقيرة الناشئة ويغري قياداتها التي استنزفت دماء السودانيين في صراعات أصابت الشعب بالجوع والتخلف والتشرد بمكاسب متعددة من تحالفها مع إسرائيل التي ستأتي اليها بخبرائها في مختلف المجالات لزراعة أراضي جنوب السودان والتنقيب عن مكمن الثروات الباطنية لهذا البلد الذي يدفع ثمن السياسات التي جعلت السودان لا يعرف الاستقرار، وهو يستفيد أيضا من الخلافات بين مصر واثيوبيا ومن ضعف الموقف المصري وانصرافه الى مشاغله اليومية وحربه على الإرهاب وهو يتجه الى الدول الافريقية ويعرض عليها المساعدات الاقتصادية املا في كسب دعم الدول الافريقية في المنظمات الدولية والإقليمية وصد التعاطف الذي تحظى به القضية الفلسطينية وشعبها في مختلف هيئات الأمم المتحدة.

التغلغل الاسرائيل في افريقيا مستمر وقد كانت رسالة الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال زيارته الى تونس قبل شهر واضحة عندما حذر الدول العربية من هذا التغلغل الذي يهدف وبالإضافة الى تموقع إسرائيل في القارة الى السيطرة على ثرواتها بدعوى امتلاك إسرائيل للطاقات البشرية والكفاءات العلمية في مختلف المجالات ولتي ستساعد دول القارة على النهضة والتخلص من فقرها وتخلفها وتحويل مزارها القاحلة الى أراض مثمرة... ليس من الصعب قراءة نتائج القمة الافريقية الإسرائيلية اذا لم يدفع الاتحاد الافريقي جديا لالغائها لانها ستقزم كل الأطراف المعنية العربية والإسلامية وتدفع الراعي الأميركي المتحيز دوما لإسرائيل لفرض التوجه الذي يسعى اليه ترامب في الشرق الأوسط والتفرد ربما بقبر الصراع وانهائه بفرض احكام الأقوى على الأضعف والذهاب بعيدا في تكريس مبدأ المساواة بين الضحية والجلاد.

في خضم التغلغل الإسرائيلي في افريقيا يخرج علينا جدعون ليفي الصحفي الإسرائيلي باعتراف فريد من نوعه يقر فيه بأن إسرائيل تواجه أصعب شعب عرفه التاريخ وهو بالتأكيد اعتراف لا يختلف فيه اثنان ولكنه اعتراف لا يبدو أن من يعتقدون أنهم صناع القرار في العالم العربي توقفوا عنده أو أدركوا معناه والا لما خذلوا هكذا شعب لا يملك عدوه الأول الذي ينكل به منذ عقود الا احترامه واحترام شموخه وتمسكه بحقه ورغم المعاناة المستمرة فهو يواصل رسم ملحمة نضالية تجاوزت كل حدود وقيود ونيران الاحتلال.

ويقول ليفي في مقال له نشر في هآرتس "يبدو أنّ الفلسطينيين طينتهم تختلف عن باقي البشر، فقد احتللنا أرضهم، وأطلقنا عليهم الغانيات وبنات الهوى، وقلنا ستمرّ بضع سنوات، وسينسون وطنهم وأرضهم، وإذا بجيلهم الشاب يفجّر انتفاضة الـ 87… أدخلناهم السجون وقلنا سنربّيهم في السجون. وبعد سنوات، وبعد أنْ ظننا أنهم استوعبوا الدرس، إذا بهم يعودون إلينا بانتفاضة مسلحة عام 2000 أكلت الأخضر واليابس، فقلنا نهدم بيوتهم ونحاصرهم سنين طويلة، وإذا بهم يستخرجون من المستحيل صواريخ يضربوننا بها، رغم الحصار والدمار، فأخذنا نخطط لهم بالجدران والأسلاك الشائكة... وإذا بهم يأتوننا من تحت الأرض وبالأنفاق، حتى أثخنوا فينا قتلاً في الحرب الماضية، حاربناهم بالعقول، فإذا بهم يستولون على القمر الصناعي عاموس ويدخلون الرعب إلى كلّ بيتٍ في إسرائيل، عبر بث التهديد والوعيد، كما حدث حينما استطاع شبابهم الاستيلاء على القناة الثانية، خلاصة القول، يبدو أننّا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولاحلّ معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال."

نعم لا حل في الشرق الأوسط وفي العالم بدون الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والسيادة والكرامة على موطنه وأرض ابائه وأجداده هذا هو الهدف الذي يستحق أن تستثمره الدبلوماسية الفلسطينية والعربية والإسلامية عموما في التصدي لانعقاد القمة الإسرائيلية الافريقية قبل رضوخ إسرائيل وقبولها وقف سياستها العنصرية الاحتلالية.