العِراق: الطائفية الورقة المهيمنة في الانتخابات

الدم يجري والطائفة تضمن الفوز

حتى لو أردنا أن نخدع أنفسنا، فنحسن الظن بالمالكي، وقلنا إن الرجل قد بلغ بعد كل هذه السنين من التجربة، قدرا من الرشد السياسي، يجعله لا يعتمد الورقة الطائفية، من أجل الفوز بالانتخابات، نجد إنه لن يملك ورقة غيرها يستخدمها تمكنه من الفوز. وسأوضح أسباب ذلك، كما أرى المشهد السياسي، وقد يراها غيري على غير ما أرى، ولكل رؤية قدرها من الصواب، وقدرها مما دون ذلك.

معظم، ومن أجل ألا أعمم فأقول كل، بل معظم من عرف المالكي، عبر الثماني سنوات التي حكم فيها العراق، تبين له بوضوح، إن أولى الأولويات وأم الأولويات عند نوري المالكي؛ هي تلك الأولوية التي تتقدم عنده على كل أولوياته، ألا هي تجديد الولاية له للمرة الثالثة. إذا عرفنا ذلك، وبالتالي عرفنا مدى أهمية أن يسعى المالكي بأقصى الممكن، بل وبما وراء الممكن، ليحصد القدر الكافي من أصوات الناخبين، سنجد إنه لا يملك إلا أن يلعب مجددا وبإصرار الورقة الطائفية، حتى لو افترضنا أنه لا يريدها، لكنه بكل تأكيد يحتاجها.

لماذا هذا الافتراض يا ترى؟ ليخبرني من يشك بما بينته آنفا، هل هناك من يعتقد إن من السنة، أعني من الذين تهمهم سنيتهم، من سينتخب المالكي؟ بكل تأكيد لا. السني اللاطائفي، أي الذي لا تهمه سنيته بقدر ما تهمه عراقيته، هو الآخر من المستحيل أن ينتخب المالكي. كما إنه لن ينتخب المرشحين السنة الذين سيلعبون من جهتهم كذلك الورقة الطائفية، بل خياره سيكون من خارج دائرة الطائفيين من الطرفين، ومن خارج دائرة الإسلاميين.

ولنتناول بعض السياسيين (السنة)، وأعني هنا الصفة السنية الملازمة لهم كسياسيين، فهم (سياسيون سنة)، كما هناك من هم (سياسيون شيعة)، إذ إن هناك من هم شيعة ويبقون على شيعيتهم في غير الشأن العام، لكنهم لا يتعاطون السياسة كشيعة، كما هناك من هم سنة ويبقون على سنيتهم، لكنهم لا يتعاطون السياسة كسنة، ومثل هؤلاء إما لا وجود، أو لا تأثير لهم.

إذن أقصد هنا (السياسيين السنة) كسياسيين سنة. من لدينا من الرموز؟ الضد السني للمالكي اليوم هو أسامة النجيفي. كما طرحت السؤال عن المالكي، ما إذا كان من السنة من يمكن أن ينتخبوه، أقول هنا أيضا، هل يعتقد أحد أن هناك من الشيعة من سينتخب أسامة النجيفي، بعدما أكد سنيته كسياسي بشكل لا يقبل الشك من خلال أدائه سيما منذ انطلقت الانتفاضة السنية؟

وإذا قلنا باستبعاد، ولا أقول استحالة، أن ينتخب سني المالكي، أو ينتخب شيعي النجيفي، فمن المستبعد أكثر من هذا بكثير، أن ينتخب كردي أيا من الاثنين.

إذن سيكون هناك عراك انتخابي شيعي سني، يتصدر المعركة الانتخابية الشيعية رئيس مجلس الوزراء، ويتصدر المعركة الانتخابية السنية هذه المرة على ما يبدو رئيس مجلس النواب. وسيكون على الجانبين عرّاكة ثانويون.

ولن يكون هناك تنافس سني شيعي فقط، بل سنشهد تنافسا شيعيا شيعيا، وآخر سنيا سنيا. المنافس الأساسي للمالكي من بين الشيعة هذه المرة هو مقتدى الصدر، بلا منازع، ويليه عمار الحكيم. والمنافس الأساسي للنجيفي من السنة سيكون المطلگ. لكن المطلگ لن تكون له من الحظوظ كما لمنافسي المالكي المذكورين آنفا، ناهيك عن أن تكون له حظوظ كما للنجيفي، لأنه مرفوض سنيا للغزل الذي حصل بينه وبين المالكي. وربما يشكل تحالفه مع مشعان الجبوري نقطة ضعف إضافية.

أين يبقى إذن علاوي من كل ذلك؟ في تصوري وحتى هذه اللحظة، والمتغيرات ممكنة، إن علاوي سيضعف كثيرا، لأن السنة قد تخلوا عنه، ولأن الباحثين عن البديل الديمقراطي العلماني، الذي يرجح أصحابه تسميته بالمدني، لن يكون خيارهم علاوي، باستثناء القلة القليلة، ولأن البعثيين لهم خيارات أخرى.

مع كل السلبيات، يمكن أن نسجل إيجابية، تمثل خطوة متقدمة ستحققها انتخابات 2014 مقارنة بكل من انتخابات 2005 و2010، ألا هي نزول الأحزاب التي كانت منضوية تحت ائتلاف موسع، بشكل منفرد، وليس ضمن قائمة ائتلافية. من هنا سينزل المتنافسون الشيعسلامويون الثلاثة إلى حلبة المصارعة الانتخابية، كل على انفراد، وأعني «دولة القانون» لصاحبها حزب الدعوة لصاحبه نوري المالكي، «المواطن» لصاحبه المجلس الأعلى لصاحبه عمار الحكيم، «الأحرار» لصاحبها التيار الصدري لصاحبه مقتدى الصدر.

أما الأطراف الشيعسلاموية الأخرى، كـتيار الإصلاح لصاحبه الجعفري، الفضيلة السيستانيون المستقلون، فإما إنهم سينزلون بقائمة أخرى أو أكثر، أو سينضم كل منهم تحت خيمة الثلاثة الأساسيين: دعوة، مجلس، تيار. فالجعفري الذي نزل المرة السابقة مع المجلس والتيار والفضيلة ضمن «الائتلاف الوطني»، وجدنا أنه أصبح أقرب إلى دولة القانون منه إلى الائتلاف الوطني، فهل سيرضى لنفسه أن يكون في قائمة يكون فيها تحت برئاسة المالكي؟ على أي لندع الآن التكهنات.

تكلمنا عن السياسيين، عن الكتل، عن التيارات، عن الرموز. لكن أين المواطن، أين الناخب من كل ذلك. أراني أرجح حاليا الابتعاد عن التخمينات، وعن تقدير النسبة التي تشكلها الجماهير الرافضة أو المتذمرة، أو المتطلعة إلى البديل الأفضل. ولا أريد أن أقول إن الغلبة ستكون لملايين اللطامة والمشاية، أو للضد النوعي في ساحات الاعتصام السنية، أو لأولئك الذين يريدون للعراق الأصلح، الذين شهدناهم عام 2012 في ساحة التحرير.

في كل الأحوال هناك شريحة من الشعب العراقي، لا أقول إنها 10%، ولا أقول 70%، بل أقول هي نسبة ما من هذا الشعب، لا تريد الطائفيين، لا تريد الإسلاميين، لا تريد مسيسي الدين، والمذهب، والشعائر، واللطم، والزيارات، والمرجعيات، لا تريد الفاسدين وسراق المال العام، لا تريد مزوري الشهادات، لا تريد المستقوين بإيران من جهة، ولا أولئك المستقوين من جهة أخرى بالسعودية أو قطر أو تركيا، لا يريدون معممين سنة، ولا معممين شيعة، يتحمكون في المشهد السياسي، ويمنحون لأنفسهم الوصاية على عقول الناس وحرياتهم.

هذه الشريحة تريد الوطنيين المحبين للوطن ولخير الشعب. تريد المؤمنين بالمواطنة، لا المنتمين إلى الأمة الشيعية، أو الأمة السنية. تريد الرافضين للتدخل الإيراني، وللتدخل السعودي، وغيره، على حد سواء. تريد الكفوئين. تريد تيارا ديمقراطيا مدنيا. تريد المؤمنين بالحريات، وبحقوق الإنسان. تريد الذين لا يميزون بين سني وشيعي، ولا بين عربي وكردي أو تركماني وآشوري، ولا بين مسلم ومسيحي أو صابئي وإيزيدي، ولا بين مؤمن وملحد أو لاأدري. تريد من يبني العراق. تريد من يحمل هم الفقير.

تريد من يريد أن يأخذ بالعراق إلى مصاف الدول المتقدمة. تريد من يعمل على توفير الكهرباء، والماء، وشبكة حديثة للمجاري وتسريب مياه الأمطار. تريد من يعمل بجد على توفير أفضل الخدمات الصحية والمستشفيات العصرية. تريد من يبني المدارس النموذجية. تريد من يرفع الحيف عن المرأة. تريد من يعمل على رفع مستوى الإنسان العراقي في عيشه، إلى ما يحقق له آدميته.

تريد من يحفظ للقضاء استقلاله، كما للهيئات المستقلة استقلالها الكامل، حقيقة وليس ادعاءً. تريد من يفتح الآفاق لنمو وتطور الفكر والثقافة والفن. تريد من يسعى لتحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية، وفق خطط وبرامج علمية، وليس عبر التمنيات ولا الشعارات. تريد من يفرض على دول الجوار ودول العالم احترامها للعراق وسيادته، والكف عن إيذائه أمنيا، وسياسيا، ومائيا، وبيئيا، واقصاديا، والتدخل في شؤونه، كما لو كان العراق ولاية من ولايات هذه أو تلك الدولة الحاشرة أنفها في شؤوننا، إلى ما بعد اللاحياء.

أسنجد من جمهور الناخبين، عددا كافيا، يرفض منح صوته للطائفيين الشيعة أو الطائفيين السنة؟ أسنجد من جمهور الناخبين، عددا كافيا، يرفض منح المالكي فرصة تجديد الولاية؟ ذلك ليس من قبيل الكره أو العداء لشخص المالكي، بقدر ما هو درء لخطر التأسيس لديكتاتورية تتدكتر بآليات الديمقراطية، وتتعكز على الدستور، وهي من أخطر أنواع الديكتاتوريات، لأنها ديكتاتورية بمظهر ديمقراطي، ولادستورية بغطاء دستوري.

من سيربح الانتخابات، هل سيربحها أولئك السياسيون الذين سيلعبون الورقة الطائفية، ويكون الخاسر هو الشعب، بما في ذلك الجماهير التي ستنخدع بهذه اللعبة مرة رابعة، أم ستربحها الإرادة الشعبية الحرة والواعية والمصرة على التصحيح؟

التصحيح يجب أن يتحقق الآن، ولو بمقدار، الآن أي في الثلاثين من نيسان المقبل عام 2014، وليس في انتخابات 2018، أو 2022، أو 2026، أو لا قدر الله حتى 2030. فلا تخدعن الورقة الطائفية الشيعية الناخب الشيعي، ولا تخدعن الورقة الطائفية السنية الناخب السني، فلا السياسيون الشيعة هم المدافعون حقا عن مصالح الشيعة، ولا السياسيون السنة هم المدافعون حقا عن مصالح السنة. وحتى لو وجدنا كشيعة سياسيا شيعيا يدافع بصدق عن مصالح الشيعة، ووجدنا كسنة سياسيا سنيا يدافع بصدق عن مصالح السنة، علينا أن نرفضهما، لأننا، نحن العراقيين، سنة وشيعة ولامذهبيين، ومسيحيين وصابئة وإيزيديين ولادينيين، لأننا نحتاج، ولأن العراق يحتاج إلى سياسيين يدافعون عن مصالح الشعب العراقي، بقطع النظر عن الدين والمذهب والقومية، وعن العراق وأمنه وسيادته وتقدمه.

ضياء الشكرجي

كاتب عراقي