العلامة فحص: حزب الله بحاجة إلى مصفقين

الرحيل في وقت غير مناسب

السيد هاني فحص ابن قرية جبشيت اللبنانية الجنوبية, وهو من رجال الدين القلائل عند الطائفة الشيعية الذين انخرطوا في العمل السياسي اللبناني. (كلنا شركاء) أجرت معه لقاءاً مطولاً. وفي معرض الحديث عن دور الجمهورية الإسلامية في المنطقة وفي سوريا على وجه الخصوص, أكد أن “إيران جزء من المشكلة”، مشدداً “بل هي المشكلة”، أما روسيا وأميركا يأتيان في الدرجة الثانية والنظام السوري، ومن حوّل بالتواطؤ معه النضال إلى “إرهاب”, يأتي في الدرجة العاشرة.

العلامة هاني فحص: كاتب ومؤلف وناشط في المجتمع المدني اللبناني, وداعية للحوار بين الأديان ومن أبرز المنظرين في مجال مقاربة الإسلام لمواضيع الحداثة. حيث ساهم بتأسيس “المؤتمر الدائم للحوار اللبناني، مع السياسي اللبناني سمير فرنجية، كما كان عضواً مؤسساً في الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي، وعضواً مؤسساَ في “اللقاء اللبناني للحوار".

أتخذ العلامة هاني فحص مع العديد من النشطاء والصحافيين اللبنانيين والجنوبيين موقفاً من الثورة السورية مغايراً لموقف الثنائية الشيعية اللبنانية (حزب الله وحركة أمل) وقد تعرّض للضغط بسبب ذلك ولكنه قاومه بكل هدوء، وفي حديثٍ عن ذلك, أشار إلى أن “ما اعرّض له من مضايقات قد يكون وراءها قرار من قيادات حزب الله وحركة أمل، وقد لا يكون، لكن التوقف عنها كان بقرار منهما، وهو من جانبه لا يعمل على استدراج الإساءات اليومية ولكنه مكتف بمواقفه المعلنة والتي عبّرعنها بدون, أحقاد، الحقد غير الغضب،، كما قال، فهو لن يتنازل عن غضبه على المشاركة في قتل الشعب السوري، وتشويه سمعة المقاومة، وزجّ الشيعة في مسار لا يعلم إلا الله مقدار مخاطره، ولقد آثر الإنسحاب من مواقع الإحتكاك حرصاً على الكرامة، وعدم التسبب في الدم أو الفتنة، ولهذا خفف نشاطه العام في الجنوب إلى أبعد حد لأنه لا يريد أن ينشط في المواقع غير المنتجة. وأضاف: “ثم إن الآخرين ليسوا مستعجلين علينا، وهم يمارسون علينا قمعاً قوياً وشاملاً في كل أمور حياتنا.

واعتبر العلامة فحص "إذن وحتى أجل غير مسمى تبقى إيران جزء أساسي من الحلّ، لأنها جزء أساسي من المشكلة، فهي الآمر الناهي في سوريا، وحتى في المسائل الجزئية كما حصل في حمص مؤخر". وأضاف: “كنا ننتظر أن تكون إيران شريكة في الإصلاح والنهوض في المنطقة، ولكنها تحوّلت إلى عقدة قومية ومذهبية كبيرة،.

أما حول إمكانية الحوار مع حزب الله نوه فحص لـ (كلنا شركاء): “للأسف حزب الله لن يحاور، ونحن لن نستطيع أن نحاوره من موقع القوي والضعيف، هو الآن بحاجة إلى مصفقين ومأجورين، سيبيعونه عند أي نكسة والتاريخ لن يساعده على اجتناب النكسات. ولن يتجاوب مع أي دعوة للحوار مع المختلفين معه، والذين يريدون فعلاً البحث عن حل حقيقي طالما أنه يشعر بنشوة الإنتصار، ولو مكابرة من دون قدرته على تغطية المفاعيل السلبية العميقة لتدخله في سوريا”.

وعند سؤاله عن وصف البعض للمعارضين لحزب الله بالمنشقين أو المنبوذين من قبل التيار الشيعي المسيطر أجاب فحص قائلاً: "نحن شيعة، من جذور شعبية وعلمية وثقافية، ولنا تاريخ في ممارسة الإمامة والتثقيف والنضال مع الكادحين في لبنان، ومن أجل القضية الفلسطينية ومع إيران ضد الشاه قبل أن يولدوا، وإن كان هناك قسم منهم يعادينا بسبب مواقفنا فنحن لم ولن نتنصل من تشيعنا، ولكننا مصرّون على الاندماج وقبول الآخر، والانحياز إلى العدل، كما كان أئمتنا،. واضاف قائلاً: "أننا منبوذون، الذين يحبوننا من الشيعة ومن الطوائف الأخرى أكثر بكثير ممن يمالئونهم ويتملقونهم وينتفعون منهم، محبينا من الشيعة يعبرون عن أنفسهم بطرق التفافية حتى لا يتعرّض لهم أحد بأذى أو يضرّ بهم ولو كنا منبوذين، كما يحب لنا البعض أن نكون لما كان يحسب حساب لكل موقف أو كلمة منّا".

لم يتأخر السيد فحص عن مناصرة ثورات الربيع العربي بدءً من تونس وانتهاءً بسوريا, وعن الأسباب التي دفعته إلى ذلك قال: “أنا من الناس، لبناني، عربي، مسلم، أريد الإصلاح لأن فيه حفظ الكيان، وعروبة الانتماء، وحفظ الدين الذي يتعرّض إلى أسوأ الاعتداءات، أولاً من قبل أعدائه من الحكام المستبدين، والذين يستغلونه بوقاحة، وثانياً من قبل الإسلام السياسي، سنيّاً كان أم شيعياً، الذي يقدم كمشروع سلطة وتسلّط، بينما هو منظومة فكرية وأخلاقية تحمي المدنية والحضارة. ولأني مواطن لبناني وعربي، عندي شوق معتّق إلى الحرية والقانون والعدالة ولكنني لا أريد بديلاً أيديولوجياً يلغي الديمقراطية والحرية من أول جولة لها، ولا أريد مستبداً مذهبياً أقسى وأبشع من أي ديكتاتور حالي".

نية صادقة في احترام الآخر

وللسيد فحص رأيه بالثورة السورية، فاعتبر أن خصوصية سوريا في تكوينها، وموقعها، وحيوية مجتمعها، وسعي هذا المجتمع الدائم، وإصراره على التضامن والتكامل، واحتضانه للقضايا العربية والإنسانية كانت تقتضي أن تكون الثورة أو الانتفاضة مميزة، وتحمل هذه الخصوصيات، ويكون في أساس منطقها وممارستها حماية هذا التعدد على أساس المواطنة، لتكون بذلك مطابقة ومماثلة للحالة الشعبية الرائعة والشجاعة والمنظمة بعقلية مجتمعية عميقة. ولكن عندما أفلتت الساحة من أيدي العقلاء أصبحت الثورة مشوهة، قلقة، ومقلقة (بدون يأس).

وأردف قائلاً: "لأننا ما زلنا نأمل أن يلتقي العقلاء، وإن اختلفوا في كتلة تاريخية تصنع لنا منعطفاً تاريخياً لا شك أنّه صار أصعب، وأشد كلفة، ولكن ليس هناك خيار أو بديل عن الحوار والإستمرار والصبر".

ويحاول وصف سوريا اليوم بعد دخول ثورتها عامها الرابع, وقال: "أراها بين عرب لا يحملون مشروعاً أو رؤية لشيء، حولوا التوحيد والوحدة إلى شتات، والثروة إلى فقر، والثورة إلى فوضى، والعلم إلى جهل، والإستقلال إلى استغلال، ولكنهم أهلي، ولا بد أن ننهض بهم ومعهم".

وبين عنصريةٍ روسيةٍ كان اسمها “شيوعية”, في ربيع براغ وقبلها بودابست وغيرها، وأصبح إسمها قومية روسية بالمعنى العنصري، تقف دائماً في وجه الشعوب وحقوقها ومع الأنظمة وباطلها. وبين إيران التي تضخمت ذاكرتها الإمبراطورية في عصر الثورات العلميّة، متناسية هتلر، الذي لم يكن يشكو من ضعف ولكن كان يشكو من غرور، إيران التي تمت إليه بصلة "آرية"، وهذا ما قد يفسّر كثيراً من الأمور. وبين ثورة مسروقة باسم الله ضدّ عيال الله، وضد الوطن والمواطنة، والمستقبل لحساب الماضي والتاريخ.

مشيراً في مقابلته مع "كلنا شركاء": "أرى سوريا في محنة وفاجعة. ولكن لا خروج من هذه المحنة إلا بالصبر، والعودة إلى استخدام العقل، وبناء كتلة مشتركة جامعة لأكبر عدد من المختلفين لصناعة منعطف تاريخي, وإلا فسوف يكون الخروج من المحنة بمحنة أعظم، وستخيب آمال وأحلام كل الشباب الموجوعين الذين يعتبرون أن مستقبل المنطقة أصبح مرتبطاً بمستقبل سوريا".

وعن مألات الثورة السورية لفت فحص “أمّا بالنسبة لاحتمال أن تسير الثورة السورية نحو إنتاج نظام سياسي ديني كما حدث في إيران، أن النظام السوري المحتمل كبديل إذا كان دينياً فهو سيكون أسوأ بكثير من النظام الإيراني، وقد يحصل ذلك، ولكنه لن يعيش كثيراً. فقد أصبح مصير الشموليات واحداً، من الشيوعية إلى الإسلامية مروراً بالشمولية القوميّة المشوّهة".

وأضاف أنّه "في حين أن سوريا وما تحمله من تعدد واختلاف جميل لا يمكن إلا أن يتحوّل عن سبيل الصراع والحرب إلى التفاهم، والتكامل، من خلال دولة مدنية حديثة ديمقراطية، دولة قانون على أساس المواطنة والمواطن الفرد، تحترم الأديان والمذاهب كخيارات إجتماعية، ولا تسمح بأن تكون الطائفة قناة إلى الدولة".

منتصر الجندي

نشر في موقع كلنا شركاء