العسكريون والإسلاميون..ماذا يحمل المستقبل لمصر؟

القاهرة ـ من محمد الحمامصي
مصر أكبر من كل الصفقات المشبوهة

أعلنت الجماعة الإسلامية أنها ستقف في وجه كل من يطالبون بدولة مدنية ورفعت شعار "إسلامية، لا مدنية ولا علمانية".

واستضاف التلفزيون المصري الرسمي رموز الجماعة ليسبوا كل من يطالب بمدنية الدولة ويرفض عسكريتها ودينيتها من الثوار والمثقفين وجمهور الشعب المصري، إلى جانب تأكيدات الإخوان المسلمين والسلفيين على إسلامية الدولة المصرية تحت شعار الإسلام هو الحل، وتأكيدهم أكثر من مرة أن الدولة المصرية المقبلة هي دولة دينية.

وفي الآن نفسه يشوب تصرفات المجلس العسكري الحاكم الكثير من الغموض والالتباس، ولا يخفى توافق كل هذه الجماعات مع توجهاته والدفاع عنها، ومثال ذلك رفض المجلس العسكري لشعار "الدستور أولاً" ومساندة كل القوى الإسلامية له في رفضه.

فكيف يمكن تصور مستقبل مصر بعد ذلك كله؟

سؤال يحتمل أن يطول وتتفرع عنه تساؤلات كثيرة ترتبط بحركة تلك الجماعات الإسلامية وعلاقتها بالمجلس العسكري الحاكم، ودورهما في الكثير من تفاصيل لخبطة الساحة السياسية والهجوم على الثورة والثوار.

ويرى الشاعر والمترجم رفعت سلام أن مصر أكبر من أن تحدد مستقبلها صفقات مشبوهة.

رفعت سلام

ويقول "يمكن أن يكون الإفراج عن قادة الجماعة الإسلامية قد تم وفقا لصفقة ما؛ فلماذا تم الإفراج عنهم بهذه السرعة؟ ولماذا كان الإفراج أولوية للمجلس العسكري؟..لكنهم لم يستطيعوا ـ في ظل قوتهم ـ أن يستميلوا جمهوراً ما؛ فهل يستطيعون الآن ـ وفي ظل هذه الثورة ـ أن يقنعوا أحدا بأي شيء؟ أما هذا الخطاب الذي يواجهون به التيارات التي صنعت الثورة، فسيدفعون ثمنه عزلة لم تخطر لهم ببال".

ويؤكد سلام أن مصر لم تكن ـ في أية لحظة من تاريخها الطويل ـ دولة دينية؛ والمؤكد أن التيارات العلمانية ـ وخاصة من الشباب الذي فجروا الثورة حتى خلع مبارك ـ لن تسمح بذلك.

ويضيف "لقد تخاذل الإخوان المسلمون في بداية الثورة، وأعلنوا في بيان لهم رفضهم النزول إلى الشارع يوم 25 يناير؛ ولم ينضموا إلى المتظاهرين إلا يوم 28 يناير، بعد أن اتضح لهم أن الثورة ماضية بدونهم. وكانوا أول المهرولين إلى محاورة نظام مبارك المتداعي، حين دعا إلى الحوار على سبيل المماطلة، فيما رفضت الحوار القوى الثورية. وهي مواقف يعرفها الجميع..ولن ينساها التاريخ..فهل يحدد هؤلاء الانتهازيون مستقبل مصر؟ ومن سيتركهم ليفعلوا ذلك؟".

ويرى أن المجلس العسكري "يريد المحافظة على نظام مبارك، بدون مبارك. كأن ما جرى في يناير حتى 12 فبراير لم يكن سوى وقفة احتجاجية للشعب المصري على سلالم نقابة الصحفيين! لا أكثر! يرفضون تصديق أن ثورة حقيقية قد جرت في البلاد، دفع ثمنها الشعب المصري من أرواح أبنائه..ويتعاملون معها كما كان مبارك يتعامل مع المظاهرات السابقة على خلعه، وما يقومون به من مماطلة في اتخاذ القرارات المطلوبة، ثم التهديد والوعيد، ثم التخوين..ليس سوى آليات نظام مبارك، ولغة الخطابات المستخدمة لديهم لا تخرج ـ في الصياغة والأفكار ـ عن خطابات نظام مبارك".

ويشير سلام إلى أن الأوراق قد انكشفت الأوراق بل انفضحت، قائلاً "راجع وقائع ما جرى بميدان العباسية مؤخراً..ولن تسمح ميادين التحرير بالوصاية العسكرية عليها..ولا باحتكار العسكريين ـ المنتمين إلى نظام مبارك ـ لتوجيه مستقبل البلاد".

عصام زكريا

ويعتقد الكاتب والناقد السينمائي عصام زكريا أن المجلس العسكري يلعب لعبة قذرة.

ويقول "هو يستخدم هؤلاء الجهلة لتخويف القوى التي تطالب بالديمقراطية واستكمال أهداف الثورة الحقيقية، وكلمة الجهلة أستخدمها عمداً لأنهم لا يتعلمون من التاريخ".

ويوضح "فعبد الناصر فعل الشيء نفسه مع الإخوان، ثم أطاح بهم بعد تمكنه من السلطة، والسادات وضعهم في السجون بعد أن استخدمهم سنوات لضرب اليسار والقوى الوطنية المعارضة له، وأتصور أن المجلس العسكري لو نجح في مخططه فسوف ينقلب عليهم شر انقلاب لاحقاً، لأنه لا يستطيع العمل دون إرادة ورغبة أميركا، وهو العميل الوحيد في الموضوع، وأميركا لن تسمح بإيران أو أفغانستان أخرى، والمستفيد الوحيد في حالة نجاح هؤلاء الجهلة لن يكون الله سبحانه وتعالى أو الإسلام، ولكن تجار السلاح الذين يدبرون استمرار الحروب والشيطان الذي يحركهم".

ويرى المخرج فوزي صالح أن مصر تعيش الآن "لحظة تاريخية، أحياناً تستعصي على الفهم والتحليل والتنبؤ بمساراتها القادمة، بالنسبة لي بالطبع، فبالأمس تهدد الحركات السلفية وتتوعد ثوار التحرير واليوم تتراجع، ولم يقدموا رؤية متماسكة للتهديد أو للتراجع".

فوزي صالح

ويضيف "لتسمح لي أن أعود بذاكرتي لفترة دراساتي الجامعية بنهاية تسعينات القرن المنصرم، حيث النشاط السياسي في الجامعة مؤمم ومن يمارسونه قلة مندسة، كنت وحدي انتمي للحركة الاشتراكية في مقابل عدد لا يتخطى أصابع اليد ينتمي لحركات سلفية، وكثيراً ما تصادمنا في نقاشات حول الحلول المستقبلية التي يقدمها الإسلام للبشر جميعاً".

ويؤكد "كنت ارفع شعار 'مع الإسلاميين' أحياناً ضد الدولة ـ هل كنت مخطئاً؟ ـ مدافعاً عنهم ضد عنف الدولة البوليسية المباركية، ومع حقهم في التعبير عن وجهات نظرهم متعاطفا معهم كثوريين أرادوا تغيير العالم، الإخوان المسلمين لا اعتبرها حركة ثورية كالجماعة الإسلامية وغيرها".

ويقول مردداً المقطع الأخير من قصيدة الأبنودي"كل القضاة زايلين والمتهم خالد"، التي تتحدث عن ظلم السادات وقتله على يد خالد الإسلامبولي، "وإلى الآن لا زلت أملك نظرة التعاطف هذه، فهل زلت مخطئاً؟".

ويؤكد صالح أن "ما يحدث الآن خطأ تاريخي تكرره الحركات السياسية الإسلامية دوما وكأنه ثابت من ثوابتها وهو التحالف مع العسكر، انظر لحركة ضباط 1952، ثم انقضت الدولة العسكرية عليهم، وإعادتهم للحياة السياسية في حكم السادات وأطلقت أياديهم في الإعلام وما لبث أن انقضت عليهم، وخارج مصر أيضاً من صنع طالبان فى أفغانستان؟ ومن انقض عليها في حرب لم تنته إلى الآن..لا افهم كيف لمن تعرض للتعذيب والحبس القسري أن يتحالف مع جلاده؟".

ويتابع "لا أفهم بكل أسف أن ما تقوم به الحركات الإسلامية السياسية هو النتيجة المباشرة لغياب حركة ثورية جماهيرية تناضل بمطالب اقتصادية عادلة ومطالب ديمقراطية بلا انفصال بينهما، حركة ثورية جماهيرية تخلصنا من الاستغلال الاقتصادي والحكم الفاشي 'أي فاشية عسكرية أو دينية' وتمنح العدل والحرية للجميع، في حال تشكل هذه الحركة وتصدرها المشهد سيتبعها ملايين المصريين من الطبقات الكادحة والموظفين الصغار والباعة الجائلون وغيرهم، ولن يوقف هذه الحركة أي وعود أو أوهام باسم الدين وفي النهاية يبدو أني ما زلت حالماً".

محمد الدسوقي
الأديب محمد الدسوقي يؤكد نجاح الثورة نجحت، لكنه يرى أن فئات من الشعب المصري، تسقطها الآن تحت دعاوى لا حصر لها، و"الإعلام المصري حصري علي فئات تعرف كيف تهيّج وكيف تصعد الحرائق مثلما كانت الحال مع إشعالها المادي في المرفقات إبان الثورة".

ويرى الدسوقي فيما يخص المجلس العسكري أنه يقوم بأكثر من دور، فهو "أولاً يقوم بدور عسكري مرور فقط، وثانياً يقوم بدور الدوبلير مكان الحكم السابق، ثالثاً يدير البلاد ولا يحكمها، رابعا يمالئ فئات علي حساب فئات تواؤماً مع أجندات الدول الكبرى، خامساً قد تحلو السلطة في عينه، سادساً انفراط عقد الثورة في تجلياتها الأولي، سابعاً إن الشعب المصري بعد سنوات طويلة من القهر تحول إلى عدم وعي باللحظات الحرجة".

ووفقا لذلك يخلص الدسوقي إلى أننا في فوضى كبيرة لا يعلم إلا الله ما ستؤدي بنا، و"الشرفاء تائهون فيها والضغوط من هنا وهناك على المجلس العسكري، الذي يذكرني بالمجلس البلدي حصرياً لبيرم، يظن البعض أنها أي الضغوط يمكن أن ترفع المشير منهم أو الخفير وهذا مستحيل، وبالتالي أخشي علي بلدي أن تكون في طريقها إلى أن تتحول إلى لبنان أخرى".

ويؤكد المترجم عبد الوهاب الشيخ أن المستقبل رهن بثبات الشباب في الميدان صلابة التيارات الليبرالية واليسارية.

ويضيف "من أشعل شرارة الثورة قادر بالتأكيد على حمايتها، أما المجلس العسكري والإخوان والسلف والجماعة الإسلامية فهم يراهنون على الوقت ولا أعلم إن كان في صالحهم أم في صالح الثوار".

عبدالمنعم الباز
القاص عبدالمنعم الباز متفائل بمستقبل مصر بعد الثورة، ويقول "رغم كل المؤامرات الداخلية والخارجية سننتصر، سننتصر، لأنه لا مفر أمامنا من الانتصار نفسه، فلا يمكن تحقيق عدالة بدون حرية ولا حد أدنى للأجور بدون إضرابات ومظاهرات ونقابات حقيقية".

ويرى الباز بالنسبة للتوجهات الإسلامية أن الفرز الثوري "يأخذ من رصيد هذه الجماعات نتيجة تخاذلها الواضح وتواطؤها مع المجلس العسكري المتواطئ مع بقايا النظام الفاسد. وبافتراض أنهم وصلوا الحكم بانتخابات نظيفة أو حتى مزورة فستكون هذه نهايتهم الحقيقية في الشارع المصري لأنهم سيكونون بتحقيق المدينة الفاضلة التي ينادون بها في مجتمع مليء بالمشاكل، ويا ريت نشوف شكل الحل الإسلامي لمشكلة الإسكان أو هيعملوا ايه مع اسرائيل والسعودية وبقايا النظام أو موقفهم من ثورة ليبيا مثلاً".

ويشير الباز إلى أن أسوأ ما يمكن أن يحدث "ليس الحركة في الاتجاه الإسلامي والدولة الدينية، فكل حركة للشعب حتى لو خاطئة سيصححها الشعب نفسه الذي ذاق طعم الحرية وكسر حاجز الخوف، الأسوأ هو عدم الحركة والجمود الحالي الذي هو استمرار لجمود أعوام مبارك الثلاثين".