الغردقة تحمل البشرى السياحية للاقتصاد المصري

الغردقة (مصر) ـ من أحمد فضل شبلول
ينتظرها الكثير

لم تجئ رحلة الغواصة "سندباد" في البحر الأحمر بالغردقة، في مستوى أحلامي وطموحاتي بركوب غواصة، منذ أن كنت مجندا بالقوات البحرية بالإسكندرية، وحتى الآن.
عندما التحقت بالقوات البحرية بعد تخرجي من كلية التجارة عام 1978، لقضاء سنة التجنيد الإلزامية، توقعت أن أركب البحر، وأغوص في الأعماق الزرقاء، متدربا على الدفاع عن الحدود الساحلية المصرية، خاصة أنني التحقت خلال هذه السنة بسلاح المدفعية الساحلية (مد سا).
وتوقعت أن ترفد هذه التجربة البحرية تجربتي الأدبية والشعرية برافد بحري ومائي عظيم، يضاف إلى رصيدي من الشعر عن البحر والإسكندرية والكورنيش، ومفردات العالم المائي بصفة عامة، خاصة أنني من مواليد برج "الحوت" المائي.
ولكن خاب ظني في ركوب البحر أو التدريب السليم على السباحة والغوص في أعماق البحار، بل أنني لم أشاهد غواصة من أصله بالقوات البحرية سواء في مركز التدريب بالمعمورة (وقد مكثت به ستة أسابيع)، أو في مقر قيادة الكتيبة البحرية في منطقة رأس التين بالإسكندرية (وقد مكثت فيه أسبوعين) قبل أن نوزع على السرايا خارج رأس التين، فكان من نصيبي السرية 52 (مد سا) في طابية سيدي بشر، التي تحولت الآن إلى عمارات إسكان لضباط البحرية، يتوسطها فندق المحروسة بطريق الكورنيش.
ظللت خلال العام 1979 جنديا في غرفة إدارة النيران بالمدفع رقم 3 المطل على البحر المتوسط منذ أيام الحرب العالمية الثانية. ولم ألمس المياه أبدا، ولم أتدرب على السباحة أو الغطس كما كنت أتوقع في بداية تجنيدي.
لذا فرحت عندما عرفت أن هناك رحلة بحرية بالغواصة "سندباد" ضمن برنامج رحلتنا إلى مدينة الغردقة التي تقع على ساحل البحر الأحمر، بل أخذت أشجع زملاءنا الذين لم يكونوا متحمسين للذهاب معنا إلى الغواصة، فقلت لهم إنها رحلة لن تعوض، فمتي سنركب غواصة مرة أخرى.
ويبدو أن خيالي رسم رحلة أخرى غير التي قمنا بها، حيث تداعت لي صور الغواصات في البرامج العلمية التلفزيونية عن أعماق البحار، وكذلك الأفلام الأجنبية والعربية، أو في الروايات التي قرأتها من قبل، أو الكتب العلمية التي اطلعت عليها، وخاصة مؤلفات الراحل د. عبدالمحسن صالح، والصديق الأديب رجب سعد السيد.
ويبدو أن فيلم "الطريق إلى إيلات"، والمسلسل التلفزيوني "الحفَّار" وغيرهما، قد نشَّط مخيلتي في هذا الاتجاه، فاحتشدت نفسيا وبصريا ومعرفيا، وتسلحت بكاميرا رقمية أصور بها أعماق البحار من داخل الغواصة، ودعوت كل الزملاء لهذا الاحتشاد ولهذه اللحظة التاريخية التي نلتقي فيها والكائنات البحرية والشعاب المرجانية على عمق 25 مترا تحت سطح البحر.
وقلت فرصة لكي أعوض في عام 2007 ما فاتني أثناء تجنيدي بالقوات البحرية منذ ثمانية وعشرين عاما، فأخذت أجمع معلومات عن الغواصة وتاريخها وأجزائها وصورها وما إلى ذلك.
وعرفت من مندوب شركة السندباد أن هذه الغواصة لا يوجد في الشرق الأوسط مثلها (وأكاد أشك في المعلومة) وأنها تغطس لأعماق تزيد على خمسمائة متر تحت سطح البحر، ولكن رفقا بنا لأننا لسنا من أبناء مهنة الغطس أو الغوص، فسوف تصل "السندباد" إلى عمق 25 مترا فقط، وأننا سنرى أجمل الكائنات البحرية وأهم الشعاب المرجانية في هذه الأعماق.
وقال إن مواعيد الذهاب والعودة محسوبة بالثانية منذ لحظة تجمعنا في بهو الفندق، وحتى العودة إليه.
وكانت أولى المفاجآت غير السارة أننا تأخرنا في الذهاب من الفندق أكثر من ثلاثة أرباع الساعة، فقلت (معلهش هي كده المواعيد المصرية.)
وثاني المفاجآت أن الكاميرا الرقمية المزودة بخاصية تصوير الفيديو التي أحضرتها معي خصيصا لتصوير وتسجيل تلك اللحظات التاريخية، كان شحنها الكهربائي قد انتهى في غفلة تاريخية مني، فلم تعط في البداية سوى ضوء الإنذار الأحمر، ثم أقسمتْ ألا تعمل بعد ذلك بدون تغذيتها بالكهرباء، ولم يكن هناك وقت لذلك.
فقلت أعمد إلى التصوير بكاميرا جهاز التليفون المحمول الذي كان لحسن الحظ مشحونا عن آخره، ولكن عند التصوير الفعلي لم تعط نتائج جيدة، فلم تظهر سوى صور باهتة لبعض الأسماك، والغطاسين الثلاثة الذين كانوا يدورون حول الغواصة، لإضفاء نوع من البهجة على الرحلة، وعمل منظر (شو) لها.
ويبدو أنني توقعت من رحلة الغواصة أشياء أو مفاجآت تفوق قدرة المنظمين على تحقيقها، توقعت مثلا أن تحوم حولنا الأسماك الضخمة التي نراها في البرامج العلمية مثل برنامج "عالم البحار" أو تصورتها وأنا اقرأ رواية "العجوز والبحر" لأرنست همنجواي، أو رواية "حسناء بحر كورتيز" للكاتب الأميركي بيتر بنشلي، أو شاهدتها في فيلم "الفك المفترس" للمؤلف نفسه.
كما تخيلت أن يظهر لنا سمك القرش المشهور به البحر الأحمر، ونحن متمترسين داخل الغواصة التي تحمينا من هجماته المتوقعة، وتوقعت أن نرى جبالا من الشعاب المرجانية الحمراء أو الخضراء أو الصفراء أو البيضاء، وأن تستغرق الرحلة زمنا أطول بكثير مما قضيناه، وكان أقل من ثلاثة أرباع الساعة.
لم أجد فكا مفترسا، ولا عجوزا في بحره، ولا "موبي ديك" هيرمين ميلفيل، ولا سندباد ألف ليلة وليلة، ولم نجد أيضا أودسيوس هائما في بحار الأوديسة، ولا أحمد بن ماجد، ولا كريستوفر كولمبس، ولم نر جزيرة الذهب، ولا جزيرة الشيطان، ولا جزيرة المرجان، ولا حتى جزيرة العفريت، ولم نجد الحدأة البحرية، أو ثعبان البحر، ولا حتى كلب البحر، أو بيض البحر.
لم نجد سوى بعض الأسماك الصغيرة جدا، وبعض الأسماك الملونة متوسطة الحجم كانت تتحلق حول الغطاسين لأنهم كانوا يرمون لها بعض الطُّعم، فتأتي أفواجا من أجل الغذاء، فيداعبها الغواصون ويطلقون بعض الفقاقيع الهوائية من أنابيبهم الأوكسيجنية لمجرد عمل منظر طريف (شو) أمامنا.
ولإضافة أجواء أسطورية على الرحلة، زرعت شركة السندباد حطام سفينة في الأعماق يطل منها بعض البقايا، وكأنها سفينة غرقى في طريق الرحلة، والغواصة تقوم باكتشاف محتوياتها، فضلا عن بعض المجسمات أو النماذج الحيوانية الأخرى التي يفرح بها أطفال الرحلة عندما يرونها فيظنون أنها من أهل البحر.
ويبدو أن الازدحام غير المتوقع على الغواصة التي لا تتسع لأكثر من 48 راكبا، جعل القائمين على الرحلة يسرعون أو (يكروتون) هذه المجموعة المصرية من راكبي الغواصة، ليعودوا إلى المجموعات الأجنبية التي تدفع ثلاثة أضعاف ما يدفعه المصريون.
لذا سرعان ما عادت "السندباد" إلى مرساها على سطح البحر، ليستلم كل راكب شهادة بنية اللون من رئيس طاقم الغواصة، تفيد أنه ركب السندباد، وأصبح من أهل الغواصة، لعلها تفيده في مستقبل أيامه.
عدنا إلى المركب التي أقلتنا إلى مكان وجود الغواصة، فركبناها وعدنا إلى الشاطئ مرة أخرى، لنجد الأوتوبيسات في انتظارنا لتعود بنا سريعا إلى الفندق، فهناك مجموعات أخرى في الانتظار بفنادق أخرى.
عدت وفي نفسي حسرة على رحلة كنت أحلم بها، وإذ بها تتحقق ولكن ليست على النحو الذي رأيته في أحلامي. لذا فقد فوجئ أحد العاملين بالغواصة بردِّي عندما سألني عن رأيي في الرحلة أثناء صعودي من باطن الغواصة إلى جزئها العائم على وجه الماء، فقد رددت عليه بقولي: ليست على ما يرام.
ويبدو أنه كان يتوقع أن أقول له إنها رحلة مبهرة، فخاب أمله عندما سمع إجابتي، ولم يسألني عن سبب أنها ليست على ما يرام، واتجه لسؤال زملاء آخرين أجابوا بما يود سماعه منهم.
***
غير أن الغردقة بصفة عامة كانت تشغى بعدد كبير من السائحين والمصطافين الأجانب، وخاصة الروس والبولنديين والألمان.
لقد كان عدد الأجانب أضعاف عدد المصريين في هذا الوقت من العام، ويقال إنها في فصل الشتاء تشغى بعدد أكبر من الأجانب.
وقد أتيح لي خلال الشهور السابقة زيارة كل من شرم الشيخ والعريش، ولاحظت أن أسعار كل شيء في الغردقة أقل كثيرا من مثيله في شرم الشيخ، وأن مستقبل السياحة فيها أفضل بكثير من العريش. والدليل على ذلك كثرة الأجانب بالغردقة عن الأجانب في العريش.
وأضرب مثالا على أسعار ساعة الإنترنت ما بين شرم الشيخ والغردقة في نفس المستوى من الفنادق والقرى السياحية.
في شرم الشيخ كانت ساعة الإنترنت بالفندق (خمس نجوم) خمسة وستين جنيها مصريا، بينما ساعة الإنترنت في الفندق بالغردقة (خمس نجوم أيضا) عشرة جنيهات.
أما ساعة الإنترنت خارج الفندق فقد كانت في خليج نعمة بشرم الشيخ على سبيل المثال عشرة جنيهات، بينما ساعة الإنترنت خارج الفندق في طريق الشيراتون بالغردقة على سبيل المثال خمسة جنيهات.
قس على ذلك معظم الأسعار في المأكولات والمشروبات والملابس والهدايا والإكسسوارات وغيرها.
إن الغردقة، عاصمة محافظة البحر الأحمر، مدينة ينتظرها الكثير من المستقبل السياحي الكبير، فحركة البناء والتعمير فيها قائمة على قدم وساق، وإنشاء الفنادق والمنتجعات والقرى السياحية مستمر وسريع، ولعلي في العام القادم أرى معالم جديدة لا توجد الآن.
لقد استطاعت الغردقة أن تجذب المستثمرين والسياح، فضلا عن عدد كبير من أهل الصعيد وأهل الوجه البحري الذين يعملون بها ويرزقون منها ويستقرون فيها، بعد أن ضاق العيش بهم في مدنهم العتيقة، ولعل طيبة أهلها وتعاملهم السمح مع زوارها يمنحها خصوصية ما، تضاف إلى هدوئها وجمال بحرها ونظافة شوارعها، وثقافة أهلها وأمانتهم.
لقد لفت نظري بشدة اللوحات التشكيلية والتماثيل المعروضة في ردهات الفندق الذي نزلنا فيه، فضلا عن الحجرات والأجنحة الفندقية. وكلها لوحات إما فرعونية أو مصرية معاصرة تحمل ملامح البيئة المصرية الصميمة، مثل لوحات بائع العرقسوس، وزفة العروس، وقارئة الودع، وحاملة الجرة، وغيرها من اللوحات التي تحاكي بعض الأماكن الأثرية في القاهرة وغيرها.
وقد توقفت كثيرا أمام لوحة كبيرة معروضة بجوار المطعم الرئيسي (وهو مطعم كليوباترا) واللوحة للملكة كليوباترا وبجانبها وصيفتها تطلان على مجموعة من المصريين يقتتلون فيما بينهم، والملكة تتأمل هذا الاقتتال الدائر من مخدعها، وكأنها تشاهد حلقة في مصارعة الثيران.
ولعلني أتذكر الآن مشاركتي في مؤتمر البحر الأحمر الأدبي الذي عقده فرع اتحاد الكتاب جنوب الصعيد في العام الماضي بمدينة الغردقة، والذي كان فرصة لاكتشاف عدد من الأدباء المبدعين الجادين في الغردقة منهم الكاتب القصصي سعيد رفيع، والشاعر جمال العدوي، وغيرهما.
حقا إن الغردقة مدينة تحمل البشرى السياحية للاقتصاد المصري، لذا يجب الحفاظ عليها من قراصنة الرحلات، وخاصة رحلات الغواصة "السندباد". أحمد فضل شبلول ـ الغردقة