العيد.. ما زال بيت المتنبي بلا منافس!

لا لعوز في المواضيع كي نكتب عن عنوان يبدو خالياً من وجهة نظر، فليس أغزر من حوادث هذه الأيام: حرب مدمرة بقلب دمشق وحولها، والمتاريس بدأت تعلو داخل القاهرة، وتحشدات وسط تونس بعد كل اغتيال، وقوافل القتلى لا تنقطع على أرض بغداد الساخنة في المناخ والصراخ، ولا نقول في السياسة لأن ما يجري ليس سياسة. نعم العناوين تتكاثر «فلا يدري خراش ما يصيدُ». ولعلّها مناسبة نادرة أن يُصادف نشر المقال عشية عيد، فبداية صيام هذا العام كان أربعاء وخاتمته أربعاء أيضاً.

هناك عبارتان صارتا من ألفاظ الكتابة والكلام السائرة: «الزمن الرديء»، وهذه من الكلام المشاع، ولا أرى زمناً (العقود التي عشتها) خلا من الندب به، مع أن كل زمن، على العموم لا الخصوص، أفضل من الذي يليه، لهذا توطنا على ذكر الماضي بحسرة مع أن منطق الأشياء يقول غير ذلك.

أما العبارة «عيد بأية حال عُدت يا عيد»، فهي الأشهر تداولاً في الرسائل والخُطب، وعلى الخصوص إذا شهد فجر العيد كارثةً، تمنع الناس من الإحساس بالهناء، وإذا لم يهنئوا بصبيحة عيد فبأي الأيام يهنئون؟ صحيح أنها ليست الكناية الوحيدة التي اقتبسها الأولون والمتأخرون من أبي الطيب المتنبي (اغتيل 354هـ)، إنما أكثر الأمثال والكنايات السائرة من منحوتات هذا الكوفي، الذي ما زال ضريحه قائماً على خطوة من شاطئ دجلة جنوب بغداد بمنطقة قديمة الاسم والمكان (النعمانية). فترى مؤرخي الأدب اعترفوا له بالقدرة الفائقة على إرسال الأمثال في أنصاف الأبيات والأبيات (الثَّعالبي، يتيمة الدهر).

وكانت القصيدة الأكثر عنصريةً في الشِّعر، والأكثر تداولاً أيضاً، ليس بسبب كنايتها عن رداءة الحال فحسب، بل لقسوة الهجاء فيها وهي موجهة إلى حاكم مصر كافور الإخشيدي (ت 356هـ)، ومعلوم أن «كافور» من مسميات الأضداد، وكان على جامعي ومحققي ديوان المتنبي ألا يضعوا عنوانها «لا تشتري العبد»، فالشاعر لم يُسمِّ قصائده إنما سمَّيت بعبارة استهلال أو مناسبة. قالها في ليلة العيد، وقد نوى مغادرة مصر بلا عودة. ولتداولها في الأعياد، وفي درس الإنشاء للتلاميذ صارت مملةً، ومع ذلك ما زالت الأشهر والأنسب، فالمتأخرون على المتنبي لم يجيدوا بما يطغي عليها «.. بما مضى أمْ لأمرٍ فيك تَجديدُ» (الديوان)؟

العيد لغةً العود، من عودة هذا اليوم من عام إلى عام، وصار مقترناً بالسرور والحبور، وإلا فالأيام كلها تتداول. وما جمعت بالأعياد إلا لتفريقها عن أعواد الخشب (الجوهري، الصحاح) وأضيف أو آلة الموسيقى (العود).

ليس هناك تاريخ يُحدد متى عَرف البشر الأعياد، وإذا أُرخ فلا يعكس الحقيقة، فهي مناسبات نشأت متدرجة ومتداخلة، يصعب تحديد مبتكر لها، ولستُ ممَن يثق بما ورد في «الأوائل» لأبي هلال العسكري (نحو 395 هـ). لكن المعلوم أن الأعياد فسح للبشر وأيام لنزع العداوات والتأمل في حسنات التعايش، وسمعنا: من العيب أن يتصابح الناس في عيدٍ ولا يتناسون ما وغرت به صدورهم من حزازات، فمثلما يظهرون بثياب نظيفة وزينة أنيقة عليهم التقدم لبعضهم بأرواح خفيفة الظلال.

ليس من قوم أو دين خليا من العيد، فكان للعرب قبل الإسلام عيدان، أو يومان، ويبدو أنهما كانا بيثرب، نحمل ذلك على معرفة صاحب الرسالة بعد وصله المدينة عندما قَدم ورأى الناس يلعبون، ولما سأل عنهما قيل له: «كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال: قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر. قيل هما: النيروز والمهرجان، وإنما بُدلا لأنه ما مِن عيد في الناس إلا وسبب وجوده تنويه بشعائر دين أو موافقة أئمة مذهب أو شيء مما يُضاهي ذلك» (الآلوسي، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب).

كان ذلك في العام الثاني للهجرة، وهو العام الذي شُرع فيه صوم رمضان، وأُمر الناس بإخراج زكاة الفطر، وفيه كانت المرة الأولى يُصلى بصلاة العيد (الطبري، تاريخ الأمم والملوك). يقول محمود شكري الألوسي (ت 1924) وهو من فقهاء العراق الأعلام: «لما كان أصل العيد الزينة استحب حسن اللباس والتقليس، أي ضرب الدفوف» (بلوغ الأرب). ومعلوم أن جماعات التشدد تأخذ الناس بـمقولة «سداً للذرائع»، فلا تبيح ما قاله ومارسه الأولون وشهد به الفقهاء المتأخرون، وهو ما أطلقوا عليه الفرح الطبيعي، ويجوز لنا القول: الفرح قاعدة والحزن استثناء!

كان خلفاء المسلمين يخرجون لإمامة صلاة العيد والخطبة، وقرأت خطبة للخليفة عبدالله المأمون (ت 218هـ) استهلها قائلاً: «إن يومكم هذا يوم عيد وسُنة وابتهال ورغبة، يوم خَتم به صيام شهر رمضان، وافتتح به حج بيته الحَرام» (ابن قتيبة، عيون الأخبار). وبعد الصلاة، التي خلت من الأذان والتكبير والإقامة، يتقدم المهنئون لتهنئة كبار القوم. قال أحد قضاة بغداد: «كان من عادتي في أيام الأعياد أن أُغلِّس في الركوب إلى دار علي بن عيسى الوزير، على ما يقتضيه اختصاصي به لأركب معه إلى المُصلَّى، ومنه إلى دار السلطان، ثم أعود في صحبته إلى داره، وأجلس بين يديه، إلى أن يتقوض موكبه» (الصابي، رسوم دار الخلافة).

هذا، وبغداد التي ليس اليوم لدى المؤرخ ما يؤرخ له من مباهاة، كانت في العهد العباسي تزين للعيد بأحلى الزينة، و«في دجلة ضروب السفن والمراكب المعروفة يومذاك، كالشبارات والزبازب، والزلالات، والسميريات والطيارات والشذاءات، كلها بأفضل زينة وعلى أحسن تعبئة مملوءة بالناس، تروح وتجيء» (عواد، حضارة بغداد في العصر العباسي).

كتب التراث ملأى بأخبار العيد، وبغداد على وجه الخصوص، ومع ذلك لم تخل آنذاك من منغصات أهل الحسبة الذين يفرضون أنفسهم بقوة اجتماع العصابة وشعار الدين على طريقتهم. منذ ألف عام والمشاهد تتكرر- السيئ منها - أراهم أنفسهم عادوا ونفذوا غزو مقاهيها في ليالي رمضان الفائتة (2013). فماذا أبقوا لعيدها؟

بغداد التي صام مسلموها على فزع وهلع، ووُعدوا بربع كيلو عدس ولم يصلهم، نأمل أن يخلو صباح عيدها من دوي انفجار ومغتالين بالكواتم. لقد تعبت المدينة حتى خلت من تبغددها، ذبحتها النفوس الظامئة للدماء، والأحزان الهائجة بلا ورعٍ. لعلها الأكثر ترديداً لـ «عيد بأية حال عُدت يا عيد»!