العِراق... مَهزَلة العَقل السِّياسي!

بقلم: رشيد الخيّون

كتب الحالم جُبران خليل جُبران (ت 1931)، في "المَجنون"، ما خلاصته: كانت وسط المدينة بئرٌ وحيدةً، رمت فيها سَاحرةٌ قطرات سائل غريب، وحذرت: كلُّ مَنْ يشرب من مائها يصير مجنوناً! شرب سكان المدينة، إلا الملك والوزير، فجنوا وأَخذوا يطوفون الطُّرقات: إننا نأبى أن يحكمنا مجانين! ولما سمع الملك والوزير بالخبر شربا فجُنا أيضاً، عندها هدأت المدينة لأن الملك ووزيره عادا إلى رشدهما! وبهذا تحققت الفكرة المغلوطة: "الملوك على دين شعوبهم".
هذا ما يحدث بعِراقنا، المجاراة بالتَّخلف، مِنْ مؤتمرات العشائر، إلى تجهيز وإكثار مواكب اللطَّامة، وإعلان ما يخيب الأمل ويَحط من العقل عُطل رسمية! وما صيحة النَّجف الأخيرة، مِنْ تلك المجاراة، إلا يقظة، فهي دار عِلم لا شعوذة!
أقول: كي يحتمل أهل العراق مَهزلة العقل السِّياسي الذي يدير شؤون بلادهم الغنية وهم الفقراء، يحتاجون لسائل الجنون، يرميه سَحرة مشعوذون، وما أكثرهم، في دجلة والفرات كي يجنوا ليستوعبوا المفارقة بين معارضة الأمس ووعودها الموردة، وما أملتهم من أحلام، وما هم فيه.
لما سقط العثمانيون (1918) كان هناك من المتدربين العراقيين على السياسة في مجلس "المبعوثان" باسطنبول، ومن الوجهاء العقلاء في طوائفهم وعشائرهم ومدنهم، فلما اجتمعت للعراق حكومة، وكانت بريطانيا تمثل دور الحاضن، تكاتفت الجهود، ولولا انزلاق الجيش إلى هاوية السِّياسة، بعد فيصل الأول (1933)، لنضجت عقول، وشفت علل، فلا يكن العِراق أقل حالاً من البلاد المتقدمة، وهو يملك ما لا تملك!
بعدها جرَّت الانقلابات العراقيين إلى الصِّراع الحزبي، ولما اضمحل ظهر ما هو مخبوء في القمقم، حيث خرج إلى الوجود ما توهّم البعض أنه بين أبي بكر وعمر وعلي. إنها فصول مِنْ مهزلة العقل السِّياسي، شعارات الحقبة السَّابقة تُرجمت بحذافيرها، مع تبدل المسميات، فالقائد الضَّرورة غدا قادة، وإلا مِنْ أين أتى هذا الغرور بحيث لا يوجد حكيم وقوي سوى المرشح الأوحد! وإذا درب مجلس "المبعوثان" عقولاً، فالصَّراحة أن معارضة ثلاثين عاماً لم تدرب سوى عقول مشوهة، ناهيك عما تركته السُّلطة السَّابقة مِنْ تشوهات جسام.
هناك تشارك في المهزلة بين المعارضة والسُّلطة السابقتين، صرح طارق عزيز مِنْ سجنه: أميركا إذا خرجت ستترك العراق للذِّئاب! وصرح نوري المالكي، من حيث كان يجلس صدام: إذا لم يوزر رئيس وزراء قوي سيعود القتل، وتسيطر "القاعدة"، ويتفتت العِراق... وهذا صحيح!
لكن، ما هو غير صحيح أنه الوحيد الذي تنطبق عليه تلك المواصفات، وأنه هو ذلك القوي الأمين! المعنى واحد والعقل واحد، الكلُّ ذِئاب بعد عزيز ونظامه! والكل ضعفاء غير مؤتمنين خلا المالكي وحزبه! ألا يستشف من هذا التَّلاقي في الخِطاب النَّرجسية العالية لدى النَّموذجين، إلى حدِّ الجنون، في إغفال الغير! إما صدام أو الذِّئاب، وإما المالكي أو "القاعدة" وتفتيت البلاد!
ليس أمر عادي أن خرج العراقيون، من قبل، وحداناً وزرافات، يهتفون بشعار الحزب القائد والرَّئيس القائد، مثلما هم اليوم يزورون الأضرحة سائرين مفجوعين حفاةً على مدار السَّنة، بل لابد أنهم شربوا من بئر الجنون، فالضخ الإعلامي الرَّهيب، والدِّعاية غير المنطقية، هي تلك القطرات التي رمتها ساحرة جبران، أو أنهم طلبوا ذلك للخلاص من عذاب العقل. كذلك لا يختلف التَّقليد الدِّيني، الذي ابتلي به أهل العِراق، عن مفعول سائل الجنون.
ما حصل ويحصل ليس عقلا لا في السِّياسة ولا في التَّدين، فالعقل غائب وراء المصالح الفئوية. يبدو أن مَنْ كان معارضاً، ويجيش الجيوش، لم يفكر بكائن اسمه العِراق، بقدر ما كان يحلم بسلطة المال والسِّياسة. فتحت مجلداً من جرائد المعارضة السَّابقة، أُقلب ناظري في التَّصريحات (الوطنية)، وأقول كيف استمر الوَهم من صنع سجينٍ لاختلاس ثائر من أجل التحرير من الطَّاغية، إلى الدَّفاع عن فساد صريح، والضَّائع تسعة وعشرون ملياراً مِنْ الدُّولارات! كيف كانوا يبررون التَّفجيرات بين المدنيين على أنها ضرب من النِّضال إلى اعتبار تبليط زقاق أنه منجز ما بعد السُّقوط! وللجواهري (1929): "ومِنْ عَجبٍ أن الذين تكفلوا... بإنقاذ أهليه هم العَقباتُ".
لا أنفي جرائم السَّابقين، وتكفي رسالة عزة الدُّوري إلى خاصته، والتي نُشرت أخيراً، إشارة إلى أن أولئك مصرون على العنف غافلون عما فعلوه بضحاياهم، ومع ذلك على العِراق الجديد التَّمييز بين معتقل أو مُفجر مكتب خطوط جوية، أو مفخخة قتلت الفنان محمد عبدالمحسن (1983) بباب الإذاعة، وهو صاحب أروع الأُغنيات: "سلم بعيونك الحلوة"، و"عمي يابو مشحوف تانيني"، "نار الشَّوك تجويني"، أو تفجير سفارة ببيروت، ومساواة أولئك المفخخين، بصاحب رأي ومناضل سياسي! لا يجوز للإعلام الحالي أن يظهر أولئك على أنهم مناضلون وشهداء بررة، وماذا عن ضحايا تلك المفخخات، وهم ليسوا ضباط مخابرات ولا حرسا جمهوريا، ألا يُعتذر منهم، ذلك إذا نويتم على المصالحة الحقيقية!
أقولها بصراحة؛ إن شأن قتلة المدنيين آنذاك شأن قتلة الشَّيخ طالب السِّهيل ببيروت، والأكاديمي توفيق رشدي بعدن، والسَّيد مهدي الحكيم بالخرطوم... وسواهم. لكن السُّلطة الحالية ورثت، وطاب لها، كذب وتلفيق السُّلطة السَّابقة! كانت تُعد قتلة أولئك مناضلين، وإن قضوا في مغامراتهم حُسبوا شهداء بررة أيضاً! كذلك مَنْ سطا على بنك أو خرب أنبوب ضخ نفط، حسبته معارضة الأمس مناضلاً، وإن قضى انتحارياً بين مدنيين شهيداً، وحسبك أن الشُّهداء بعراق اليوم غدوا طبقات.
اختصر الخليفة الشَّاب العباسي محمد بن الواثق المهتدي (قُتل 256 هـ) الطَّمع بالسُّلطة، عندما أراد وقف تلاعب الغلمان التُّرك بدفة الخلافة، مثلما هم حواشي اليوم، بالقول: "أما أنا فليس لي أمٌ أحتاج لها إلى عشرة آلاف ألف في كلُّ سنة لجواريها وخدمها والمتصلين بها، وما أُريد لنَفسي وولدي إلا القوت" (الطَّبري، تاريخ الأمم والملوك). كانت إشارة إلى سلفه وهيمنة والدته (أم المعتز) وقهرماناتها على بيت المال. فهل هناك مَنْ يقولها بصراحة ليس لدَيه ما يخاف على فقده من مصالح أسرة أو حزب!
أُذَكّر بالعلامة علي الوردي (ت 1995) وكتابه "مهزلة العقل البشري"، لما فيه مِنْ نقد لجنون التَّدين بانفعاله الطَّائفي، والاتكاء على الماضي، كيف ينعكس ذلك على العقل السِّياسي، ومحاولة عدم الخروج مِنْ قمقم التَّاريخ لمصالح الرِّجال، فعنوان المقال كان من وحيه. رشيد الخيّون