العرب يهملون آسيا الوسطى، على العكس من إسرائيل

ابوظبي - أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة تحت عنوان "آسيا الوسطى بين التنافس الدولي والتغلغل الإسرائيلي" ، وتبدو قيمتها من موضوعها الحيوي الذي يأخذ باهتمام العالم، ومن طبيعة التناول القائمة على سبر الأحداث والوقائع التي شهدتها – أو تشهدها - منطقة آسيا الوسطى منذ استقلت جمهورياتها عن الاتحاد السوفيتي حتى الآن . وتتبع في معالجتها الموضوعية العلمية، والتوثيق الدقيق للمعلومات والأحداث والوقائع مع ببليوغرافيا واسعة، والرؤية المنهجية الواضحة، والوسائل الإجرائية المستمدة من أحدث النظريات العلمية.
وتُبرز دراسة المركز الذي يعمل تحت مظلة جامعة الدول العربية، التوقعات بأن تكون تلك الجمهوريات مصدراً لانتشار الأسلحة النووية والتقنية الروسية المتطورة، مما جعلها محل تنافس إقليمي ودولي؛ تسعى فيه مختلف القوى إلى الاستئثار بالنفوذ فيها، ودفع بإسرائيل إلى اتخاذ كل الوسائل والتدابير بغية تحسين علاقاتها بها، بحثاً عن أسواقها، وللحصول على "اليورانيوم المخصب"، بغية تطوير أسلحة الدمار الشامل لديها.. وتنطلق من جملة من الإشكاليات تُحدّد اهتمامها الرئيس؛ مثل تفسير سعي دول آسيا الوسطى إلى تقوية علاقاتها بإسرائيل، في ضوء علاقتها بروسيا من جهة، وإيران وتركيا من جهة أخرى، ودور المعطيات والتفاعلات الداخلية في ذلك، والتأثير الإيجابي لعلاقة إسرائيل بالولايات المتحدة وتركيا على نفوذها وتغلغلها داخل تلك الجمهوريات، ونتائج كل ذلك على العلاقات العربية بدول آسيا الوسطى.
وعن طريق معطيات "نظرية النظام العالمي" (World System Theory)- التي تركز على هيكلة التطور التاريخي للنظام العالمي- تقف الدراسة عند هذه الإشكاليات؛ فتستعرض في النقطة الأولى الوضع الجغرافي- السياسي، والأهمية الاستراتيجية للمنطقة، مبرزة اختلاف الآراء في تحديد منطقة آسيا الوسطى بين من يحصرها في جمهوريات قازاقستان، وطاجيكستان، وقيرقيزيا، وتركمانستان، وأوزبكستان، وأذربيجان، وبين من يوسع مفهومها ليشمل أفغانستان وشمال شرق إيران، وشمال غرب الصين ومنغوليا. وإذا كانت الدراسة تأخذ بالتحديد الأول فلأنه أكثر تواتراً بين قراء العربية، لذلك تقف عند المكونات الطبيعية والبشرية للجمهوريات المذكورة، مستخلصة أن الاحتياطات المؤكدة من النفط والغاز أثارت الاهتمام والتنافس، وأخرجت تلك الجمهوريات من طور النسيان والعزلة؛ حيث غدت مسرحاً لتنافس إقليمي ودولي، تشارك فيه، إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين، كل من إيران وباكستان وتركيا وإسرائيل، وهو ما جعل هذه المنطقة تعرف الآن بـ "قلب آسيا"؛ نظرا لاحتياطاتها الهائلة من الذهب واليورانيوم، والنحاس، والفلزات الثقيلة، فضلا عن كونها ثاني احتياط عالمي للغاز والنفط، بعد منطقة الخليج العربي، الأمر الذي جعل كثيراً من الخبراء يعتقدون بوجود علاقة وثيقة بين الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد الإرهاب في أفغانستان وبين موارد الطاقة الهائلة في بحر قزوين؛ خاصة أن التقرير الصادر عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في ربيع 2000 تحت عنوان "اتجاهات العالم حتى 2015" أشار إلى احتمال نشوب حرب في منطقة آسيا الوسطى بسبب تعارض المصالح بما فيها البترول.
ولم يفت الدراسة أن تبرز ما تتعرض له الدول المذكورة من تخلخل في بنياتها الاجتماعية والسياسية، بسبب ارتباطها الطويل بروسيا، وتنازع هويتها بين أن تكون دولاً آسيوية تتجه نحو الشرق، أو مسلمة تنحو نحو الجنوب، أو تركية تميل إلى تركيا ذات العلاقة الوطيدة بإسرائيل. وهذا ما جعل الوضع الداخلي لهذه الجمهوريات صعباً، فهي ما تزال تعاني من أزمة الهوية، وعدم التكامل الوطني، وتتعرض لمخاطر الانقسامات والتوترات الدينية والعرقية واللغوية، وما تزال السياسة تتأثر بالأشخاص والقبائل، فضلاً عن أن النخب السياسية الشيوعية تستخدم أ فكار التحوّل إلى آليات السوق، والتخلي عن القطاع العام، والتحول الديموقراطي، وغيرها من الأفكار من أجل تكريس سلطتها. وكلها أمور تجعل الاستقرار في منطقة آسيا الوسطى محل تساؤل، مما حدا بوزير الخارجية البريطاني الأسبق إلى القول "إن آسيا الوسطى تقود إلى عصر المباراة الكبرى (Great Game) التي دارت في الماضي بين روسيا وتركيا وإيران والهند من أجل الحصول على المزايا الاقتصادية والسياسية، ومما يجعل المباراة أكثر خطورة عما كانت عليه منذ مائة سنة أن الإقليم يعج اليوم بالسلاح".
وتبرز الدراسة كيف وقعت جمهوريات آسيا الوسطى في مأزق الاختيار بين عدة بدائل أثناء بحثها عن علاقات مثمرة؛ فمن جهة كان التنافس على أشده بين إيران وتركيا. الأخيرة تستند إلى روابطها التاريخية والقومية مع تلك الجمهوريات، وإلى خبرتها في تأسيس نظام علماني بعيد عن التطرف الديني، الأمر الذي يلامس هوى عند نخب سياسية حاكمة، لم تتخلص بعد من المقولات الشيوعية، وما تزال ترى شبح الهيمنة الروسية، خاصة بعدما أعلنت روسيا صراحة حضورها في سياسة آسيا الوسطى من خلال كومنولث الدول المستقلة، أما إيران فتحرص أن يكون لها وجود في آسيا الوسطى، وأن تشرك في ثروات بحر قزوين بأي طريقة، رغم العوائق التي تعترضها، انطلاقاً من أنها لا تحقق رغبة الجمهوريات في الانفتاح على أميركا والدول الغربية، وليس لها وجود اجتماعي أو ديني في تلك الجمهوريات، حيث لا توجد أقليات شيعية، وحيث نظرة النخب السياسية هناك إلى إيران باعتبارها أقرب إلى الأصولية الدينية. ولعل طريق خط نفط أذربيجان يعكس قوة الصراع والتنافس بين القوى الإقليمية، حيث تحرص الشركات الغربية وتركيا أن يمر من باكو إلى جيهان، بينما تطرح روسيا بديلا متمثلا في باكو سوبسا.
وفي إطار وقوفها عند مظاهر التنافس الإقليمي والدولي من أجل الاستئثار بآسيا الوسطى أبرزت الدراسة – بصفة خاصة – التنافس الروسي الأميركي؛ حيث تسعى الأولى مع مجيء بوتن إلى استعادة نفوذها في المنطقة، وتعارض تدفق الاستثمارات الغربية، باعتبارها برهاناً على رغبة الولايات المتحدة في التواجد السياسي والعسكري، الأمر الذي ترفضه موسكو من منطلق أن النظام الأمني الأورو – آسيوي يجب أن يظل قاصراً على دول المنطقة بعيداً عن النفوذ الأميركي والأوروبي. ولعل مما يزعج موسكو أكثر تلك التقارير التي تتحدث عن عزم حلف الناتو التوسع باتجاه آسيا، وأن حراسة أنابيب نفط قزوين ستوكل إلى القوات الأميركية في قاعدة "انجرليك" الجوية بتركيا، وهو ما جعل روسيا ترفض تقسيم بحر قزوين بين الدول المطلة عليه، وتسعى إلى جعله بحيرة داخلية لا يمكن تقسيمها إلى مياه إقليمية، وبالتالي لا تنطبق عليها النصوص القانونية الخاصة بالبحار، وتساندها إيران في هذا المسعى، لأن نصيبهما من البحر المذكور لا يتمتع بالثروات التي يتمتع بها نصيب كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان.
ورغم أن روسيا تعترف بزيادة النفوذ الأميركي في المنطقة إلا أنها تسعى إلى بلورة سياسة إستراتيجية، تضمن لها وجود منطقة عازلة صديقة أو محايدة، بعيدا عن النفوذ الأميركي، مع الحفاظ على استقرار المنطقة، لأن أي صراع ينشب يمكن أن ينتقل إلى داخل روسيا، مع إضعاف النفوذ الأميركي، وتقوية العلاقة مع إيران، ومحاربة الأصولية الدينية في آسيا الوسطى، خاصة أن جوار جنوب روسيا به تسع دول إسلامية يبلغ تعداد سكانها 295 مليون نسمة، بالإضافة إلى 20 مليون نسمة يعيشون داخل روسيا، وينتظر أن يصل عدد المسلمين في المنطقة بحلول سنة 2025 إلى 450 مليون نسمة، وهو ما يخيف روسيا، ويجعلها تضع في الحسبان ضرورة محاربة الأصولية الدينية التي تريد تفعيل دور الإسلام في المنطقة.
أما الاستراتيجية الأميركية فإنها تولي أهمية لروسيا من منطلق الرادع النووي الذي تمتلكه، وكذلك من علاقتها الحميمة بجمهوريات آسيا الوسطى في إطار دول الكومنولث المستقلة، لكنها تسعى في نفس الوقت إلى حصار التوجهات القومية التوسعية المتشددة التي تنمو في روسيا، وتنادي بحماية الجوار الروسي، ولذلك تبني معادلة أمنية في المنطقة تقوم على توسع حلف الناتو جهة الشرق، ودعم التواجد التركي الإسرائيلي في آسيا الوسطى، ثم الربط بين الأخيرتين (إسرائيل وآسيا الوسطى) عن طريق بعض الدول العربية، مع مقاومة النفوذ الإيراني في المنطقة من خلال رفض المقترحات الداعية لنقل البترول والغاز من آسيا الوسطى إلى ميناء بندر عباس الإيراني. إلا أن إيران غير مستسلمة للضغوط الأميركية؛ بل عملت على مد خط للسكك الحديدية على مسافة 1500 كلم لربط قازاقستان وأوزبكستان ببعض المدن الإيرانية والخليج العربي، وأطلقت عليه طريق الحرير، إحياء لفكرة الطريق القديم الذي كان يربط دول آسيان، كما تسعى جاهدة لفك العزلة عنها من خلال الارتباط بالجمهوريات المذكورة؛ خاصة قازاقستان التي تعتبر أكثرها تقدما من الناحية التقنية، والتي تسعى إيران من خلال العلاقات معها إلى تطوير تقنيتها العسكرية.
وفي نقاط مفيدة تناولت الدراسة التغلغل الإسرائيلي في دول آسيا الوسطى، دواعيه والإستراتيجية التي توجهه، والدعم الذي يقف عليه من الولايات المتحدة وتركيا، وتأثيره على الأمن العربي، حيث تستهدف إسرائيل من علاقاتها بالدول الآسيوية إلى الالتفاف حول الوطن العربي وإيران، وإلى منع تطوير علاقات الدول المذكورة ببعدها الإسلامي، بصورة تتمكن فيها إسرائيل من الاستفادة من التقنية الروسية، وترتبط أكثر بالمركز الذي مد الدولة العبرية ببعض الجاليات اليهودية، وفي الوقت نفسه تنفذ سياسة الولايات المتحدة وحلف الناتو في المنطقة.
وقد حددت الولايات المتحدة - في إطار استراتيجية نفوذها في المنطقة - الدور الذي يمكن أن تلعبه تل أبيب، باعتبارها أفضل قوة إقليمية يمكنها الاعتماد عليها. ويتمثل ذلك الدور في التحكم في التفاعلات الإقليمية في منطقة تعج بالصراعات، والحيلولة دون فرص قيام تحالف بين الصين وروسيا والهند وإيران، والتصدي لأي تحركات عالمية أو قارية تقوم بها الصين، ومواجهة الأصولية الدينية، وتحييد القنبلة الإسلامية الباكستانية، وإبعاد دول آسيا عن التفكير في امتلاك قدرات نووية .
ومما ساعد على تطوير العلاقات بين إسرائيل ودول آسيا الوسطى رغبة هذه الدول في دفع علاقاتها مع الغرب؛ بحيث تكون إسرائيل المعبر الذي يوصلها إلى الولايات المتحدة وأوروبا، كما تستفيد في الوقت ذاته من التكنولوجيا الإسرائيلية المتطورة، وهو ما تجلى في مظاهر التعاون، الذي شمل العمل على تحديث إسرائيل لنظم التسليح السوفيتية القديمة لدول آسيا الوسطى، بالإضافة إلى التعاون في مجال الاتصالات، وفي المجال الاقتصادي الذي كان أكبر المجالات من حيث الحجم والأهمية، بل إن علاقات التعاون امتدت لتشمل الجوانب الثقافية، فقد نظمت إسرائيل زيارات لفنانين من تلك الدول، وتقوم برحلات ترفيهية بين شباب تلك الدول وشبابها . وتبرز الدراسة أبعاد التعاون الأميركي الإسرائيلي التركي لإحكام النفوذ في دول آسيا الوسطى، ومجابهة القوى الإقليمية الأخرى خاصة إيران، أو العالمية كالصين وروسيا.
وفي نقطة أخيرة تبين الدراسة أن التعاون العربي مع جمهوريات آسيا الوسطى ظلّ دون المستوى اللازم، رغم إلحاح جامعة الدول العربية في الدورة السابعة والتسعين على ضرورة تحسين العلاقات مع تلك الجمهوريات، إلا أن التعاون العربي ما زال في حدود المسائل الثقافية كبناء المساجد، وتوزيع الكتب، ولم تدرك بعد النخب السياسية في تلك الدول حاجتها للتعاون الأمني والاقتصادي مع الدول العربية .. لذلك تدعو الدراسة إلى كسب ثقة جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية ، وبذل جهود ملموسة في تحسين صورة العرب هناك ، وخصوصاً لمواجهة التأثيرات السلبية التي أحدثتها بعض دوائر السياسة والإعلام الغربية والأميركية.