العِراق... الفقراء بين الميليشيات والانتخابات!

ماذا يعني موكب المالكي باسم مختار العصر؟

الدولة، أي دولة، إذا لما تحتكم الى قانونها، فإنها بلا شك تكون بلا هيبة واعتبار واحترام، هذا أولاً، وثانياً أن أساس الكيان لهذه الدولة أو تلك، يقوم على مبدأ وضعي هو القانون، وثالثاً أن الدولة إذا ما أرادت تطبيق هذا القانون، فلزاماً عليها تطبيقه بالعدل والتعميم، ورابعاً أن النكوص عن عدم الأخذ بالقانون، سواء أكان ذلك من قبل الدولة أم من قبل فئات الشعب، فهذا يعني قيام الفوضى وإنعدام الأمن، وبالتالي شيوع منطق العصابات والميليشيات، المتمثل في (عدالة الشارع)، من جراء إفتقاد عدالة الدولة! هذه الدولة التي من المفترض أن تتبدى في واجهة الحكومة!

إن (دولتنا) في هذا المشهد تبدو مضموناً وشكلاً، تتأرجح في هاوية انعدام الرؤية و التخبط والارتجال، سياسياً وأمنياً، أو أُخالها واقعاً ماثلاً ومعايشاً، بدت فيه مشهداً من الضياع والحيرة وغياب البوصلة، أو كما قال طيب الذكر المتنبي: (فعلى أي جانبيك تميل)؟!

كي لا نذهب بعيداً، فإن (حكومتنا) من قلعتها المحصنة في المنطقة الخضراء ببغداد، أصدرت أمراً عاجلاً، وهي على أبواب الانتخابات، يقضي بملاحقة الميليشيا التي إستعرضت عضلاتها أخيراً في ديالى، مع العلم أن تنظيم (القاعدة) يسرح ويمرح في المحافظة المذكورة، بدءاً و انتهاءً من القصبات والنواحي ومركز المحافظة (بعقوبة) وبساتينها، وحتى الى مناطق أخرى، مثل جبل حمرين الذي يتخذه هذا التنظيم الإرهابي، قاعدة من دون حسيب أو رقيب كما يقول المثل الشائع.

ومع ذلك فإن هذه الميليشيا، لم تتصد لتنظيم القاعدة و لم تحرك ساكناً تجاه عملياته الإرهابية أو على الأقل حماية بيئتها التي باتت عرضة للإستهداف اليومي من قبل الإرهابيين، بعدما عجزت الدولة عن ذلك، بيد أنها والشاهد هو استعراضها الآنف، عمدت الى القيام بافتعال مظاهر فارغة على هذا النحو، ومن خلال هذا الإستعراض، والذي جعلها تنتخي بأخواتها الميليشيات في بغداد، بغرض المشاركة والإسناد الاحتفائي، كي يبدو هذا الإستعراض و(الكرنفال) كبير الحشد و الحجم و التعداد و المساحة، بيد أن هذه الميليشيا لم تدرك أو بالأحرى لم تعتبر من الاستعراضات و(الكرنفالات) التي أقامها رئيس النظام السابق (المهيب الركن) صدام حسين، و التي كانت أحد العوامل التي أوصلت العراق الى ما هو عليه الآن.

لا نريد الدخول في تفاصيل ما حدث بشأن أمر إلقاء القبض على أفراد هذه الميليشيا، فمثل هذه الأوامر التي أصدرها القائد العام للقوات المسلحة، لم تنفذ الى أبعد من الجدران الإسمنتية التي تحيط بمقر الحكومة المعروف في كرادة مريم أو المنطقة الخضراء حسب التسمية الأمريكية التي باتت شائعة سواء شئنا أم أبينا، إستناداً الى أن مثل هذه الأوامر السابقة لم تصل الى الهدف المنشود، مثلما هي لم تُنفذ من على شاكلة الاعتراف الذي أعلن عنه رئيس الحكومة والمتعلق بحادثة اعتقال أحد رجال الأعمال، والذي يقيم في منطقة الحكومة ذاتها، حيث أعلن السيد رئيس الحكومة نوري المالكي، أن نجله (أحمد) اضطلع بمهمات أمنية، كان من ضمنها التوجه و إلقاء القبض على رجل أعمال متخصص بتجارة العقارات وشركات الحماية.

يُذكر أن تصريح رئيس الوزراء والذي أثار ضجة إعلامية وسياسية جاء قبل عيد الأضحى المنصرم بما يُقارب الاسبوعين، في حين أن رجل الأعمال الذي تسبب بشهرة (بطولة) نجل المالكي من دون أن يدري، كان يتنّعم بعطلة العيد في قصره في إحدى ضواحي لندن، في وقت كان فيه يعتقد الجمهور أنه داخل أسوار السجن، بيد أن هذا الاعتقاد فنده رجل الأعمال، عندما ظهر.

من على إحدى شاشات التلفزة العراقية، وأعلن من خلال هذا الظهور، أن هذه الحادثة وقعت منذ سنوات خلت! ولم تكن بمثل التوصيف الذي ذكره السيد رئيس الوزراء، وأن ما ذكره بهذا الخصوص لم يكن دقيقاً، و أن مرد ذلك يعود الى تعب ذاكرته! بل وزاد أن هذه الحادثة وقعت بسبب التباس في فارق تسديد إيجار العقارات، وقد تمت تسوية هذا الالتباس في حينه.

المهم، أن العراقيين راحوا يتندرون على هذه الأخبار (الميليشياوية)، خصوصاً وأن السيد رئيس الوزراء و القائد العام للقوات المسلحة، لم يطلعهم على الإجراءات التي أتخذها بحق الميليشيات التي قبل أشهر قليلة، دهمت مطاعم ونوادي و مقاهي الكرادة، بحجة أو بأخرى، كانت في جلها سمجة و تثير الضحك والشجون في آن، كما لم يطلعهم أيضاً على الإجراءات التي أتخذها بحق مسببي ومفتعلي الصدام أو الاحتراب الميليشياوي الذي وقع قبل فترة في مدينة الثورة ببغداد – مدينة الصدر حالياً ومدينة صدام سابقاً- وبالتالي راح الجمهور العراقي يتساءل، لماذا يتم تطبيق القانون تخصيصاً في ديالى، ولا يتم تطبيقه تعميماً على ما جرى في بغداد، إذا كان الأمر جدياً و يتعلق بتطبيق القانون؟!

و في هذا السياق، كشف رئيس الوزراء نوري المالكي أمام حضور نسوي حزبي في مناسبة عاشوراء، أن الميليشيات في مدينة الشعلة ببغداد، كانت السبب في عدم اكتمال مشروع سكني للفقراء، بوشر العمل فيه منذ العام 2005، عندما راحت تهدد وتبتز المقاول، والسؤال هنا: لماذا لم تقم الدولة بحماية المشروع والمقاول من هذه الميليشيات، هذا جانب، والجانب الآخر لماذا لم تقم الحكومة بإناطة مهمة بناء وإتمام هذا المشروع الى إحدى الشركات الحكومية المختصة في البناء والإعمار؟ والسؤال الآخر والآخر، لماذا راح السيد رئيس الوزراء، يثير كل شاردة و واردة تتعلق بإسم (الفقراء) في هذا الوقت، بعدما صمت دهراً عن إثارة مثل هذا الموضوع أو ذاك؟

الجواب على هكذا أسئلة، ليس عصياً على العراقيين، ففي هذا الوقت راحت تقترب الانتخابات، وكلما مرَّ الوقت تكاثرت فيه التصريحات والقرارات والقوانين التي تتعلق بالفقراء، وهذا ما حصل أخيراً، عندما قرر مجلس الوزراء بيع الأراضي السكنية للفقراء بسعر 100 دينار للمتر الواحد.

عبد الزهرة الركابي

كاتب عراقي