'العلمائيون' و'السياسة'.. في لبنان!

بقلم: جواد البشيتي

بحسب مصالح سياسية ودنيوي صرف، يتقرَّر دائماً إمَّا نَبْذ الصراع بالسيف، أو بالحديد والنار، بين العامَّة من المسلمين؛ لـ "حرمة دم المسلم على المسلم"، وإمَّا الدعوة إليه، وخوضه؛ لأنَّ المسلم "الآخر" يختلف في معتقده الديني والإيماني بما يجيز ويُسوِّغ "تكفيره"، أي نسبه إلى الكفر.

"الآن"، بوصفها "ظرف زمان سياسي"، وفي لبنان، حيث أريد له من قبل أن يكون "مهداً" لا "لحداً" لـ "الشرق الأوسط الكبير (أو الأكبر، أو الجديد)"، رأيْنا فصلاً جديداً من المسرحية التراجيدية ـ الكوميدية ذاتها، فـ "حزب الله" الشيعي، الذي عَرَف كيف يذل إسرائيل ويكسر شوكتها، لبَّى "الدعوة السلفية (السنية)"، فوقَّع مع "بعض" الجماعات والقوى السلفية السنية "وثيقة تفاهم"، هدفها المُعْلَن هو "نقل الخلاف (الشيعي ـ السني) من الشارع إلى لجنة مشترَكة من كبار مشايخ الطرفين"، فهذا الخلاف يجب أن يكون، وأن يظل، ضِمْن تلك "اللجنة العلمائية"، التي ستتوفَّر على البحث في أوجه الخلاف (الفكري أو العقائدي) بين الشيعة والسنة، لعلَّ المشايخ والعلماء والأئمة من الطرفين (في اللجنة) يجترحون، في آخر المطاف، معجزة إنهاء هذا الخلاف المزمن و"الشيطاني (من الوجهة السياسية)"، فإذا شقَّ عليهم ذلك (لأسباب هي في المقام الأوَّل من طبيعة سياسية دنيوية) تواضعوا على "إدارته"، و"التحكُّم فيه"، بما يمنع "وقوده" من التسرُّب إلى "الشارع"، الذي هو في لبنان، على وجه الخصوص، شارعٌ يتسيَّس فيه الدين، وتتديَّن السياسة.

الطرفان، وبحسب "وثيقة التفاهم"، عقدا ما يشبه "الحلف"، فهما التزما العمل معاً من أجل "القضاء على الفكر التكفيري"، لديهما، أي فكر "القاعدة" على وجه الخصوص؛ والتزم كلاهما أن يقف مع الآخر "بقوَّة وحزم" ضد كل اعتداء داخلي أو خارجي يتعرَّض له، وأن يحترم ويؤيِّد حق الآخر في دفاعه عن نفسه بالوسائل المشروعة.

ولكن، ما أن "تَصَالَح" شيوخ "حزب الله" مع شيوخ بعض السلفيين السنيين، ووقَّعوا تلك "الوثيقة"، التي هي "هدنة" في بعضٍ من معانيها، و"حلفاً" في بعضٍ ثانٍ، حتى اشتعل فتيل الصراع بين السلفيين السنة (أو السنة) أنفسهم، فرأيْنا هذا "التفاهم الديني" في حقيقته السياسية العارية، فأحد المشاركين من السنة في إنتاج تلك الوثيقة سارع إلى توضيح ما حدث، وِفْق مبدأ "ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، قائلاً إنَّ "حزب الله" لم يخترق "أهل السنة"، أو السلفيين منهم على وجه الخصوص، وإنَّ الطرف السلفي "الموقِّع" قد أوضح وأكَّد (لـ "الحزب") أنَّ "مرجعيته السياسية" هي "تيار المستقبل"، وإنَّ السلفيين لا يسعون إلى أكثر من القتال الديني (لا السياسي) ضد "الفتنة". وقال آخر من السلفيين "الموقِّعين" إنَّ الجماعة السلفية "لم تتخلَّ عن عقيدتها، أو منهجها، ودفاعها عن أهل السنة (ضدَّ مَنْ ؟!)"، موضحاً، بعد تشديده على ولائه لـ "تيار المستقبل"، أنَّه ما كان ليذهب إلى طاولة الحوار مع "حزب الله"، وما كان ليوقِّع تلك الوثيقة، لو أنَّ "تيار المستقبل" اعترض ورفض.

على أنَّ السلفيين السنة "الأكثر سلفيةً"، و"الأكبر وزناً"، على ما يزعمون، انبروا لـ "الموقِّعين" من السلفيين السنة (ضئيلي الوزن) وهاجموا "الوثيقة"، بوصفها محاولة (قام بها "حزب الله") لزعزعة "الساحة السلفية"، مؤكِّدين أنَّ تلك المحاولة ستبوء بالفشل.

غداة سيطرة "حزب الله"، عسكرياً، على بيروت الغربية، طاب لأحد قادة الرابع عشر من آذار أن يُصَوِّر ذلك الحدث، الذي فيه من السياسة ما يمنع، أي ما يجب أن يمنع، التزوير "المذهبي" له، على أنَّه صراع بين "معسكر علي"، الذي يقوده "حزب الله"، والذي يضم، لبنانياً، حركة "أمل"، وجماعة عون المسيحية المارونية، وقوى وجماعات وشخصيات سنية؛ وإقليمياً، إيران وسوريا، وبين "معسكر عُمَر"، الذي يضم "تيار المستقبل"، وجنبلاط، وجعجع، وقوى وشخصيات لبنانية أخرى؛ كما يتَّسع في أطرافه، دولياً وإقليمياً وعربياً. ولقد قال مُلخِّصاً ما حدث: "أهل بيروت (الغربية من السنة) ناموا على عُمَر، فاستفاقوا على عليٍّ.."!

"المسرح" احترق.. واحترق غير مرَّة، وألف مرَّة؛ ومع ذلك لم يَمُتْ "الممثِّلون"، فما زالوا أحياء يرزقون، وبدماء العامَّة من المسلمين يتَّجرون.

بعد كل صراعٍ بالحديد والنار، يُسْفَح فيه من دماء الأبرياء ما يكفي للقضاء إلى الأبد على ظاهرة "مَشْيَخَة السياسة" عندنا، نراهم يجتمعون، ليقرِّروا القرار ذاته: قرار "حرمة دم المسلم على المسلم"؛ ويظلُّ هذا التحريم معمولاً به حتى تأذن لهم السياسة بتحليل هذا الذي حرَّموه، فيُشهِرون "سيف التكفير" في وجوه بعضهم بعضاً. إنَّ "الحبَّة" من الاختلاف العقائدي تُضخَّم بقوَّة نزاع المصالح السياسية والدنيوية فتغدو في حجم "القُبَّة"، فينالون هُم "اللَّحْمَة"، زاجِّين بـ "العامَّة"، بعد شحنهم بما يكفي من روح التعصُّب المذهبي، في حرب ضروس، يسفحون فيها دم بعضهم بعضاً، من أجل "عَظْمَة"!

لِتَعِشْ كل جماعة إسلامية، دينياً، بما يجعلها مرتاحة الضمير الديني؛ على أنْ تُحْظَر (بقوَّة القانون والدولة وثقافة المجتمع المدني) كل سياسة تتَّخِذ كل اختلاف ديني أو طائفي أو مذهبي وقوداً لقاطرتها، أو غذاءً (شعبياً) لذوي المصالح السياسية المتصارعة، فنحن لا نحتاج إلى تلك "اللقاءات"، ولا إلى تلك "الوثائق"، فـ "السياسة العلمائية" يجب أن تصبح فعلاً ماضياً؛ أمَّا "السياسة العلمانية"، أي التي تقيم برزخاً بين السياسة والدين، فهي التي يجب أن تصبح في حياتنا فعل حاضرٍ ومستقبلٍ. جواد البشيتي