العزيزة.. كوندليــزة

بقلم: بثينة الناصري

لم يتوقع رامسفيلد وهو يشق طريقه متفكها عبر الاذاعات ومنابر الحوارات تلك الضربة القاضية التي عاجلته بها كوندي وهو في ذروة مجده وخيلائه.
وللوهلة الاولى.. لم يستطع ان يرد بغير جمل مقطوعة الانفاس من نوع "لا علم لي بهذا الموضوع" و"ليس هناك شيء جديد" وهكذا.. ريثما يلملم شتات نفسه ويرى اين ستطيح به اللكمة هذه المرة. في الماضي عندما كان يمارس لعبة المصارعة على امل ان يكون بطل العالم في هذا المضمار، ادت اصابة في كتفه الى تركه اللعبة والانتقال الى حلبة السياسة. والان وهو في قمة استعراضاته، تأتي المصيبة من حيث لا يتوقع. وفي الوقت الذي كان يضع فيه الخطط لانفاق الـ 87 بليون دولار التي وافق الكونغرس بعد اخذ ورد طويلين على تخصيصها لاعادة اعمار العراق، تقفز كوندي من حيث لا يدري لتضع حفنة الدولارات بجيبها وتمضي.
القصة هكذا اذن.. ما أن نطق الكونغرس بالموافقة حتى كانت كوندي الخبيثة في طريقها الى المزرعة التي يقضي فيها بوش الصغير اجمل اوقاته. وعادت من المزرعة وبيدها وثيقة تجعلها «ست البيت» والكل في الكل في موضوع العراق بكامل ملفاته المالية والامنية والسياسية والاعلامية.. تاركة للعزيز رامسفيلد التهتهة والفأفأة ومحاولة استنباط تعبيرات فكهة ولامبالية كما يفعل دائما لتفادي الاحراج في حين انه كان يتميز غيضا من «الملعوب» الذي وقع في حقه.
في احدى حواراتها شبهت كوندي اخفاء الاخطاء مثل كنس التراب واخفائه تحت السجادة (وهذا تشبيه لا يخطر – لعمري – الا على بال النساء) وطبعا هذا عمل ربة البيت الكسول. اما الان فقد انتفضت الست كوندليزة وقبل دخول رمضان والاعياد للقيام بحركة تنظيف شاملة في البيت. نفضت السجادة بترابها في البلكونة فتزحلق منها كما رأينا رامسفيلد، جزاءً وفاقا لأنه لم يحسب – عند توزيع ثروة العراق -حساب شركة شيفرون للبترول (التي كانت كوندي عضو مجلس ادارتها قبل المنصب).
ثم اقتحمت المطبخ وامسكت بطبق فسنجون ساخن وقذفت به مثل رامي قرص ماهر ليتخطى الحدود ويقع على أم رأس عزيزنا بريمر الذي طالما احب هذه الاكلة العراقية ولكن ليس بهذه الطريقة من التناول بالضبط!
فالآن سيكون عنده رئيسان.. وبهذا يزداد مغصا وارتباكا وتخبطا. وتعرفون ماذا يعني وجود ربانين في مشحوف واحد!
ثم اغارت الدكتورة رايس على الصغير بوش في مزرعته وانتزعت منه حفنة الدولارات التي ستخفيها في علب «الرز» في دولاب المطبخ وستوفر بحذاقتها كما وفرت لجامعة ستانفورد عندما كانت مسؤولة عن الميزانية مبلغ 20 مليون دولار. ويقال انه من حكاية الرز هذه جاء اسمها (رايس) والله اعلم.

والان.. هذا ما أحبه في القدرات النسائية. فمن منكم بحق الله كان يتوقع هذا الانقلاب المفاجيء من العزيزة كوندليزة؟ لم نكن حتى نعيرها ادنى اهتمام ولم نكن نحب اسلوبها في الرد على الاسئلة. كانت تبدو وكأن احدا لقنها درسا وتخشى ان تنسى منه كلمة، فكانت تردد ما حفظته بدون توقف حتى انها لم تكن تبتسم لأية طرفة خشية ان تتساقط الحروف من فلجة اسنانها الامامية وكانت دائما تجيب اجابات لا علاقة لها بالاسئلة فكأنها لا تريد ان تحيد عما حفظته عن ظهر قلب. لم يكن يبدو عليها الذكاء او التميز او الابداع وهي تكرر دائما نفس الاجابات وان اختلفت الاسئلة. ويقال ان اول معرفتها بوش الصغير ان والده بوش الكبير جاء بها لتعليمه ما يحتاجه عن العالم.. واذا كان هذا نوع التلميذ فكيف بالاستاذ ؟

ولكن دعوني اقول لكم ان كوندي ليست امرأة سهلة. لو استرجعنا مسيرة حياتها العلمية منذ ان كانت استاذة للعلوم السياسية في جامعة ستانفورد حتى عضويتها في مجالس عدة شركات كبرى اهمها شيفرون التي اطلقت اسمها على احدى ناقلاتها النفطية، لأدركنا ان السيدة شقت طريقها بدأب ومثابرة وخبث وتملق وانتهاز الفرص. ففي الثمانينات حين كان الاتحاد السوفيتي محور احداث العالم انصب اهتمامها على كتابة ابحاث عن روسيا واوروبا الشرقية وهذا ما لفت انظار بوش الاول اليها، فاستعان بها ثم عرفها على ابنه كما اسلفنا لتعليمه ما لم يعلم ومن وقتها والصغير يعتمد عليها في تلقينه كل ما يحتاجه من معلومات حول اسم هذا الرئيس او مساحة ذلك البلد وما الى ذلك. وهي تقف خلفه وهو يلقي خطبه لتذكره مثل ملقن اذا ما نسي كلمة او بداية جملة. ولهذا اذا سمعتموه احيانا يغلط في اسم او كلمة او ينطقها بالمقلوب فذلك يعني أن ضجة المناهضين له في القاعة كانت عالية فلم يسمع نطق الكلمة الصحيحة من الاستاذة التي تغششه من ورائه.
ولا ندري ما هي المميزات التي جعلته يختارها مستشارة الامن القومي ونعلم الان ان الاستشارة الوحيدة التي افادت بها أي امريكي هو حين انقذت صديقها ويلي براون عمدة سان فرانسيسكو من ان يكون احد ضحايا احداث 11 ايلول/سبتمبر حين حذرته قبل يوم من الكارثة الا يستخدم الطيران المحلي لمدة اسبوع (راديو باسيفيكا 17/5/2002). ولو انها ادعت بعد الاحداث ان البيت الابيض لم يكن لديه علم مسبق بما جرى. ولكن من بقيت لديه القدرة او المثابرة على احصاء وتسجيل كل الاكاذيب البيضاء والسوداء والرمادية التي يرددها المسؤولون في الادارة الامريكية. وقد تكون السيدة صادقة ولا احد – سواها – كان يعلم بالاحداث قبل وقوعها!
وافضل وصف يمكن اطلاقه على العزيزة كوندليزة هو انها مثل مديرة المنزل الشاطرة تحمل على الدوام كيس قمامة تركض به وراء بوش الصغير لتجمع به فضلات الفوضى والقذارة التي تخلفها لعباته السياسية الخرقاء. فهي تجمل صورته في كل مناسبة تظهر بها، وتبرر اكاذيبه بأكاذيب اكثر سذاجة، واذا سألها احد عن رأيها في امر من الامور تجيب بأن "السيد الرئيس يعتقد كذا وكذا" فتقحم اسمه في كل جملة. وهذا غير ما يفعله رامسفيلد وغيره من فلول الادارة. فهم يعلنون اراءهم بكل صفاقة وكأن كلا منهم صاحب الامر والنهي واحيانا تكون مناقضة او مغايرة لآراء الرئيس فيكون عليه واجب النفي والتوضيح مما يربك ذهنه المشوش اصلا.
هذا ما أسميه «كهن النساء» الذي قاد امرأة لاتشبه «مونيكا» في أي شيء لتتربع على سطح المكتب البيضاوي في البيت الابيض واضعة في حجرها 87 بليون دولار واربع لجان لادارة شؤون العراق املا في انقاذ انتخابات الرئاسة القادمة.
ولكن سواء راح رامسفيلد او جاءت كوندوليزة.. فالورطة هي الورطة. لأن كل هؤلاء اللاعبين وغيرهم من الباحثين والمنظرين والمفكرين الامريكان.. اذكياء على الورق فقط: يرسمون ويخططون ويحللون ويرفعون ويخفضون. ولكن شيئا واحدا يغيب في كل مرة عن اذهانهم.. هو انك لا تستطيع ان تتكهن – مهما كنت واسع العلم والتجربة – بما يمكن ان تفعله الشعوب في زمن ما وفي مكان ما. ان ردود افعالها رهن بظروف عديدة متشابكة ومعقدة قد يكون او لا يكون لك يد فيها.
فمن كان يتوقع مثلا ان يقع الجنود الامريكان بهذه السرعة صرعى سلاحين فتاكين: المقاومة، و العيون التي في طرفها حور؟ فإن الانباء تترى عن تزايد اعداد الجنود الامريكان الذين يعلنون اسلامهم للزواج من عراقيات بعد ان وقعوا «اسرى» سحرهن البابلي. وهذا ما يسميه مجلس الحكم «المقاومة السلمية» حيث لو طال الوقت بالاحتلال، لوجد رامسفيلد جنوده يرجعون اما في توابيت او في اقفاص.. الزوجية. واذا استمر الحال ولم تكف البابليات عن اطلاق السهام بين الرصافة والجسر، قد يجد الحاج رامسفيلد نفسه يرأس جيشا من المسلمين: بعضه سنة وبعضه شيعة! بثينة الناصري