العمال السوريون: سرحونا في الخليج فاستقبلتنا البطالة في ديارنا

دمشق - من حسن سلمان
مرآة واضحة لأثر الازمة المالية على السوريين

رغم تأكيدات الحكومة السورية على أن البلاد لن تتأثر كثيرا بالأزمة المالية العالمية، فإن هذه الأخيرة بدأت ترخي بظلالها على الاقتصاد السوري، بدءا بقطاع السياحة ومرورا بسوق العقارات، وليس انتهاء بقطاع المصارف وأزمة العمال السوريين في دول الخليج العربي.
وتحذر بعض الدراسات من تزايد عدد العاطلين عن العمل في سوريا في ظل فقدان عدد كبير من المغتربين السوريين في الخليج وظائفهم، مشيرة إلى أن عدد الوافدين خلال الربع الأول من عام 2009 فاق 50 ألف عامل فقدوا وظائفهم نتيجة الأزمة المالية.
ويعمل نحو نصف مليون سوري في دول الخليج، أغلبهم في السعودية والإمارات وقطر، ويعمل معظمهم في العقارات والخدمات المالية وتجارة التجزئة والسياحة.

ويقول الخبير الاقتصادي د. زياد عربش إن معاناة العمالة السورية بدأت مع الأزمة المالية العالمية وانهيار أسعار النفط، مشيرا إلى أن تلك المعاناة تنحصر في ثلاثة جوانب "الحفاظ على الوظائف، والحفاظ على سلم الرواتب والأجور، وإيجاد فرص عمل جديدة سواء للعمالة العاطلة في البلد أو لمنتظري السفر".
ويضيف عربش لإحدى الصحف الرسمية السورية "إن كثيرا من العمال السوريين وخاصة في دبي تراجعت رواتبهم بنسبة 50 بالمئة، وبسبب استمرار الأزمة لم يعد الأمر مقتصرا على قطاعات دون غيرها، ما يعني ارتفاع أعداد العائدين إلى سوريا".
وتقدر عدد التحويلات المالية التي أرسلها السوريون عام 2008 بحوالي 850 مليون دولار، جاء أغلبها من دول الخليج العربي.

اتفاق سوري-إماراتي لتنظيم العمالة

كانت وزارة الشؤون الاجتماعية السورية وقعت أواخر العام الماضي اتفاقية مع الجانب الإماراتي لتنظيم استقدام واستخدام العمال السوريين في الإمارات.
وتهدف الاتفاقية إلى تنظيم واستقدام العمال السوريين في الإمارات، إضافةً إلى تقديم تشريع قانوني ينظم ويحمي العمالة في كلا البلدين.
ويبلغ عدد العمال السوريين في الإمارات حسب التقديرات الرسمية حوالي 100 ألف شخص، 60 بالمئة منهم عمالة ماهرة في مختلف القطاعات الاقتصادية.
ويقول أحمد سمور (29 عاما) الذي فقد وظيفته كمندوب مبيعات في دبي "قبل عامين، بدأت بتشجيع شقيقي للحضور والانضمام إلي في دبي بسبب فرص العمل الكثيرة هنا، ولكني الآن أحاول العثور على وظيفة لي بعد أن تم تسريحي من العمل في فبراير/شباط الماضي".
ويؤكد سمور الذي استمر في عمله لست سنوات أنه لمس مؤشرات على فقدانه لوظيفته منذ خريف العام الماضي.

ويضيف "بدأت الشركة في الحد من المبيعات وزيادة ساعات العمل لدينا من ثمانية إلى 12 في اليوم الواحد، وكنت أعرف أن شيئا سيئا قد يحدث، لكني لم أتوقع أن تسوء الأمور إلى درجة تسريحي من عملي بشكل نهائي".

ويرد البعض المشكلة إلى أن العمال السوريين في دول الخليج لا يتمتعون بحقوق كثيرة حسب قوانين العمل والهجرة، وهذا يجعل من السهل على الشركات تسريحهم، كما أن تلك القوانين تفرض على المغتربين الذين يفقدون وظائفهم إيجاد فرص عمل جديدة في غضون شهر أو مغادرة البلاد.

وتقول رولا الحسن (36 عاما) الذي تعيش مع زوجها في الرياض منذ ثماني سنوات "بعد أن سمعنا شائعات بأن هناك تسريح لبعض العمال، استدعاني مديري أنا وزملائي لعقد اجتماع، وكان لدي شعور سيئ أننا سنكون أول ضحاياها، وكنت على حق".

ولا تخفي الحسن مخاوفها من فقدان زوجها، الذي يعمل في شركة لمستحضرات التجميل، وظيفته لأن ذلك سيجبرهم على العودة إلى سوريا.

ارتفاع تكاليف المعيشة في الخليج

ويشكو عدد من المغتربين السوريين في دول الخليج ارتفاع تكاليف المعيشة، حيث تبلغ تكاليف الإيجار السنوي حوالي 15 الف دلار أميركي لشقة مؤثثة، وبين 30 الف و70 الف دولار لفيلا بثلاث غرف، حسب النوعية والموقع والمرافق.

وتؤكد انتصار (35 عاما) أنها اضطرت للعودة مع زوجها من الكويت لأن تكاليف المعيشة أصبحت مرتفعة جدا، مشيرة إلى أن راتبيهما لم يعودا يكفيان إلا للمعيشة فقط".

وتضيف "قررنا أخيرا العودة للوطن لأن الحياة أصبحت صعبة جدا علينا هناك، والآن أبحث عن عمل، فيما حصل زوجي على عمل مؤقت كسائق تاكسي".

وتخشى الحكومة السورية من أن زيادة عودة المهاجرين بأعداد كبيرة قد يرفع معدل البطالة إلى 20 بالمئة بحسب الباحث الاقتصادي الدكتور قدري جميل.

ويقول جميل "إن عودة هذا العدد الكبير من العمال العاطلين عن العمل من ذوي المهارات سيزيد العبء على الاقتصاد السوري، وسيكون لدى الحكومة السورية قضية جديدة تحتاج للمعالجة بشكل عاجل".
ويقول الباحث الاقتصادي سهير سليمان "إنه ليس من الإنصاف أن نتوقع لهؤلاء العمال العائدين العثور على وظائف فورا".

ويضيف "هناك ارتفاع لمعدلات البطالة في سوريا حتى قبل الأزمة المالية الدولية، وهناك أشخاص يبحثون عن العمل منذ أشهر عديدة، بل ومنذ عدة سنوات".

من جانب آخر، يؤكد مدير بنك خاص في دمشق أنه "تلقى المئات من طلبات التوظيف من مغتربين سوريين عملوا سابقا في القطاع المالي في الخارج".

ويضيف "أعتقد أنه قد يكون مفيدا لسوريا في المدى البعيد عودة هذا العدد الكبير من العمال المهرة إلى ديارهم، ولكن في الوقت الراهن لا يوجد ببساطة ما يكفي من فرص العمل لهؤلاء ذوي المهارات والمؤهلات".

فيما يؤكد مهندس فقد وظيفته مؤخرا مع شركة مقاولات رائدة في دبي إنه يعتقد أن فرصة العثور على عمل عند عودته إلى مدينة حلب ستكون ضئيلة جدا.

ويضيف "أنا هنا لتسوية بعض المسائل المالية وبعد ذلك يجب العودة إلى سوريا، وأتمنى لو أملك بعض الوقت للبحث عن وظيفة هنا، لأني أعرف أن العثور على عمل في سوريا سيكون شبه مستحيل، على الرغم من كل التصريحات المطمئنة من المسؤولين".

7500 سوري فقدوا عملهم في القطاع الخاص

ولا يقتصر تأثير الأزمة المالية على العمالة السورية في الخارج بل يمتد ليطال العاملين في القطاع الخاص، اذ أكدت إحدى الصحف الرسمية أن 7500 عامل سوري فقدوا عملهم خلال الربع الأول من عام 2009.
فيما كشف صناعيون سوريون أن أكثر من 500 منشأة صناعية صغيرة في مدينتي دمشق وحلب أغلقت أبوابها بسبب التأثر بالأزمة المالية.
وعزا مصدر في غرفة صناعة دمشق قرار الإغلاق إلى "تكدّس البضائع في المستودعات، وعجز هذه المنشآت عن تصريف منتجاتها، ما أدى إلى خروجها من إطار المنافسة".
وكان وزير الصناعة السوري فؤاد عيسى الجوني طالب مؤخرا بدراسة إمكانية خفض سعر الليرة السورية بهدف دعم الصناعة المحلية وزيادة الصادرات.
وقال الجوني "إن زيادة أسعار الطاقة والرواتب والأجور وانخفاض سعر اليورو والدولار، ساهمت في رفع أسعار الصناعات المحلية، ما أدى إلى انخفاض قدرتها التنافسية".
ودان الصحفي ناظم عيد "سكوت الجهات الرسمية عن عدم معالجة مشكلة القطاع غير المنظّم" الذي أدى لتسريح عدد كبير من العمال "الذين لا يملكون لا حق الإبلاغ ولا الادعاء، ولا المقاضاة، لأنهم فاقدون لأية ثبوتيات يقدمونها إلى الجهات المفترض أن تنصفهم".
وقال عيد في مقال له في صحيفة البعث الرسمية "قطاع أعمالنا يحذو حذو الشركات العالمية في إجراءات التسريح. وربما اقتدى بالشركات الخليجية التي برعت في تقديم نموذج لافت في كيفية الضغط على حكوماتها -عبر تسريح العمالة- من أجل انتزاع قرارات بخطط إعادة إنعاش، وإقرار مبادرات الطوارئ وصرف الإعانات وضخ السيولة لإنقاذ الشركات الأهلية".
وأضاف "فما يفعله القطاع الخاص المحلّي الآن نعتقده رسالة من جملة الرسائل الكثيرة التي تلقتها الحكومة، والتي تحمل مطالبات وأوراق ضغط مباشرة وغير مباشرة لاتخاذ قرارات جديدة لدعم الصناعة وتقديم المزيد من المعونات -ربما المطلوب دعم مادي- والتسهيلات وكذلك الإعفاءات، والعودة إلى جدر الحماية الجمركية، وقطع الطريق على السلع المتدفقة نحو أسواقنا، لضمان عدم وجود منافس في السوق".