العقول المهاجرة تعود إلى نيجيريا

لاغوس - من نيك تاترسال
النفط لا يكفي لانتشال نيجيريا من البؤس

من حفلات الكوكتيل التي يشارك فيها نجوم موسيقى الهيب هوب إلى تناول السوشي مع رجال بنوك متأنقين لا عجب أن النيجيريين الذين يعودون بعد عقود قضوها في نيويورك ولندن يشعرون أنهم في وطنهم بين نخبة تعيش في رغد في لاغوس.
هذا الامتداد الحضري الذي يضم 14 مليون نسمة والذي يعد محور الفوضى في أكبر بلد افريقي من حيث عدد السكان قد يجسد ما يخشاه الكثير من الاجانب بشأن المدن الكبرى في العالم النامي كالجرائم العنيفة والشرطة الفاسدة والبنية التحتية المتهالكة.
غير أن أعدادا كبيرة من الشبان النيجيريين الذين تلقوا تعليمهم في مدارس حكومية انجليزية وجامعات أمريكية يتركون وظائفهم ذات الرواتب المرتفعة في بنوك وول ستريت والمؤسسات الاستشارية بلندن ليعودوا إلى صخب لاغوس.

ما الذي يجذبهم:

ليس مجرد عائد يقارب او يضاهي المعروض في الولايات المتحدة او أوروبا بل نزعة وطنية: فرصة للمساعدة في تحقيق حلم بناء مؤسسات تجارية نيجيرية لتكون مثالا لبقية افريقيا.
يقول مايكل اكينديلي الذي ترك عمله في مؤسسة اكسنتشر الاستشارية بالولايات المتحدة ليقيم مشروعه الخاص ويستثمر في قطاع الاعلام والترفيه بنيجيريا "في الولايات المتحدة اقتصاد مستقر. لا يستطيع المرء انشاء شركة ابل أخرى أو مايكروسوفت أخرى. لا تستطيع أن تنشئ ديزني أخرى".
ومضى يقول "تركت هذا الراتب وهذا المناخ المريح والمستقر حيث توجد الكهرباء طوال الوقت والمياه طوال الوقت. لكنني هنا أستطيع خلق نمط الحياة الذي أريده".
ونيجيريا ثامن اكبر دولة مصدرة للنفط على مستوى العالم لكن اقتصادها كان مكبلا بعقود من الفساد المتوطن كما أن معدل البطالة مرتفع. وأدت أزمة في قطاع الكهرباء تجعل البلاد أحيانا بلا تيار كهربائي لاسابيع او شهور الى اغلاق مئات المصانع والقضاء على آلاف الوظائف في اكبر اقتصاد بافريقيا جنوب الصحراء بعد جنوب افريقيا.
وتم ارسال الكثير من النيجيريين ميسوري الحال من جيل اكينديلي إلى مدارس داخلية في انكلترا او الولايات المتحدة في اواخر الثمانينيات والتسعينيات حين كانت نيجيريا دكتاتورية عسكرية لا يوجد بها استثمار أجنبي يذكر فضلا عن تردي نظام التعليم.
وراقب هؤلاء الاوضاع بتفاؤل حذر مع بدء عودة البلاد إلى الديمقراطية عام 1999 بانتخاب اولوسيغون اوباسانجو بعد ثلاثة عقود من الحكم العسكري ورحبوا بالاصلاحات التي بدأ في تطبيقها بعد فوزه بولاية ثانية عام 2003.
وحين استغلت نيجيريا 12 مليار دولار من مدخرات النفط لسداد ديونها لنادي باريس للدول الغنية المانحة عام 2005 ونجحت في اسقاط ديون أخرى قيمتها 18 مليار دولار في المقابل لفت هذا انتباه مستثمرين أجانب ونيجيريين مقيمين بالخارج.
وقال كايودي اكينديلي (28 عاما) الذي عاد ليعمل لدى بنك يو. بي.ايه ذراع الاستثمار المصرفي لبنك افريقيا المتحد "كنت أتابع كل هذا من لندن وبدأت أؤمن أن الوقت قد حان لبدء التخطيط للعودة". ولا تربط كايودي صلة قرابة بمايكل اكينديلي.
كان كايودي اكينديلي خريج جامعة اكسفورد الذي عاش في بريطانيا لاكثر من 16 عاما يعمل لدى بنك لويدز تي.اس.بي في لندن حين تعرف على طوني ايلوميلو الرئيس التنفيذي لبنك يو.بي. ايه قبل عامين.
وكان ايلوميلو يتطلع الى انشاء بنك استثماري على مستوى عالمي في نيجيريا وكانت مهارات اكينديلي هي ما يحتاجه تماما.
يقول اكينديلي الذي يشغل حاليا منصب نائب رئيس في يو.بي.ايه غلوبال ماركتس "كان هناك حس وطني. كنت أنظر إلى نفسي دوما على أنني نيجيري وخططت للعودة إلى نيجيريا في نهاية المطاف."
وأجبرت الاصلاحات التي شهدها القطاع المالي عام 2005 البنوك في نيجيريا على الاندماج لانشاء مؤسسات بمليارات الدولارات لديها القدرة على التوسع بانشاء فروع في أسواق جديدة رفيعة المستوى وأن تدفع رواتب تضارع بعض نظرائها الغربيين.
كما شهدت البنوك نموا كبيرا على أثر ارتفاع قياسي في أسعار النفط فضلا عن نمو الطبقة المتوسطة بين سكان نيجيريا البالغ عددهم 140 مليون نسمة. وهي ترفع رأس مالها باستمرار وتزيد من قدرتها على الاقراض.
وكان سوق الاسهم النيجيري البالغة قيمته 95 مليار دولار واحدا من أفضل الاسواق الناشئة اداء في العالم السنة الماضية حيث استقطب مستثمرين في الاسهم وفي صناديق التحوط من أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.
وربما يكون عالم أسواق المال ببريقه الاخاذ بعيدا كل البعد عن واقع الحياة في شوارع لاجوس حيث يبيع باعة متجولون كل شيء من بطاقات شحن الهواتف المحمولة إلى المكاوي يسعون جاهدين لممارسة تجارتهم بين الحافلات الصغيرة وسيارات الاجرة.
لكن المصرفيين يأملون في أن يساعد بناء مؤسسات مالية قوية في فتح خطوط ائتمان للملايين الراغبين في اقامة مشروعات تجارية مما يسمح لهم بتطوير مشاريع صغيرة.
وما زالت الحكومة اكبر مستخدم رسمي في نيجيريا ومازالت الاغلبية الساحقة تعيش على أقل من دولارين في اليوم لكن النخبة الجديدة من القطاع الخاص تأمل في الخروج بالبلاد من دائرة الفقر والفساد.