العواصف الإقليمية والإدارة الأميركية

لم تواجه أية إدارة أميركية أزمات خارجية، مثل التي تواجهها إدارة الرئيس باراك أوباما حاليا، ليس لأن الأزمات معقدة ويصعب الخروج منها بدون خسائر باهظة، لكن لأنها متعددة المستويات وتقع في أماكن متفرقة، وعلى طريقة "المصائب لا تأتي فرادى"، يواجه أوباما سلسلة من المشكلات أخفق حتى الآن في وضع وصفة ناجعة للعلاج، ومنها ما فشل في توصيف طبيعة المرض ومعرفة جذوره، لذلك تفاقم وتمدد وتاهت معالمه الأساسية، وعلى رأى صديق عربي أصبح خصوم واشنطن يجلسون على شط النهر في انتظار مرور جثة "الكاوبوي" أمامهم، وبعد تعدد وتنوع المآزق التى أخفقت الإدارة الأميركية في التعامل معها، اقتربت الجثة كثيرا من النزول إلى مياه النهر، ويمكن رصد أربع لطمات رئيسية، تعزز هذه المسألة.

اللطمة الأولى، جاءت من سوريا، فقد تصورت إدارة الرئيس أوباما أنها أزمة عادية وتملك مفاتيحها، ويمكن علاجها بأسلوب الاستقطابات التقليدية، وتدخلت فيها بأداوت مختلفة، وانتظرت سقوط الثمرة في حجرها كنتيجة طبيعية لنضجها، وبعد عدة أشهر، كادت الثمرة تسقط في حجر آخرين.

فإيران هيأت نفسها لالتقاطها بسرعة، بمساعدة حزب الله اللبنانى، وروسيا بذلت جهدا كبيرا وغيرت أوضاعها لتفوز بها، بمساندة صينية، وتوظيفا لمعطيات سياسية وأمنية متباينة، والمعارضة السورية استعجلت القطف، فغرقت في وحل الخلافات وسقطت في بئر الخيانة واتهامات بالعمالة، الأمر الذى منح الفرصة لمتطرفين ليكونوا قاب قوسين أو أدنى من تلقفها.

وحتى الآن لا تزال الثمرة السورية معلقة بين السماء والأرض، ولم تستطع الإدارة الأميركية الامساك بزمام الأمور كما تخيلت، بل باتت مهددة بمزيد من الإنفلات، وإزدادت المشكلة صعوبة، عقب ارتفاع معدل التداخلات الخارجية بين بضعة أزمات في المنطقة والأزمة السورية، فتنشغل واشنطن بالجديد وتتراجع أو تتقاعس عن تحريك أو السيطرة على القديم.

اللطمة الثانية، جاءت من مصر، فقد تملك النصر والزهو عقل إدارة أوباما بعد صعود الإخوان للسلطة، وحسب الرجل وطاقمه أنهم فازوا بالثمرة الكبيرة في المنطقة، والمفاجأة أن هذه الثمرة استعصت على السقوط أصلا، وتغيرت المعادلات والتوازنات في مصر، بما أرخى بظلاله السلبية على ترتيبات كثيرة، أعدتها واشنطن لتغيير شكل المنطقة، التى لم تنس هذه اللطمة وتأثيراتها البعيدة، وحاولت وضع العراقيل في طريق السلطات الحاكمة في مصر، غير أنها فشلت بإمتياز، وارتفعت حدة الأصوات الناقدة والناقمة على إدارة أوباما، ليس لأنها أخفقت في تحقيق أهدافها، لكن لأن حساباتها كانت فاضحة، ولم تتمكن من تصويب التقديرات السياسية لاحقا، وصممت على المضى في طريق التخبط، حتى واجهت أزمة أخرى أشد صعوبة، أنستها مؤقتاً مأزقها في مصر.

اللطمة الثالثة، جاءت من أكثر الأماكن حساسية، من منطقة القرم، التى تتكون من موزاييك عرقى متفجر، ولها خصوصية استراتيجية كبيرة، وعلى وشك أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة مع الدب الروسي، لذلك تراجعت الأزمتان السابقتان في سلم الأولويات الأميركي، مع أنهما تتقاطعان مع القرم، في زاوية وجود موسكو على المسرح كنعصر مشترك في الأزمات الثلاث، بالتالي فما يحدث في أوكرانيا سوف تكون له انعكاسات على سوريا ومصر أيضا، لأن روسيا تسعى إلى استثمار الأزمة لتثبيت نفوذ إقليمي لها تتطلع إليه، وإذا كانت واشنطن دفعت إلى فتح الجرح الأوكراني لإبعاد موسكو عن الشرق الأوسط، فإنها لم تدر أنها منحت روسيا فرصة لاستعراض، عضلاتها العسكرية من خلال إرسال قوات للقرم، وقدراتها الدبلوماسية عبر نجاحها في تفشيل المخططات الأميركية والأوروبية لتوريطها سياسياً، وكأن السحر انقلب على الساحر، وتولدت أزمة جديدة أمام أوباما، تعزز وجهات نظر خصومه، وتؤكد عدم خصوبة خياله على صعيد السياسات الخارجية.

اللطمة الرابعة، قبل أن يفيق أوباما من ورطته في أوكرانيا، جاءته ضربة خليجية نادرة، حيث قررت السعودية والإمارات والبحرين سحب سفرائها من قطر، التي عرفت بأنها واحدة من الأدوات الأميركية في المنطقة، ولحقت بها خطوة سعودية منفردة وضعت تسع من المنظمات الإسلامة على قائمة الإرهاب، من بينها جماعة الإخوان، التي سبق لمصر أن وضعت التنظيم الأم لديها على اللائحة ذاتها، وقد أضحت واشنطن في موقف حرج، فأمامها قائمة من الاتهامات على تدخلات الدوحة في شؤون دول أخرى، منها مساعدات لجماعات إرهابية تطاردها الولايات المتحدة، ولديها معلومات موثقة عن تجاوزات الإخوان، الذين تبذل واشنطن جهودا مضنية من أجل ادماجهم في الحياة السياسية في مصر بصورة طبيعية.

فى الحالتين تواجه إدارة أوباما عواصف خليجية غير معهودة، سوف تكون لها تداعيات على مواقفها، في الأزمة مع إيران، حيث تتجه واشنطن إلى الليونة مع طهران، وفى الأزمة السورية، حيث تلعب بعض الدول الخليجية دورا في مفاصلها المحورية، كان منسجما في وقت من الأوقات مع الحسابات الأميركية، وفي الأزمة مع مصر، حيث اعتبرت دوائر كثيرة، أن ما جرى مع قطر من الدول الثلاث، وإخوان السعودية، لا ينفصل عن التطورات السياسية في مصر.

جميع المعطيات تؤكد أن إدارة أوباما غير قادرة على صد الرياح القادمة من أماكن مختلفة، ولا تملك القدرة الكافية للتعامل مع الأزمات النوعية المتصاعدة، وأن مصير هذه الإدارة يمكن أن يتحدد بمدى النجاح أو الفشل في الخروج من المطبات السابقة، وفي ظل تعالي النبرة الساخطة في وجه أوباما، لم يعد الكارت الاحمر بعيدا عنه.