العلاقة بين الديقراطية والتنمية في العالم العربي: حديث الصباح والمساء

بقلم: خليل العناني

يقاس تقدم الأمم والشعوب بمقدار ما حققته من تنمية مجتمعية على مختلف الأصعدة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وهو ما يمكن التحقق منه بالنظر الى عدد من المؤشرات لعل أهمها درجة الحرية السياسية والتمتع بالديمقراطية، ومعدلات التنمية الاقتصادية المحققة فضلاً عن الوعي الثقافي والسياسي الذي يحكم تفكير الأفراد. وبالنظر للواقع العربي، نلحظ أن العالم العربي يعاني قصوراً شديداً في أغلب هذه المؤشرات، بل الأكثر من ذلك أن الشعوب باتت تتعامل مع هذا وكأنه لا سبيل للتغيير. ولعل أهم الاشكاليات التي تطرح عند الحديث عن التنمية المجتمعية في العالم العربي تتمثل في العلاقة بين الديمقراطية والتنمية الاجتماعية، ولعل هذا ناتج عن الفصل بين الديمقراطية كأحد أشكال التنمية السياسية وبقية متغيرات التنمية المجتمعية.
ولقد عمدت النخب العربية الى تأكيد هذا الفصل المفاهيمي، وتذرعت بتحقيق التنمية على حساب الديمقراطية، فلم تحقق هذا ولا ذاك، وبات على الشعوب العربية أن تظل تواجه مصيرها المحتوم الذي ظلت تعيشه منذ حصولها على الاستقلال منذ منتصف القرن الماضي وحتى يومنا هذا. وظلت النخب العربية –سواء بقصد أو دون قصد- تمارس عملية تغييب الوعي هذه حتى أصبحنا مجرد مستهلكين لثقافات الغير، بعد أن كنا منتجين لها.
كما بات على الشعوب العربية أن تدخل القرن الحادي والعشرين بأضعف مما دخلت به القرن العشرين، وذلك على حد وصف سمير أمين. وليس أدل على ذلك من مؤشرات التنمية التي وردت في تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية للعام 2002، والتي تقطع الشك باليقين في أننا نسير عكس عجلة الزمن. فبالرغم من التحولات التي شهدتها البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على مختلف الأصعدة، إلا أننا لم ندرك طبيعة هذه التحولات حتى يومنا هذا وما زلنا نعيش في جلباب الماضي نتغنى بما فعله أسلافنا.
ومن هنا يصعب الفصل بين الديمقراطية وما تعنيه من ممارسات فعلية، وبين تحقيق التنمية المجتمعية، وذلك نظراً لما ينطوي عليه مفهوم الديمقراطية من تحرير الفرد من قيود الخوف وتعزيز الرغبة لديه نحو المساهمة في بناء مجتمعه، ولعل ذلك ما أدركه مفكرو الحضارة الغربية منذ منتصف القرن الثامن عشر حين دعا "أدم سميث" و"جون ستيورات ميل" لتحقيق مزيد من الحرية الفردية باعتبارها طوق النجاة الذي يحرر الفرد من براثن الجمودية ويطلق العنان لمواهبه وقدراته وطاقاته الكامنة كي يساهم في بناء الحضارة الانسانية.
كما كان –ولا يزال- ينظر للديمقراطية في بلادنا على أنها رفاهية لسنا جديرين بها، ومن هنا أصبح الفارق بيننا وبين الآخرين، أنهم حققوا خروقات علمية هائلة ونحن ما زلنا نقبع في أماكننا نبحث عن قوت يومنا، وكأننا نعيش في كوكب آخر.
وتتجلى تلك العلاقة الوثيقة بين الديمقراطية والرفاهية (التنمية)، عندما نقارن بين قيمة الفرد في بلادنا، عما هي في بلدان العالم المتقدم، وهي القيمة التي تنبع من احترام عقلية المواطن انطلاقاً من اعتباره حجر الزاوية في أي تقدم وازدهار يحققه المجتمع، وهذا الكلام ليس بجديد ولكن المشكلة تكمن في أننا دائما ننسى أو نتناسى واجبنا تجاه أوطاننا وذوينا، وليس أدل على ذلك من الكفاءات التي تهجر البلدان العربية كل يوم من أجل البحث عن فرص معيشية أفضل.
ورغم أن العلاقة بين إرساء الديمقراطية وتحقق التنمية ليست حتمية، حيث أن هناك دولاً تمارس الديمقراطية ولكن تحقق معدلات تنموية منخفضة (الهند والبرازيل وإندونيسيا كأمثلة) إلا أنها في نفس الوقت تتمتع بأبنية وهياكل مؤسسية تنطلق من الاعتراف بدور الفرد في تحديد مصير من يصل الى سدة الحكم، كما أن هناك عوامل أخرى قد تحكم عملية التنمية كالسكان والموارد الطبيعية وغيرها.
بل والأكثر من ذلك فإن تحقق الديمقراطية يحمي عملية التنمية من منطلق القضاء أو تقليل عمليات الفساد والتي تمثل الفيروس الأساسي لفشل المحاولات التنموية، وذلك من خلال توفير وسائل الرقابة والمحاسبة الى حد يصعب معه التنصل من المسئولية العامة.
وبهذا المنطق وبهذه العقلية أصبح الفرد العربي يشاهد العالم يتغير بسرعة مذهلة دون أن يكون مشاركاً في صنع هذا التغير، من باب (أحيني اليوم وأمتني غداً)، وأصبحت هذه الثقافة الجامدة تحكم منطقنا في التفكير لدرجة أصابت الكثيرين منا بالبلادة وفقد الاحساس بالمسئولية تجاه قضاياه وهويته، وليس أدل على ذلك من هذا الصمت المهين الذي يخيم على البلدان العربية في حين تتسارع دقات طبول الحرب الأمريكية المنتظرة على العراق، والمقلق في هذا الشأن هو ذلك الصمت الغريب الذي أصاب الشارع العربي ذاته، حيث لم ينتفض أحد لما يحدث، وقد يكون ذلك ناجماً عن الشعور بعدم جدوى الانتفاض والملل من كثرة البكاء والنواح، طالما أننا لم نعد قادرين على تحديد مصائرنا.
في نفس الوقت أصبح الغير هو من يدافع عن قضايانا من باب احترام حقوق الانسان (العربي تحديداً) ولذا لم يكن من المستغرب أن تفرض علينا الديمقراطية من وراء البحار، ويصبح التدخل في شئوننا الداخلية سمة من سمات هذا الزمن، وأصبحت الديمقراطية تمثل مطلباً ملحاً يجب فرضه على الشعوب العربية بمنظور أمريكي، ومن العجيب أن تحمل الولايات المتحدة لواء الدفاع عن الديمقراطية والحريات في بلادنا في الوقت الذي تضيق فيه الخناق على كل من يعارضها في الرأي سواء في سلوكها الداخلي أو في حركتها الخارجية.
وفي النهاية تبقى الحقيقة المؤلمة وهي أن الوضع لم يتغير عما كان عليه منذ أكثر من مائة عام، وذلك حين كتب جمال الدين الاقغاني ومحمد عبده في مجلة "العروة الوثقي": استرخت الاعصاب، ورثت الأطناب، ورقت الأوتار، وتداعى بناء الأمة الى الانحلال كما يتداعى بناء البنية البدنية الى الفناء... تبطل هيئة الأمة وإن بقيت آحادها، فما عي إلا كالأجزاء المتناثرة، إما أن تتصل بأبدان أخرى، بحكم الكون، وإما أن تبقى في قبضة الموت الى أن يفتح فيها روح النشأة الأخرى، سنة الله في خلقه، إذا ضعفت العصبية في قوم رماهم الله بالفشل، وغفل بعضهم عن بعض، وأعقب الغفلة تقطع في الروابط، وتبعه تقاطع وتدابر، فيتسع للأجانب مجال التداخل فيهم، ولن تقوم لهم قائمة من بعد حتى يعيدهم الله كما بدأهم، بإفاضة روح التعصب في نشأة ثانية. (1884م).
يا سادة دعونا ننطلق بعقولنا وأفكارنا كي نصنع مصيرنا بأيدينا لا بيد عمرو، ولنترك حديث (البيضة أولاً أم الدجاجة) جانباً ونفسح الطريق نحو مزيد من الديمقراطية والانفتاح السياسي قبل أن يفوت الأوان. ولله الأمر من قبل ومن بعد. * خليل العناني، كاتب ومفكر مصري