الغائب الوحيد عن أنابوليس

بقلم: نقولا ناصر

طبقا للدعوة الأميركية المعلنة، فإن منظمة التحرير الفلسطينية وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" هما الجهتان الوحيدتان غير المدعوتين إلى مؤتمر مخصص لقضية شعب لا يوجد أكثر منهما تمثيلا له. وإذا كان توجيه الدعوة الأميركية إلى "السلطة الفلسطينية" وليس إلى منظمة التحرير الفلسطينية لحضور مؤتمر أنابوليس في 27 الجاري هو آخر مظاهر الابتزاز الأميركي – الإسرائيلي للقيادة الفلسطينية لانتزاع المزيد من تنازلاتها فإن استجابة هذه القيادة للدعوة والإجماع أو شبه الإجماع العربي على الاستجابة لها أيضا إنما يمثل أحدث مظاهر الرضوخ الفلسطيني والعربي لهذا الابتزاز.
وإذا كان يمكن افتراض حسن النية أو الغفلة في تجاهل القيادة الفلسطينية والقيادات العربية لما لهذه المسألة من أهمية فإنه لا يمكن أبدا افتراض حسن النية أو الغفلة في الإدارة الأميركية التي طالما سعت إلى انتزاع توقيع فلسطيني وعربي على "إنهاء النزاع" مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وطالما سعت إلى تزوير إرادة الشعب الفلسطيني لهذا الغرض لأنها تدرك جيدا أن أي ممثل شرعي ووحيد لهذا الشعب لا يمكنه أبدا منح توقيع كهذا في ظروف تشبه الظروف التي ينعقد فيها مؤتمر أنابوليس.
وبينما تقود قيادة منظمة التحرير في الداخل صراعا سياسيا ضاريا، انفجر صراعا دمويا في قطاع غزة وما زال يثير جدلا وطنيا ساخنا، في إطار ثنائية الاستقطاب بين حركتي فتح وحماس، للدفاع عن كون المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني الذي وقع اتفاقيات الاعتراف المتبادل وحل الصراع بالتفاوض مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، نجد هذه القيادة نفسها تتغاضى في تساهل مثير للاستغراب عن توجيه الدعوة الأميركية لها لحضور مؤتمر أنابوليس باسم السلطة الفلسطينية وليس باسم منظمة التحرير !
وهذه ليست مسألة شكلية أو في الأقل ينبغي ألا تكون شكلية بالنسبة إلى قيادة المنظمة فإذا كانت واعية لها وتغاضت عنها من باب الدهاء السياسي فنعم الأمر، إذ كما يقول المثل العربي رب ضارة نافعة لأن مشاركة السلطة الفلسطينية في مؤتمر أنابوليس تعفي منظمة التحرير ومن تمثله حسب القانون الدولي من أي التزامات يوقعها أو يتعهد بها وفد السلطة إلى المؤتمر أما إذا لم تكن واعية لها فهذا أمر لا ينبغي المرور عليه مرور الكرام.
فطبقا لقائمة المدعوين الواردة في "الإعلان عن مؤتمر أنابوليس" الذي أصدره في بيان باسم وزارة الخارجية الأميركية سين ماكورماك، الناطق باسم الوزارة، في 20 الجاري فإن "السلطة الفلسطينية" وليس منظمة التحرير الفلسطينية هي المدعوة إلى المؤتمر.
وقد وجه الأستاذ في القانون الدولي فرانسيس إيه. بويل، المستشار القانوني للوفد الفلسطيني المفاوض ولرئيس هذا الوفد الراحل الدكتور حيدر عبد الشافي (في الفترة من 1991 إلى 1993) نداء "إلى أصدقائي الفلسطينيين" في 23 الجاري طالبهم فيه بلفت أنظار الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء العالم إلى هذه المسألة وقال في ندائه:
"يبدو أن الولايات المتحدة قد دعت عمليا الجميع في العالم... باستثناء منظمة التحرير الفلسطينية... وهي الوحيدة التي تملك السلطة حسب القانون الدولي للتفاوض باسم الشعب الفلسطيني ودولة فلسطين. ولهذا السبب وقع رئيس م.ت.ف. ياسر عرفات اتفاق أوسلو باسم م.ت.ف. ولا تملك السلطة الفلسطينية أي تفويض طبقا للقانون الدولي للتفاوض باسم الشعب الفلسطيني، ناهيك عن دولة فلسطين التي تمثل اللجنة التنفيذية لم.ت.ف. حكومتها المؤقتة... وعليه فإن وفد السلطة الفلسطينية هذا إلى مؤتمر أنابوليس ليس له أي سلطة قانونية طبقا للقانون الدولي لإبرام أي شيء باسم الشعب الفلسطيني، ناهيك عن دولة فلسطين".
وفي مقابل "وعد" أميركي بـ"إطلاق" مفاوضات سلام فلسطينية – إسرائيلية سقفها الزمني نهاية ولاية الرئيس جورج بوش في كانون الثاني/يناير 2009 ووعد آخر ما زالت دمشق تنتظر تأكيدا أميركيا له بوضع هضبة الجولان السورية المحتلة على جدول أعمال المؤتمر الذي تنظمه وترعاه واشنطن في أنابوليس يوم 27 الجاري، قرر العرب ب"الإجماع" إرسال 16 وزير خارجية إلى مؤتمر يعدهم فقط بالدوران في حلقة مفرغة جديدة من التفاوض عبر مسارات ثنائية على جزئيات حقوق ثابتة في قرارات للشرعية الدولية مطلوب تنفيذها لا التفاوض حولها خارج إطار الأمم المتحدة وفي حظيرة دولة أميركية كانت طوال الستين عاما المنصرمة مسئولة مباشرة عن استمرار الصراع لا جزءا من حله.
إن المشاركة العربية في مؤتمر أنابوليس بالمعطيات والظروف التي ينعقد فيها تعني من ناحية موافقة على الدخول في مفاوضات مفتوحة لا نهاية لها ربما إلا بانتهاء ولاية بوش وتعني من ناحية أخرى موافقة على ما لم تحرص لا تل أبيب ولا واشنطن على إخفائه من خططهما ونواياهما المعلنة لتصفية الوضع القائم في قطاع غزة بالقوة العسكرية إن لزم الأمر في حال عدم نجاح الحصار الخانق والتجويع البطيء في إنهاء هذه الحالة القائمة هناك حاليا.
فقرار المشاركة لا يعود على العرب إلا بوعد إسرائيلي بالموافقة على الدخول في مفاوضات كان العرب يسعون إليها ويكاد الفلسطينيون منهم يستجدونها بعد أن اختاروا جميعا "السلام كخيار إستراتيجي" لهم في الصراع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي التي تسعى إلى مفاوضات مفتوحة لا نهاية لها وتصر على أن تكون ثنائية المسارات منذ عام 1948 وكانت تنتظر التوسل العربي للتفاوض معها منذ أعلن وزير "دفاعها" الأسبق موشى دايان بعد احتلال عام 1967 أنه سيجلس في مكتبه منتظرا اتصالات هاتفية من القادة العرب يطلبون فيها التفاوض. أهداف أميركية – إسرائيلية تتحقق لكن الحليفين الإستراتيجيين الأميركي والإسرائيلي قد حققا مجموعة من الأهداف من القرار العربي بالمشاركة دفعت الناطقين الرسميين باسميهما إلى إعلان غبطتهما وترحيبهما في اليوم نفسه الذي اتخذ وزراء الخارجية العرب بالإجماع قرارهم بالمشاركة في القاهرة يوم الجمعة الماضي بعد يومين من الاجتماعات.
لقد كان تجاوز منظمة التحرير في أنابوليس -- وهو في الحقيقة تجاوز قائم فعلا حتى لو وجهت الدعوة باسم المنظمة وليس باسم السلطة لأسباب أضحت معروفة ليس أقلها الدعوات غير المستجابة لتفعيل هذه المنظمة ودورها – بعد القفز عن حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وبالتالي تغييب أي ممثل حقيقي للشعب الفلسطيني، هو أول الأهداف التي حققها الحليفان.
كما أن قرار المشاركة العربي ثانيا ضمن نجاح مؤتمر أنابوليس كمناسبة علاقات عامة "داخلية" سعت الإدارة الأميركية جاهدة إليها لتحسين وضع رئيسها الذي انخفضت شعبيته انخفاضا قياسيا نتيجة إخفاقات مغامراته العسكرية والسياسية في العراق ولبنان وأفغانستان وفي مواجهة إيران.
وهذا القرار ثالثا استدرج قوى عربية رئيسية، في الخليج بخاصة، من غير دول المواجهة مع إسرائيل إلى الموافقة على الجلوس لأول مرة على طاولة واحدة مع دولة الاحتلال وهذا هدف أميركي – إسرائيلي رئيسي في مجال تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل، بالرغم من تصريح أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى بان ذلك "لا يعني التطبيع" وحتى لو لم تجر "مصافحات" كما قال وزير خارجية العربية السعودية الأمير سعود الفيصل، وهو ما كانت "دول المواجهة" تسعى إلى تأجيله ليظل ورقة بيدها تطالب تل أبيب بدفع ثمن لها قبل الحصول عليها.
أما الموافقة على المشاركة من دول عربية تصدرت جهود الوساطة لإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني قبل التفاوض مثل العربية السعودية، راعية اتفاق مكة للوحدة الوطنية الفلسطينية، وقطر وسوريا فقد حققت للحليفين الإستراتيجيين، رابعا، موافقة عربية ضمنية على استمرار حالة الانقسام الفلسطينية كشرط إسرائيلي – أميركي مسبق للتفاوض تمهيدا لتصفية الوضع القائم في قطاع غزة بعد أنابوليس باعتبار تصفيته شرطا أيضا لنجاح أي مفاوضات مستقبلية وشرطا لتمكين القيادة الفلسطينية المفاوضة من الوفاء بأية التزامات توقع عليها وتتمخض عن هذه المفاوضات.
ثم إن المشاركة السورية في المؤتمر إن تأكدت تحقق للحليفين، خامسا، بداية نجاح لإستراتيجيتهما الهادفة إلى فك التحالف السوري الإيراني، من وجهة نظرهما في الأقل، وفصل دمشق عن طهران تدريجيا لإضعاف النفوذ الإقليمي الإيراني المتزايد الذي تستخدمه طهران إما لصد المخططات الأميركية العدوانية أو للتفاوض عليه مع واشنطن لاقتسام الهيمنة الإقليمية بدءا من العراق، وربما كانت الزيارة التي قام بها وزير الخارجية العربي السوري وليد المعلم للعاصمة الإيرانية مؤخرا تستهدف طمأنة الحلفاء الإيرانيين حول نتائج أي مشاركة سورية محتملة في مؤتمر أنابوليس. وكانت المجموعة الحزبية المشتركة من الجمهوريين والديموقراطيين حول العراق برئاسة جيمس بيكر ولي هاملتون قد أوصت الإدارة الأميركية في العام الماضي بالإتصال مع سوريا وإيران للتفاهم على تعاونهما في العراق ويبدو أن إدارة بوش قد أخذت بهذه التوصية على طريقتها كما تدل "تسهيلاتها" للمشاركة السورية في أنابوليس وكذلك الجولة الرابعة المرتقبة للحوار الأميركي – الإيراني حول العراق.
كما أن المشاركة العربية الواسعة في مؤتمر أنلبوليس تقرب الدول العربية التي تصنفها واشنطن "معتدلة" خطوة جديدة من "جبهة المعتدلين" مع إسرائيل التي تسعى الإدارة الأميركية إلى إنشائها في الشرق الأوسط لمواجهة إيران، مما يحقق للحليفين هدفهما السادس.
إن ما يجنيه العرب وخصوصا الفلسطينيون منهم من أنابوليس لا يسوغ قرار حكوماتهم بالمشاركة فيه أمام شعوبها، وعلى الأخص في ضوء ما سيجنيه الحليفان الإسرائيلي والأميركي من المؤتمر وقد كان قرار المشاركة مستهجنا أيضا في ضوء فشل الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، كما أبلغ الرئيس محمود عباس وزراء الخارجية العرب، في التوصل إلى وثيقة مشتركة يقدمانها إلى المؤتمر كخريطة طريق ترسم معالم ومسالك المفاوضات الموعودة، فإذا استحال على الجانبين إنجاز هذه الوثيقة بالرغم من لقاءات القمة الدورية كل أسبوعين بين الرئيس عباس ورئيس الوزراء إيهود أولمرت منذ أيار / مايو الماضي فكم سيحتاج الجانبان من الوقت لإنجاز الاتفاق على القضايا الرئيسية للوضع النهائي خلال الشهور الأربعة عشر المتبقية من ولاية الرئيس بوش ؟
وتزداد حيرة الرأي العام العربي حول الأسباب الحقيقية التي دفعت إلى المشاركة العربية بعد إعلان رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع أنه لن يعود إلى طاولة المفاوضات في هذه الفترة بسبب استحالة التوصل إلى اتفاق وإعلان الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس في الأسبوع الماضي عن "استحالة" التوصل إلى اتفاق سلام خلال ولاية نظيره الأميركي بوش. فهل يلام المراقب إن استنتج بعد ذلك بأن قرار المشاركة العربية لم يكن له ما يسوغه سوى العجز العربي عن مقاومة الضغوط الأميركية ورضوخ صناع القرار العربي لهذه الضغوط؟ فرصة تاريخية... لمن؟ إن "الفرصة التاريخية" التي أبلغ الرئيس عباس قادة الدبلوماسية العربية بأن أنابوليس تمثلها لإقناعهم بالمشاركة هي كما تشير كل الدلائل فرصة تاريخية فعلا لكن للأميركان والإسرائيليين وليس لعرب فلسطين بخاصة وللعرب بعامة.
وهذا يقود إلى تسليط الأضواء على الدور الفلسطيني في العمل ككاسحة ألغام لفتح بوابات الاعتراف والتطبيع وعقد معاهدات السلام التي كانت مغلقة عربيا وإسلاميا وعالميا أمام دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ تبادلت منظمة التحرير الاعتراف مع إسرائيل كمنظمة لا كدولة، كما يسلط الأضواء على العجز العربي الذي ساهم في محاصرة المقاوم الفلسطيني حتى أوصله إلى لعب دوره الراهن ك"عدو لنفسه" عندما رفضت كل العواصم العربية "الكفاح المسلح" الفلسطيني "عبر الحدود" وحثته على الانتقال إلى أرض الوطن وعندما فعل ذلك رفضت أي منها القيام بدور "هانوي" العرب خشية اتهامها ب"الإرهاب" قبل أن ترفض في الوقت الحاضر حتى الاستضافة السياسية لأي قيادة فلسطينية تفكر حتى بلجوء سياسي إليها لتحسين موقفها التفاوضي بعد أن وصلت مفاوضات السلام إلى طريق مسدود لأن دولة الاحتلال بعد سبعة عشر عاما من هذه المفاوضات ما زالت تصر على الاستسلام الفلسطيني ولا تسعى فعلا إلى السلام مع الشعب الفلسطيني.
ويبدو عرب فلسطين وعرب الجامعة العربية كمن يدور في حلقة مفرغة عندما يرمي كل منهم الكرة في ملعب الآخر لتسويغ المشاركة في ما يشبه لعبة كراسي أميركية – إسرائيلية يشاركون جميعا فيها بحماس خشية أن يقود الدوران حول الكراسي إلى خروج أحدهم من اللعبة. فالرياض على سبيل المثال تقول إنها "لا تخفي سرا" في أنها كانت "مترددة" في الذهاب إلى أنابوليس وأنها ما كانت لتذهب "لولا الإجماع العربي" على الذهاب، كما صرح الأمير سعود الفيصل. إنه حقا إجماع عربي بحاجة إلى جهابذة من الباحثين لفك طلاسم افتقاده عندما يتعلق الأمر بدعم أحد شعوبه ضد الاحتلال وطلاسم تجليه عندما يتعلق الأمر بالتفاوض على السلام مع المحتلين !
وفي أحدث مثال على أن من يصنعون القرار الأميركي والإسرائيلي باتوا يستخدمون الإجماع العربي للتعامل مع القيادة الفلسطينية المفاوضة كليمونة ناضجة تماما للعصر حتى النهاية، تقدم نائبان أميركيان بمشروع قرار غير ملزم للكونغرس (أحيل في الأسبوع الماضي إلى لجنة الشؤون الخارجية برقم 758)، بتحريض ودعم من جماعات الضغط اليهودية – الإسرائيلية، يحث محمود عباس على إلغاء ما لا يقل عن عشرة بنود في ميثاق حركة "فتح" التي يقودها وتقود بدورها المفاوضات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي كشرط لعقد تسوية مع منظمة التحرير قبل اللقاء "الدولي – العربي" الموسع في أنابوليس يوم 27 الجاري.
وأعلنت المنظمة الصهيونية الأميركية "زوا" دعمها الكامل لمشروع القرار وأثنت على النائبين "الجمهوري" روي بلنت و"الديموقراطية" شيلي بيركلي لتقديمه، وقال رئيس "زوا"، مورتون كلاين، في بيان منشور إن على " محمود عباس التبرؤ فعليا وعمليا بشكل فوري من ميثاق فتح قبل الدعوة إلى اجتماع مع حركة فتح من أجل إلغاء" البنود المستهدفة "صهيونيا".
إن تجربة تعديل ميثاق منظمة التحرير سابقة تجعل تكرارها مع ميثاق فتح أمرا واقعيا تماما كما أن مبادرة القيادة الفلسطينية السابقة إلى دعوة المجلس الوطني الفلسطيني للانعقاد لذاك الغرض فقط بعد تجاهل طويل لمطالبات أعضائه وغيرهم من الطيف الوطني لعقده هو أيضا سابقة تجعل مبادرة القيادة الحالية إلى دعوة المؤتمر الحركي لفتح للانعقاد لهذا الغرض أمرا واقعيا كذلك بعد طول تغييب لانعقاده.
وفي الحالة المحتملة الثانية كما في الحالة الأولى كانت قيادة المنظمة قد أقدمت في ممارساتها السياسية على ما ينتهك العديد من البنود الأساسية في الميثاقين على مسؤوليتها اللاحقة أمام المجلس الوطني والمؤتمر الحركي وبالتالي فإن المطالبة الصهيونية بتعديل الميثاقين المجمدين عمليا منذ عقود من الزمن لا تعدو كونها ممارسة تستهدف المزيد من الضغط على القيادة لانتزاع المزيد من تنازلاتها من جهة وإحراجها أمام قواعدها من جهة ثانية وتفجير المزيد من أسباب الفتن الداخلية من جهة ثالثة من أجل زيادة تفتيت الوحدة الوطنية لإضعاف الصف الفلسطيني في المفاوضات السياسية وفي المقاومة للاحتلال على حد سواء.
والمثير للاستغراب أن المفاوض الفلسطيني الذي صم آذان مواطنيه بالحديث عن "التبادلية" كشرط من شروطه للتفاوض مع دولة الاحتلال لم ولا يبادر إلى مطالبات مماثلة لتعديل الوثائق العنصرية الإستئصالية للكثير من القوى السياسية والحزبية الإسرائيلية الممثلة في الكنيست وفي الحكومات المتعاقبة، والتي يمثل أبرزها في حكومة إيهود أولمرت الحالية "إسرائيل بيتنا" وزعيمه أفيغدور ليبرمان الذي يشغل حقيبة وزير الشؤون الإستراتيجية. ويحلو لرموز التفاوض الفلسطيني جميعهم تكرار الحجة المقيتة الممجوجة بأنهم لا "يتدخلون" في الشأن الداخلي الإسرائيلي بينما يتدخل هذا الإسرائيلي يوميا في كل صغيرة وكبيرة فلسطينية وحتى في مفردات اللغة التي "يجب" على القادة الفلسطينيين استخدامها، إذ لم يغب عن الذاكرة الفلسطينية بعد مثال إملاء عبارة "نبذ الإرهاب" بحذافيرها على المفاوضين الذين أبرموا اتفاق أوسلو.
ويجد الرئيس عباس موقفه التفاوضي أمام امتحان وطني صعب يضطر فيه إلى إثبات أن المرونة التفاوضية التكتيكية المفرطة لا تعني أن المفاوض الفلسطيني ليمونة يسهل عصر التنازلات الإستراتيجية منها وفق الأهواء والأمزجة السياسية للإسرائيليين والصهاينة المنتشين بتفوقهم العسكري الكاسح والمحميين بالدعم الإستراتيجي الأميركي لهذا التفوق.
إن الإفراط في المرونة التفاوضية الذي اضطر المفاوض الفلسطيني إلى التنازل عن شروطه جميعها تقريبا التي سبق له إعلانها للذهاب إلى أنابوليس، بدءا من المطالبة بإعلان مبادئ أو وثيقة أو بيان فلسطيني – إسرائيلي ملزم يحدد سقفا زمنيا وآليات وضمانات للتفاوض على قضايا الوضع النهائي، قاد هذا المفاوض إلى الذهاب إلى أنابوليس كمن يُساق طوعا أو كرها إلى كمين أميركي – إسرائيلي يُحاصر فيه حصارا يذكر بحصار ياسر عرفات في كامب ديفيد عام ألفين، لكن الشهيد الراحل حينها أثبت أن المفاوض الوطني هو جوزة عصية على الكسر وليس ليمونة سهلة العصر.
وهذا الإفراط في المرونة، الذي يثير خشية وطنية واسعة من التفريط، هو الذي يشجع المنظمة الصهيونية الأميركية وقريناتها ومحركيها في تل أبيب والخانعين لها في واشنطن إلى الاستهتار بالمفاوض الفلسطيني واستضعافه حد التعامل معه كليمونة ينبغي الاستمرار في عصرها حتى الإنهاك فالاستسلام، كما يعتقدون.
ولا يفتأ المفاوض الفلسطيني يناشد مواطنيه وقواهم السياسية الدعم متجاهلا أنه هو نفسه المعول الأساسي في هدم أي دعم كهذا لأنه يصر على التفاوض على قاعدة الانقسام الوطني لا بل على قاعدة تعميق هذا الانقسام حد الإصرار على استئصال الآخر تلبية لأحد الشروط الرئيسية التي يشترطها شركاؤه في التفاوض كمرجعية ملزمة للمفاوضات، غافلا عن حقيقة أن هذا الانقسام هو نقطة ضعفه الأساسية.
وهذا الانقسام الوطني سابق على تورط أو توريط حماس في عملية أوسلو ومؤسساتها وهو الانقسام الذي غيب وجمد المرجعيات المؤسسية للمنظمة وفتح من أجل تمرير أوسلو وهو انقسام خلقته أوسلو نفسها أولا داخل فتح ذاتها، التي يطالب الصهاينة الآن بإلغاء ميثاقها، وفي صفوف منظمة التحرير قبل أن يتبلور مؤخرا إلى استقطاب بين حماس وبين فتح. أما التذرع بـ"انقلاب" حماس أو "حسمها العسكري" للمكابرة في الأخطاء التي تكاد تهدد بالتحول إلى خطايا فإنه لم يعد يقنع أحدا ليسوغ الاستمرار في نهج تفاوضي عقيم لم يعد بحاجة إلى أنابوليس أو غير أنابوليس لإثبات فشله. نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com