العلاقات الأوروبية الإيرانية: زوبعة في فنجان انتخابات

لندن - من احمد القبيسي
مليباند، تهديدات بلا جدوى

يبدو ان ثمة "توترات" في العلاقات بين أوروبا وإيران. ولكن إذا أخذ في عين الاعتبار، أن هذه الخلافات ليست جديدة، وان حافزها الجديد المتعلق بالانتخابات الايرانية ليس كافيا لصنع توتر حقيقي، فان التكهنات التي تتراوح بين سحب السفراء الأوروبيين من طهران، وبين السعي لفرض عقوبات جديدة، تبدو وكأنها مبالغات أكثر من كونها توترات حقيقية بين الطرفين.
إيران تحاول من جانبها أن تقدم نفسها كضحية لتدخلات خارجية. وهي لا تتردد في توجيه اتهامات لموظفين في السفارة البريطانية بالتورط بـ"إدارة الاضطرابات من خلف الستار" غداة الإعلان عن نتائج الانتخابات التي فاز بها الرئيس محمود احمدي نجاد بنسبة تزيد على 62% من الأصوات.
ولكن لا الضحية ضحية بالفعل، ولا الاتهام يبدو منطقيا. عقب اندلاع الاضطرابات احتجاجا على ما اعتبر تزويرا للانتخابات من جانب مرشح المعارضة الرئيسي مير حسين موسوي، أثار البريطانيون حفيظة إيران بقيامهم بتجميد نحو 1.5 مليار دولار من الأموال الإيرانية. وحاول الايرانيون رد الصاع صاعين باعتقال تسعة من موظفي السفارة البريطانية في طهران.
بريطانيا "زورت" تفسيرا لا يستحق الإعتبار لتجميد الأموال. وإيران ردت بتزوير اتهام ضد الموظفين في السفارة. هذا هو كل ما في الأمر. وهو يبدو "لعب أطفال" أكثر منه صراعا دبلوماسيا حقيقيا.
وسواء قامت السلطات الإيرانية بتزوير الانتخابات أم لا، فهذا شأن داخلي لا تستطيع أوروبا ان تعمل الكثير بشأنه. اما قمع المتظاهرين، حيث سقط 20 قتيلا واعتقال نحو ألف، فهذا أمر لا تستطيع أوروبا ان تعمل منه قصة كبيرة.
قد يبدو ان الطرفين لا يحبان احدهما الآخر، إلا أن الحقيقة هي ان "لعب الاطفال" بينهما لن يفضي الى توترات دائمة او عميقة. إيران تعرف ذلك، وكذلك أوروبا.
وزارة الخارجية الايرانية اعلنت الاثنين الماضي على أي حال، عن الافراج عن خمسة موظفين في السفارة البريطانية في ايران وواصلت احتجاز اربعة آخرين لاستجوابهم. وقالت ان واحدا منهم لعب "دورا بارزا" في الاضطرابات.. و"كان له دور بارز خلال الاضطرابات الاخيرة وادارتها من خلف الستار".
وذكرت مصادر رسمية ان موظفة اخرى في السفارة كانت "عنصرا رئيسيا وراء الاضطرابات" لكن اطلق سراحها لتمتعها بحصانة دبلوماسية.
هكذا أرادت طهران ان تقول ان مئات الآلاف من المتظاهرين لم يخرجوا للاحتجاج بناء على دعوات المرشحين الخاسرين في الانتخابات، وإنما بسبب موظف وموظفة في السفارة البريطانية لا يملكان حتى الحصانة الدبلوماسية.
وأكثر من ذلك، فان جميع الموظفين المحتجزين هم إيرانيون.
السبب وراء "المبالغة" في اللعب، رغم معرفة الطرفين انه لعب، يعود الى ان الطرفين ليس لديهما خيارات كثيرة في الحوار المتعلق بالملف النووي. فلا الاتحاد الأوروبي قادر على تغيير سياسة "متابعة الحوار" التي تريد الولايات المتحدة مواصلتها مع إيران. ولا إيران تريد ان تقدم تنازلات للاوروبيين. مما يجعل حوارهم وخصومتهم من لزوم ما لا يلزم حيال المفاوض الرئيسي وهو الولايات المتحدة.
وكانت الولايات المتحدة جددت خلال اليومين الماضيين، وبرعم كل الاضطرابات التي اندلعت في إيران عزمها استئناف المباحثات مع ايران حول برنامجها النووي،
وقالت السفيرة الاميركية لدى الامم المتحدة سوزان رايس "ما زال العرض الذي قدمناه لطهران قبل شهرين (ابريل/نيسان) قائما بالتفاوض حول برنامجها النووي مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن الدولي" (الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وفرنسا وروسيا) اضافة الى المانيا.
واضافت ان الاحداث الجارية في ايران تمثل "لحظة تغيير قوية" في هذا البلد، مضيفة ان تصريحات احمدي نجاد ضد الولايات المتحدة "لا تتمتع بمصداقية في الاطار الحالي".
وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند قال هو أيضا، حتى بعد احتجاز موظفي سفارته في طهران، "ان بريطانيا وايران متفقتان على ان ايجاد حل سريع للنزاع بشأن هؤلاء الموظفين هو في مصلحة البلدين".
وفي مسعى للقول ان بريطانيا لا تواجه إيران من دون خيارات، قال مليباند ان الاتحاد الاوروبي سيضطر الى فرض عقوبات اشد على ايران اذا لم تقبل عرضا دوليا لاجراء محادثات بشأن برنامجها النووي بحلول نهاية العام الحالي.
وكان ميليباند اجرى محادثة هاتفية مع نظيره الايراني منوشهر متكي، انتهت بان أبلغه متكي بالقول انه "يريد رفع مستوى تعامل ايران مع بريطانيا والدول الاوروبية الأخرى".
هل ستكون هناك عقوبات جديدة؟ وهل سينسحب السفراء؟
جديا، لن تكون هناك توترات حقيقية. وحتى ولو استمر "لعب الأطفال"، فان الزوبعة ستظل محصورة في فنجان.
رئيس الوزراء الايطالي والرئيس الحالي لمجموعة الثماني سيلفيو برلسكوني قال الاثنين ان موضوع ايران وفرض عقوبات محتملة في مقدمة المواضيع التي سيدرسها قادة دول وحكومات مجموعة الثماني خلال قمتهم في لاكويلا بايطاليا من الثامن الى العاشر من تموز/يوليو.
وقالت صحيفة فايننشال تايمز الصادرة الأربعاء أن غالبية الدول السبع والعشرين الأعضاء في الإتحاد الأوروبي ستقوم باستدعاء سفرائها لدى إيران أواخر الأسبوع الحالي احتجاجاً على رفض سلطات الأخيرة اخلاء سبيل موظفي السفارة البريطانية في طهران.
وقالت الصحيفة نقلاً عن دبلوماسيين وصفتهم بالبارزين في بروكسل "إن الإتحاد الأوروبي سيتخذ موقفاً دبلوماسياً منسقاً ضد طهران خلال أيام، وتركز الدول الأعضاء الآن على فكرة اعلان سحب سفرائها من هناك بنهاية الأسبوع الحالي ما لم يكن هناك أي تحرك من قبل الإيرانيين حيال محتجزين السفارة البريطانية والذين نريد أن نراهم طليقيين بحلول الخامس من يوليو/تموز الجاري على أبعد تقدير".
مع ذلك فان زوايع التوترات السابقة في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران لا تبدو فارغة وعديمة المضمون كما هي الآن.