العنف اليومي يطرد العادات الرمضانية من أمسيات البغداديين

بغداد - من خليل جليل
ومن يجرؤ على ارتياد المقاهي في بغداد اليوم؟

في مدينتهم الغارقة في العنف اليومي، يفتقد البغداديون العادات الرمضانية المحببة لديهم ويحنون الى صوت المسحراتي وسهرات المقاهي الشعبية التي كانت تلامس الفجر.
فالعائلات البغدادية لم تعد تصحو في وقت السحور على صوت المسحراتي قارعا طبلته ومتجولا في الازقة القديمة وهو ينادي "اصح يا نائم".
وغياب هذا التقليد الشعبي ناتج اولا من مظاهر الحداثة وثانيا من تردي الاوضاع الامنية، بحيث بات الجميع يعتمدون على المنبهات المنزلية او نغمات الهواتف النقالة لتوقظهم في وقت السحور لاحتساء الشاي وتناول الاجبان والقيمر (القشدة).
ويقول الحاج محمود رزاق الذي يقيم في الشواكة، وهي من اقدم مناطق العاصمة في جوار الكرخ "نشأت بيننا وبين المسحراتي علاقة وثيقة كانت تتجدد كل عام، بحيث يتردد صدى صوته وطبلته في الازقة. حتى انه كان يقف احيانا عند مداخل البيوت للتأكد من ايقاظ سكانها قبل ان يواصل جولته".
وعرفت بعض المناطق البغدادية اسماء مسحراتيين لا تزال راسخة. ففي منطقة الفضل، اعرق المناطق في جوار الرصافة، ظل المسحراتي "علي" في ذاكرة السكان الذين اعتادوا على طبلته منذ سبعينات القرن الماضي.
ويضيف رزاق (65 عاما) الذي يعمل بزازا (خياطا) "كنا نستأنس بنداء المسحراتي وهو يجوب الحواري والازقة، لكن ويا للاسف غابت هذه التقاليد واصبحنا نتذكرها بمرارة".
والواقع ان المسحراتي بات يخشى على حياته وخصوصا في الاعوام الاخيرة، اذ صار الخروج في وقت متأخر من الليل مغامرة مع احتمال التعرض لنيران الدوريات الاميركية التي يرتاب عناصرها في اي شخص.
كذلك، تفتقد بغداد في رمضان سهرات ما بعد الافطار حين كان الناس يتجمعون في المقاهي الشعبية ويستمتعون بالمرويات التراثية على السنة 'الحكواتيين'.
ولا تكتمل تلك الامسيات الا بالشاي والحلويات الرمضانية وخصوصا اذا كانت تلك المقاهي تحتضن لعبة 'المحيبس'، المسابقة الشعبية الرمضانية المعروفة في العراق.
فالمقاهي في مناطق الفضل والاعظمية والكاظمية والرصافة والشواكة والعطيفية كانت تشهد في ليالي رمضان مسابقة 'المحيبس' التي تشارك فيها فرق من مختلف انحاء العاصمة وتوزع في ختامها الحلويات والمرطبات.
و'المحيبس' المشتق اسمها من المحبس (الخاتم) لعبة جماعية تمارس في الاحياء والمقاهي الشعبية منذ مئات الاعوام ويتنافس فيها فريقان يمثل كل منهما حارة او محلة او منطقة ويضم اكثر من عشرة لاعبين.
وتقضي بان يخبىء احد الفريقين الخاتم في يد احد لاعبيه وينبغي على الفريق الخصم ان يعثر عليه عبر التفرس في وجوه افراد الفريق الاخر ورصد ردود فعلهم.
ويوضح ابراهيم محمد (55 عاما) الموظف في احدى الدوائر الحكومية ان "الظروف التي خيمت على حياة العراقيين خلال الاعوام الاخيرة جعلتهم يفتقدون مجالس المقاهي في اثناء رمضان".
ويضيف محمد الذي يقطن حي الفضل "كانت الاجتماعات الليلية في رمضان تستمر حتى ساعات متأخرة في المقاهي القديمة، وهناك من كان يسهر في الاماكن العامة كالحدائق لكن الامر بات متعذرا اليوم بسبب العوامل الامنية".
ويتابع "هناك الان من يفضل البقاء في البيت لمتابعة القنوات الفضائية واخبار البلاد، وثمة من يرتاد المقاهي القريبة لوقت قصير ثم يعود الى البيت كون المقاهي تغلق ابوابها قبل موعد حظر التجول الليلي".
وتفرض السلطات الامنية في بغداد حظر تجول من الساعة 24:00 بالتوقيت المحلي (20:00 ت غ) حتى الساعة الخامسة (01:00 ت غ).