العلاقات الأميركية ـ العربية في أزمة خطيرة وعميقة

بقلم: ماجد كيالي

ثمة أزمة كبيرة بل وخطيرة في العلاقات الأميركية ـ العربية، ولكن اللافت للانتباه، هذه المرة، أن هذه الأزمة تختلف عن سابقاتها بسمات ثلاث رئيسية، أولاها، أنها ليست نتاجا لخلاف في المجال السياسي فقط، وإنما هي تشمل التدخل الأميركي في الشؤون العربية، في المجالات: الثقافية والاقتصادية المجتمعية وصولا إلى طبيعة النظام السياسي ذاته؛ ثانيها، أنها تطاول العديد من الدول التي طالما اعتبرت نفسها صديقة أو حليفة للولايات المتحدة الأميركية، إذ وصلت الأزمة إلى حد استعداء السعودية ومصر؛ ثالثها، أن إسرائيل دخلت بقوة على هذا المشهد، لتوتير العلاقات الأميركية ـ العربية، لإظهار تماهيها مع الولايات المتحدة الأميركية في ادعائها بمحاربة "الإرهاب" والدفاع عن قيم الحرية والرفاهية في العالم.
ومن مشاهد هذه الأزمة، على مستوى الصراع العربي ـ الإسرائيلي، أن الولايات المتحدة الأميركية، مثلا، باتت تتبنى الخطاب الشاروني، بتجاوزها رعاية عملية التسوية واتفاقات أوسلو وضمانها للكيان الفلسطيني، وبمطالبتها بتغيير القيادة الفلسطينية، برغم من يقينها بأن شارون هو ضد التسوية جملة وتفصيلا.
وقد وصل الأمر إلى حد التجاهل التام لمبادرة السلام السعودية (العربية) ووصول دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي، إلى حد اعتبار الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين مجرد غنيمة حرب واضعا كلمة الأراضي المحتلة بين مزدوجين.
والأخطر من هذا وذاك أن الإدارة الأميركية تغاضت عن تلويح إسرائيل باحتمال استخدامها سلاحها النووي لتدمير العراق ومحوه عن الخارطة، بحسب التعبيرات الإسرائيلية، حتى لو لم يسقط ضحية إسرائيلية واحدة جراء الهجمات الصاروخية العراقية المفترضة على إسرائيل! في حين أنها إبّان الحرب السابقة ضد العراق (1991) عملت إدارة بوش (الأب) على فرض تقييد تام على أي محاولة رد إسرائيلي على العراق، آنذاك.
وخارج نطاق الصراع العربي ـ الإسرائيلي فإن أزمة العلاقات العربية مع أمريكا وصلت إلى حد وضع السعودية، بحسب تقرير البنتاغون الشهير، في خانة الأعداء والدعوة للسيطرة على منابع النفط وفرض قيود على عمل الجمعيات الخيرية مع تغييرات ثقافية وتربوية، بحجة تجفيف مصادر الإرهاب. كما أن هذه الأزمة شملت مصر، برغم كل مساهماتها في عملية التسوية، وتتمثل بالمطالبة بمعاقبتها بوقف المساعدات المالية الأميركية لها، بدعاوي تتعلق حقوق الإنسان والاقليات، وطبيعي أن هذه الأزمة تتناول سورية، أيضا، حيث سيناقش الكونغرس الأميركي في مطلع سبتمبر القادم مشروع قانون "محاسبة سوريا" على خلفية دعمها للمقاومة الفلسطينية واللبنانية ومعارضتها ضرب العراق، وبحجج أخرى.
المهم، من هذا الحساب، أنه ثمة أزمة حقيقية في العلاقات الأميركية ـ العربية وهي أزمة لا يمكن تبسيطها بتفسيرها بنظرية "المؤامرة" أو بمجرد إحالتها إلى نشاط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة ولا باعتبارها ردا طبيعيا على هجمات 11 سبتمبر، التي نفذها أشخاص يحملون جنسيات عربية، ولا بضعف تجاوب هذه الدولة العربية أو تلك مع المخططات التي تبيّتها واشنطن ضد بغداد.
المعنى أن هستريا العداء الأميركي للعالم العربي (والإسلامي عموما)، والتي تتغذّى من وسائل الإعلام والمؤسسات البحثية الأميركية، ما هي إلا محصلة مجموعة من العوامل والمداخلات: الثقافية والدينية والاثنية والسياسية، فهي أولا، نتاج تمثّلات وتفاعلات العقلية الأميركية، التي ليس لديها ذاكرة جمعية ولا تاريخ قومي، وإنما لديها مصالح ومجموعة قيم نسبية وليست مطلقة وتتركّز على الفرد لا على الأمة.
وهي ثانيا، وليدة لطبيعة النظام السياسي الأميركي الذي هو بمثابة شركة مساهمة ومحصلة لنشاط مجموعة من النخب العاملة في الحقل السياسي العام والتي تدافع عن مصالح معينة اقتصادية أو سياسية أو إثنية، وفي هذا الإطار يأتي نشاط اللوبي الإسرائيلي.
وهي ثالثا، تتغذّى من العداء العربي لإسرائيل بالنظر إلى مكانة إسرائيل في عقلية الأميركيين، بحكم الخلفية الثقافية والدينية للنخب المسيطرة والتي تنتمي للانجلو ساكسون؛ وهي رابعا ناجمة عن اعتبار العرب مجموعة مستهلكة لا يهمها سوى الملذات وإنجاب الأولاد في حين أنها لا تنتج شيئا وتسيطر على أهم ثروة في العالم وهي النفط والغاز، التي تحرّك دولاب الصناعة في العالم وتمس رفاهية المواطن الغربي، وقد أضيف حديثا إلى ذلك بدعة اتهام العرب بتصدير "الإرهاب" وتهديد الحرية والرفاهية في العالم.
والغريب أن السياسة العربية اتكأت على الدوام، في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، على سير الأمور بحسب الرغبات وليس بناء على نظرة متفحصة للواقع الموضوعي، وأنها استمرأت المجاملات الدبلوماسية على حقيقة السياسة باعتبارها تفاعل إرادات ومصالح وبني مجتمعية.
وفي الواقع فإن صدمة السياسة العربية، في هذه الأزمة، ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن اصطدم العرب بحقيقة خسارتهم للاتحاد السوفيتي (السابق) شعوبا وحكاما، بعد انهيار النظام الاشتراكي في مطلع التسعينيات، حيث اكتشف العرب بأنهم لا يملكون صداقات حقيقية في المجتمعات التي كانت في إطار الاتحاد السوفيتي لاعتمادهم في علاقاتهم الرسمية على النخب المسيطرة على الحزب والدولة، كما أكتشف العرب بأن اللوبي الصهيوني كان أكثر منهم نشاطا وحيوية، إذ استطاع تهجير مليون يهودي أو متهود إلى إسرائيل وبنى شبكة واسعة وقوية من المؤسسات الاقتصادية والإعلامية والثقافية في روسيا وغيرها من البلدان السوفيتية مجيّرا ذلك لصالح تعزيز نفوذ إسرائيل في السياسة الروسية.
ويستنتج مما تقدم بأن العلاقات السياسية الجيدة والمثمرة، في عصرنا، ومع دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية، ما هي إلا نتيجة لمجموعة من العوامل والمصالح والتفاعلات السياسية والاقتصادية والثقافية، بمعنى أنها ليست مجرد علاقات ديبلوماسية، وإنما هي نتاج شبكة مترابطة من العلاقات والمصالح المتبادلة، كما أنها ليست نتاجا لتفاهم بين القادة (على أهمية ذلك) وإنما هي محصلة تقارب شعوب وتفاهم مجتمعات.
ومثلما هو الحال في التجربة الروسية، فقد أكدت التجربة، أيضا، بأن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة ليست مجرد علاقة سياسية، وأنها، أيضا، أبعد بكثير من كونها علاقة رسمية بين دولتين أو إدارتين.
إذ أن مكونات هذه العلاقة تكمن في تمثيلات ومقاربات عديدة وعميقة. فمن جهة المقاربة التاريخية فإن إسرائيل استطاعت أن تسوّق تجربة الاستيطان اليهودي في فلسطين، في الإدراك الأميركي، باعتباره تمثّلا للمغامرة الأميركية التي تتعلق باكتشاف "العالم الجديد" والاستيطان فيه واستخدام القوة لوأد مقاومة السكان الأصليين (الهنود الحمر) وبناء عالم يقوم على أساس من التكنولوجيا والرفاهية والحرية.
وفي هذه المقاربة تماهت الدولة العبرية مع أمريكا، بادعائها أنها بمثابة العالم الجديد في العالم العربي (القديم) وبأنها واحة الديمقراطية في بحر من التخلف والاستبداد! ويتمثل البعد الديني بواقع توظيف انتماء القطاعات الأنجلو ـ سكسونية، المسيطرة ثقافيا واقتصاديا في المجتمع الأميركي، للمذهب البروتستانتي الذي يؤمن بكتاب اليهود "العهد القديم".
ومن الناحية الثقافية فقد استطاعت إسرائيل أن تقدم نفسها باعتبارها امتدادا للمنظومة الحضارية الغربية في المنطقة، وحارسا لقيمة ومصالحه. كما يأتي ضمن هذه الاعتبارات واقع وجود تجمع يهودي كبير في أمريكا على غاية في الحيوية والأهمية ويتمتع بإدارة متناسقة ما يجعل نفوذه الفعلي أكبر بعدة مرات من حجمه العددي وذلك، أيضا، بحكم احتلال اليهود أماكن حساسة في مفاصل متميزة وقريبة من التأثير على مؤسسات صنع الأفكار والقرار في المجتمع الأميركي، سواء في المؤسسات السياسية أو البحثية أو البنكية أو الإعلامية، كما في الجامعات وإدارات الشركات وفي كل مجالات الفنون والثقافة والعلوم، ما يجعلهم يصلون إلى مختلف فئات وتشكيلات المجتمع الأميركي.
أخيرا من الواضح أن الأزمة في العلاقات الأميركية ـ العربية ليست مجرد أزمة عابرة كما أنها ليست على هذه البساطة، وهي تتعلق أساسا بمحاولة أمريكا، في ظل الإدارة الحالية، فرض قيمها على العالم باعتبارها قيما مطلقة، في ظل مسارات العولمة، بعد أن تحررت من التزامات الحرب الباردة، ومن الواضح، أيضا، أن أمريكا تستخدم العالم العربي كنموذج لتطويع العالم لإرادتها ولمصالحها وأولوياتها، لترسيخ سيطرتها على النظام الدولي.
والأخطر من كل ذلك أن إسرائيل تحتل موقعا رئيسا في تفاقم هذه الأزمة، فالعداء العربي لإسرائيل، بات في عرف الإدارة الحالية، عداء لأمريكا ذاتها، بحسب تقرير البنتاغون، وهذا مايفسر مواقف وسلوك إدارة بوش، التي تعطي لإسرائيل قيمة مطلقة، والتي تفتح ملفات التطبيع مع إسرائيل وضرورة القبول العربي بها، من دون ثمن.
فالإدارة الأميركية لا تغفر لمصر ولا للسعودية عدم تساوقهما مع مشروع "النظام الشرق أوسطي" (الأميركي)، ولا مسيرة "السلام البارد" المصرية، ولا احتضان مصر والسعودية للسلطة الفلسطينية ومطالبها، ولا المبادرة السعودية(العربية)، وبالطبع ولا هذه المعارضة العربية لضرب العراق، ولا المساعي لقيام تضامن عربي، سياسي أو اقتصادي مهما كانت درجته.
المهم أنه ثمة حاجة ماسة لمراجعة العلاقات العربية ـ الأميركية، من خلال التحرك بحذر في التعامل مع ألغامها، أولا، وثانيا عبر إيجاد السبل لخلق مجالات أكثر حيوية وعمقا وثباتا لعلاقات عربية ـ أميركية، لا تقتصر على النخب الحاكمة وإنما تمتد لعمق المجتمع الأميركي، بكافة أطيافه، باعتباره ساحة عمل حقيقية للتأثير على ميل السياسة في البيت الأبيض الأميركي، وثالثا، عبر فك هذا الارتباط بين السياسة الأميركية والسياسة الإسرائيلية.
ولا شك في أن ذلك يتطلب أساسا تحرير الإرادة العربية والتوافق على موقف عربي مشترك أساسه الدفاع عن الحقوق والمصالح العربية، لا الخضوع للاملاءات الأميركية.