العلاقات المصرية السعودية محور ارتكاز الأمة العربية

انتفضت ثورات عربية على الاستبداد، ولكنها دخلت في فوضى عارمة، بسبب أنها لا تمتلك مقومات التغيير. فأصبحت المنطقة العربية ساحة عالمية مستباحة، وبدأت تلحق بالعراق الذي لم يتمكن العرب قبل الثورات من انتزاعه من الهيمنة الإيرانية.

نجحت جماعة الإخوان المسلمين من الاستئثار بالسلطة في مصر، بينما الشعب المصري انتفض على حكم الإخوان، بسبب ممارسة حكم شبيه بالحكم الاقصائي المتبع في العراق.

هنا بدأت مرحلة عربية جديدة، كشفت عن عمق وجذور العلاقات المصرية السعودية، عندما بادرت السعودية إلى تقديم الدعم الكامل لدولة مصر بقيادة الجيش المصري بحاضنته الشعبية في قيادة مرحلة التغيير الجديدة في مصر. ولم تعر السعودية أي اهتمام للمواقف الإقليمية والدولية المعارضة للوضع الجديد في مصر وتسميته بانقلاب عسكري وثورة مضادة.

لكن الدعم السعودي الإماراتي الكويتي بتقديم 12 مليار دولار للحكومة الانتقالية في مصر لدعم خارطة الطريق غير من مواقف كثير من الدول، في المقابل وجد التغيير في مصر تأييدا روسيا قويا رغم مواقفه المعارضة في سوريا.

ووضعت مصر تنظيم جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الإرهاب في ديسمبر 2013، ثم تبعتها السعودية بوضع التنظيم وبقية كافة الجماعات المتطرفة على قائمة الإرهاب.

بعد انتخاب السيسي رئيسا لدولة مصر بدأ العالم يراهن، وخصوصا الولايات المتحدة، بأن السيسي يقود دولة منهارة اقتصاديا، والعنف والإرهاب يسيران فيها في اتجاه متصاعد، في حين وجدت السعودية أن عمليات هندسة الديمقراطية في العراق فشلت، والأخطر تمت عملية التواء لأصولها، ولن تقبل السعودية استنساخ التجربة العراقية في مصر بعيدا عن كل التغييرات التي جرت في مصر خلال السنوات الثلاث الماضية زمن الثورات.

ونجحت حكومة خارطة الطريق بعد الدعم السعودي الإماراتي الكويتي بقيادة مرحلة جديدة في مصر انخفض على إثرها العجز في الموازنة العامة، وعادت البورصة المصرية إلى سابق عهدها في عام 2008 قبل حدوث الثورة المصرية وقبل حدوث الأزمة المالية، وبلغ معدل النمو 2.7 في المائة بعدما كان 1.9 في المائة في زمن حكومة الرئيس محمد مرسي، وارتفعت الاحتياطيات المصرية، واتبعت الحكومة الانتقالية سياسة توسعية متجاهلة نصائح صندوق النقد الدولي، وأنفقت 60 مليار جنيه استثمرت في البنية التحتية.

بالطبع لا يزال الاقتصاد المصري يعاني نكسات نتيجة الثورات ونتيجة التركة السابقة، وهو على غير ما يرام، فكانت زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز لمصر يوم الجمعة 20/6/2014 استكمالا للطروحات التي أتت في البيان الملكي الموجه للرئيس السيسي في أعقاب فوزه في الانتخابات المصرية، لتكريس الشراكة بين السعودية ومصر من أجل أن تصل إلى مرحلة التحالف الاستراتيجي وتدعيمه الذي أخذ شكلا تاريخيا لإنقاذ مصر والمنطقة من الفوضى، وتمكن قيادة مرحلة جديدة من التحولات يقودها البلدين التي تتطلب حراكا يتناسب مع استحقاقات المستقبل التي تحمل في طياتها أخطارا هائلة.

يدرك الملك عبدالله بأن مصر هي على قائمة أولويات السياسة الخارجية للسعودية من أجل التوصل إلى حشد إقليمي، لذلك فإن الملك عبدالله يرى أن مصر بحاجة إلى برنامج استراتيجي تنموي يتصل بالمستقبل ويتفوق على المشاريع الاستهلاكية.

المساعدات السياسية والمالية التي تقدم لمصر غير كافية، وتسعى السعودية إلى تحويل الدعم إلى إستراتيجية تنموية، ودعوة الملك عبدالله إلى عقد مؤتمر المانحين والتحضير له على كافة المستويات هي رسالة لكافة الدول الإقليمية والدولية، بأن الدعم السعودي لمصر لا يسمح لمثل تلك الدول بالتدخل في الشأن الداخلي المصري.

وكانت الرسالة الأخرى بأن عصر التنظيمات بجميع أشكاله قد انتهى، وبدأ عهد الدولة، وتكفلت السعودية ودولة الإمارات والكويت بتقديم الدعم الكامل والمتواصل لدولة مصر مما وفر حراكا إنقاذيا معاكسا لرغبات دول كثيرة.

لذلك اكتسبت زيارة الملك عبدالله لمصر بالصفة التاريخية لما تحمله الزيارة من معاني انتشال مصر والمنطقة من الفوضى التي ضربتها جراء ثورات غير محسوبة، وهي زيارة متصلة بحراك إقليمي ودولي في زمن التحولات.