العفو الملكي لن يؤدي إلى أزمة سياسية

لا يمكن الركوب على موجة عاتية آتية من جهة معادية لضرب ما يعرفه المغرب من أوراش تصب في صيانة كرامة الإنسان المغربي والنهوض بإمكاناته والعمل على صيانة استقراره، إذن العفو الملكي كحق دستوري يمارسه الملك حسب ما ينص عليه الفصل 58 من الدستور، لتصويب أحكام قضائية عندما تدخل اعتبارات إنسانية محضة أو صحية أو سياسية تهم المصالح الكبرى للبلد، وليس الغرض منه بالطبع إعطاء تغطية لأي مجرم كان مهددا لحقوق الإنسان في العمق وعليه لا يمكن للملك إلا أن يكون شفيقا بشعبه، فما بالك بطفولة مغربية تحرص المؤسسات المغربية المعنية بها وعلى رأسها المؤسسة الملكية في الدفاع عنها وحمايتها والحرص عليها.

الاسباني دانييل غالفان المحكوم عليه بثلاثين سنة حبسا نافذة بتهمة اغتصاب أحد عشر طفلا قاصرا لم يفلت من عقاب القضاء الذي تصدر أحكامه باسم الملك في محاكم المغرب، بالتالي كان هذا القضاء منصفا للطفولة المغربية وعليه لا نتصور أن يأتي عفوا ملكيا على مجرم بهذه الشناعة ليعطيه حقا مجانيا في الحرية. وعلى إثره خرج بلاغا للديوان الملكي يستنكر هذا الأمر ويتبرأ من أن يكون الملك ضد شعبه وضد أطفاله فهو الراعي الذي يرعى الحقوق ويقوم على أداء الواجبات.

فمن المسؤول على هذا المنزلق؟ هذا ما أمر به الملك في البلاغ بفتح تحقيق شامل ومفصل يحدد المسؤوليات حتى يتم الوقوف على الفاعل ليتم اتخاذ العقوبات اللازمة في حقه، وذلك في ظل الدستور الذي يقر بدولة المؤسسات التي تتوزع فيها الصلاحيات بين المؤسسة التنفيذية والمؤسسة التشريعية والمؤسسة القضائية، تحت الرقابة والإشراف عليها وتوجيهها والتحكيم بينها من طرف الملك، الذي هو فوق الحكومة والبرلمان والقضاء.

منظمات حقوقية وتنظيمات سياسية ومجتمع مدني مارست حقها الذي يكفله القانون والضمير الحقوقي فاحتجت على إطلاق سراح مغتصِب الأطفال كفعل شنيع لا يمكن القبول به ووجب إدانته والوقوف ضده، لكن دخلت أطراف على الخط لتسييس هذا التحرك وإعطائه صبغة أخرى لا علاقة لها بالشق الإنساني والحقوقي الذي من الممكن حله عبر نقاش مسؤول ورصين لا يصب في زرع بذور الفتنة والفلتان.

حيث أن ملف طالب العفو يمر عبر قنوات ومساطر وتحضيرات وجب تحري الدقة فيها لاختيار المرشح حتى يصل الملف إلى الملك الذي بالضرورة يصدر عفوه اعتمادا على ثقته في الأجهزة التي مررت الملف والمتمثلة في لجنة تحت رئاسة وزير العدل تتم دراسة الترشيحات إضافة إلى مندوبية السجون ومديرية الشؤون الجنائية والعفو، ملف الاسباني المغتصِب دانييل غالفان تم تمريره ضمن 48 اسبانيا الذين شملهم العفو الملكي بمناسبة عيد العرش ضمن ألف مغربي في أحكام تتفاوت فيها فترة عقوباتهم.

عطفا عليه نقول بأن إمارة المؤمنين في المغرب معنية بحماية الدين والقيم الأخلاقية في ربوع المملكة على أساس تعميم مفاهيم العدل وحقوق المواطن ورعاية المظلوم والاقتصاص من الظالم، من هنا لا يمكن أن يقف الملك ضد مسؤولياته الدستورية والدينية والأخلاقية ويساوم على حقوق شعبه، فالعفو الذي يشمل به المحكومين حسب الظهير الذي ينظمه لا يغفل الإشارة إلى أن مخرجات العفو لا يمكن أن تكون ضد حقوق الغير. ومن ثم تفاعل الملك مع تداعيات العفو بشكل سريع وفعال حتى لا تتفاقم الأمور خصوصا وان هناك جمعيات خارجية ممولة من طرف أعداء الوحدة الترابية من الواضح أن تحرك أياديها الخفية لإضفاء طابع سياسي على قضية وجب التعامل معها بأسلوب غير تمييزي وبلا مزايدات سياسية لا تخدم طموح الإصلاح.

لقد قلنا بأن الشعور العام المغربي لا يتسامح مع من يخدش أخلاقه وعلى هذا الأساس تمت وقفات احتجاجية بريئة من أي أجندة سياسية، ويجب لفت النظر إلى أن تدخل السلطات العنيف لفض مثل هذه الاحتجاجات ضروري أن يأخذ بعين الاعتبار تداعياته الداخلية والخارجية حتى لا نعطي للآخرين فرصة التدخل في شؤوننا وحتى لا تأخذ الأزمة أبعادا سياسية نحن في غنى عنها لا تخدم إلا الذين يرتزقون في ملفات وقرارات تهم مستقبل الدولة واستقرارها.

لقد أدرج بلاغ الديوان الملكي اقتراحا لوزارة العدل من أجل فتح الباب لإجراءات من شأنها تقنين شروط منح العفو في مختلف مراحله، وهذا ما يمكن تعميمه تحت بند الإصلاح لا يمكن أن يكون دفعة واحدة وأبوابه مشرعة على كافة الاقتراحات والتوصيات خدمة للمواطن المغربي والسير نحو تعميق دولة الحق والقانون.