العِراق... إخوان دعم الدِيمقراطية!

بقلم: رشيد الخيّون

اجتمع ثلاثون عراقياً، بينهم أطباء ومهندسون وتربويون وكتاب وباحثون. تقاطروا مِنْ أغلب طوائف العراق. لاحظت الكردي والعربي، السُّنَّي والشِّيعي، المسيحي والمندائي. لم أتعرف على أُصول بقية الوجوه، فقد صار السُّؤال عن الهوية الطَّائفية مخجلاً حقاً. على أية حال، كانت الهوية هي العِراق وكفى به هويةً. فلو أخذوا التَّأليف على أساس الطَّوائف لخاب المسعى، وسقط العنوان: "دعم الدِّيمقراطية"!
تنادوا دعماً للدِّيمقراطية في قاعة صغيرة، بحجم الغرفة، بحي مِنْ أحياء لندن، اسمها قاعة "نيلسون مانديلا". والاسم له دلالته، فإن وُهب شعب جنوب أفريقيا رمزاً مثل مانديلا، كفاهم شرَّ الاجتثاث الثَّأري، على الرَّغم من حجم الآلام التي حلت بقومه، فالعِراق لم يُوهب تلك الهبة، بل على العكس حلت عليه كائنات لا تعرف سوى ملء الجيوب، والامتداد عبر شركات ومؤسسات تحلبه حلباً، ولاغت بدماء شعبه.
ليس لنا الحق بالتَّعميم، إنما هناك مَنْ حسب حساب الفضيحة فتعفف، لكن ما أقبح مَنْ جعل العراق منجم نهب بلا قيد، فبيعت مؤسساته، وتحولت عمائر بغداد إلى أملاك للعائدين من الخارج، لا الخارجين من السُّجون شأن مانديلا. ممَنْ ملأ الأسماع عويلاً على آلام العراقيين غير أن شأنه شأن "النَّوائح المستأجرات": "بكى الشَّجو ما دون اللهى مِنْ حُلوقها.. ولا يبكِ شجواً ما وراء الحناجر" (الجاحظ، كتاب البِغال). أما مانديلا فكان النَّائحة الثُّكلى.
تبلور تيار دعم الدِّيمقراطية بعد ترقب لسنوات. ذهب وفده إلى بغداد، وعقد لقاءات مع أحزاب ومنظمات وشخصيات، وحصل على إسناد بعضها، بحذر وتوجس. فالدَّعم ضد مَنْ ومع مَنْ، والخلل في الرَّأس لا في الأطراف! عقد اجتماعاً موسعاً بأربيل (2007)، وكانت إيجابيته حضور فتيان وفتيات وكهول مخلصين مِنْ عمق البلاد، لكنهم بلا حاضنة. ثبتَ التَّيار لسَنوات، سرب خلالها بياناً أو رأياً لم يُسمع. تنادى من جديد، رداً على تسفيه نتائج الانتخابات الأخيرة، فكان اجتماع غرفة مانديلا، الجمعة الماضي.
طُرحت فيه معوقات الدِّيمقراطية، وأولها غياب مرحلة الانتقال. هكذا يراها طبيب قادم مِنْ ألمانيا. فألمانيا التي تمرنت على الدِّيمقراطية، قبل النَّازية، لم تُعلن الانتخابات إلا بعد سنوات قضتها في تأهيل الألمان مِنْ جديد، بعد دكتاتورية وحروب وحصارات. وهذا ما كان يجب فعله بالعراق، لكن مَنْ أصروا على الانتخابات، وسط الفوضى، شعروا أن التَّأهيل ليس بصالحهم، أو على ما أظن استعجلوا السيطرة على السُّلطة، وبالفعل كانت غنيمة الغنائم.
هناك مَنْ اعتبر التَّاريخ عاقاً لوجود مزاج ديمقراطي عراقي، وضرب مثلاً على نجاح الدِّيمقراطية بالهند، وعزاه إلى تسامح البوذية غير المحدود. فالهند أنزلت الدِّيمقراطية إلى الفلاحين أولاً، وعدلت بينهم في توزيع الماء، فتنعم الفلاح، وهو أساس المجتمع، ولم يجد نفسه إلا ديمقراطياً. ولم تشهد الهند انقلابات عسكرية مثل التي شهدتها رفيقتها باكستان. عندها شعرتُ أن المتداخل أراد السَّير على الجادة الهندية، ونِعم الجادة.
إن العِراق بثرواته الهائلة، إذا نهج نهجاً ديمقراطياً سليماً، مع خلوه مِنْ أشباه أعاظم مثل غاندي (اغتيل 1948) وآل نهرو (ت 1964)، سيتجاوز الدِّيمقراطية الهندية، فهي، مع ثباتها، ما زالت عاجزةً عن الحدِ مِنْ تكاثر الفقراء، والتَّقليل من الفجوة ما بين الطبقات، وتلك ظروف البلاد القاهرة. لكن الأصل أن ساسة الهند نقشوا هندهم في القلوب، فتلاشت إزاءها بقية الانتماءات. بينما فشل ساسة العِراق، في أول اختبار، عندما رضوا بمجلس حكم الانتماءات كافة حاضرة فيه سوى العِراق.
لا أرى الإرث الدِّيني عائقاً بمجمله، ونحن نحسب الأمس أفضل، وتلك خصلة بابلية. فقيل كان العراقيون القدماء يتجهون من النَّاحية النَّفسية إلى الماضي (كلشوف، الحياة الرَّوحية ببابل)، وما زلنا هكذا. لكن هناك مِنْ الماضي ما يساعد بإضاءة قنديل الدِّيمقراطية. فدعونا نتأمل قول قَيْس بن الخِطيم، وانظروا الزَّمن (620 ميلادية): "نَحـنُ بِما عِندنا وأَنتَ بِما عِندكَ.. رَاضٍ والرأَيُ مُختَّلفُ" (الغنيمي، ابتهاج الصدور).
أليس ما كتبه إخوان الصفا، وهم جماعة لا يقلون حَيرة مع زمانهم (القرن العاشر الميلادي) من حَيرة إخوان دعم الديمقراطية، أكثر ليبرالية ممَنْ يدعي الليبرالية وهو الكذوب! قالوا: "ينبغي لإخواننا أيدهم الله تعالى أن لا يعادوا علماً من العلوم، أو يهجروا كتاباً مِنْ الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب مِنْ المذاهب، لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلُّها" (رسالة العِشرة). قالها بمفردات أُخر، بغرفة مانديلا، العلماني والدِّيمقراطي الصَّدوق ضياء الشَّكرجي، مِنْ دون أن يقرأها عند إخوان الصَّفا مِنْ قبل، بمعنى هناك في التُّراث ما ظل جمرةً متقدةً يتناقل تجربةً إنسانيةً، وفي مكان اسمه العِراق.
كان الشَّكرجي، حتى بعد أبريل 2003، عضواً فعالاً في حزبه الدِّيني. قضى فيه زهرة شبابه وشطراً مِنْ كهولته. ظل الرَّجل ملتزماً بفروض دينيه بعد تركه الحزب. ليس الشَّكرجي وحده إنما الكثيرون ممَنْ لم يجدوا إمكانية للتَّغيير داخل أحزابهم العقائدية الضيقة، فتحرروا مِنْ أسرهم الذي لا يتوحد الوطن داخله، مع البقاء على التزامهم الدِّيني، وهو ما بينهم وبين الله. أجدها بينةً على أكذوبة ربط العلمانية والليبرالية بالإلحاد. وإن مقولة: "الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوه" (نهج البلاغة) تؤكد بأن الكتاب يسع الجميع؛ فيه ما يسند الليبراليين العلمانيين أيضاً، خارج التُّهمة المعروفة.
لقد شرق وغرب إخوان دعم الدِّيمقراطية في المعوقات والآليات، لكن ألا يظلم العراقيون عندما يُطرح أنهم لم يحسنوا لفظة الدِّيمقراطية، أو أنهم محبو دماء، مع أن العثرات "الذَّين تكفلوا بإنقاذ أهليه..."، عندما تعاملوا مع الدِّيمقراطية بأخلاق السُّوق، لا بعلم السِّياسة، بحرمانه من فترة التَّأهيل الكافية، وهذا ما تورطت به المرجعية الدِّينية، بإصرارها، بمشورة الأفاكين، على الاستعجال بكتابة الدُّستور، والانتخابات بلا تأهيل.
صحيح إخوان دعم الدِّيمقراطية قلةٌ في العدةِ والعدد، وليسوا حزباً ولا ائتلافاً، إنما عليهم الاقتداء بإخوان الصَّفا، يسربون رسائلهم إلى جيل مِنْ الفتيان الأعوان، لا يريد الدِّيمقراطية دورات انتخابية، إنما مِنْ معانيها وضع حدٍ للفساد الشَّره، والنَّظر في مناهج التَّعليم المخزية، وحفظ وحدة العِراق. صحيح أيضاً أن الدِّيمقراطية العراقية مشوارها طويل متعثر، لكنها المصير، ودعمها ليس جهداً خاسراً، وإن كانت البداية بثلاثين داعماً. ليكن عنوان هذه الجماعة "إخوان دعم الدِّيمقراطية"، فالأخوة ليست حكراً لـ"الإخوان المسلمين"، ومِنْ قبل كان إخوان الصفا وخلان الوفاء، والأخوة عندهم "أعزَّ مِنْ الكبريت الأحمر" (رسالة العِشرة). رشيد الخيّون